الأصولية كما رويتها لابنتي

صدر للأستاذ حميد زناز كتاب بعنوان : ” الأصولية كما رويتها لابنتي” L’islamisme raconté à ma fille, ed. Tamaris, mai 2014.

ينشر “الأوان” مقطعا منه، اختاره الكاتب نفسه.

هل يمكن تحديد الفترة التي بدأ الشعور بالإحباط يطفو فيها على السطح؟ وهل وراء ذلك أسباب موضوعية؟ 

كغيرها من البلدان التي تعتمد بشكل شبه كلي على البترول والغاز، كانت بداية المصاعب في الجزائر مع انخفاض سعر المحروقات، وبالتالي عدم قدرة الدولة على الاستمرار في نهج سياسة الخدمات المجانية والأسعار المدعومة.

وما دخل الأزمة الاقتصادية باكتساح الفكر الأصولي للساحة؟ هل يؤدي الإحباط وانسداد الآفاق إلى العودة إلى الدين؟ هل الدين هو ملاذ المحرومين؟ هل كان ينتظر الناس من الدين حلولاً لمشاكلهم اليومية، أم ماذا؟

صحيح! أنتِ اليوم في يومكِ فعلاً. أسئلتك محددة وتحيط بالمسألة من كل جوانبها. ولكن لا يمكن أن نتطرق للموضوع في كل تفاصيله، لأن ذلك سيأخذ منا وقتاً طويلاً، فضلاً على أنه مشروح بدقة في كثير من المؤلفات. سنكتفي بالقول إن الحركات الإسلامية استغلت الفراغ السياسي وحولت اهتمامات الناس الدينية في البداية إلى عمل سياسي احتجاجي.

ولكن لماذا لم يفعل الآخرون نفس الشيء؟

آه كنتُ أنتظرها هذه! أتعرفين لماذا؟ لأن الناس حينما أُغلِقت أبواب التعبير والتجمع في وجوههم، حوّلوا المساجد إلى أماكن للتجمع الاحتجاجي ومنابر للتعبير السياسي. فتحوّل الجامع، مع مرور الزمن واستمرار القمع والتضييق على العمل السياسي العادي، من مكان للتعبّد إلى مكان لممارسة السياسة. أو لِنقل أصبح أهم مركز لمقاومة الأنظمة القائمة. وطبعاً دون نسيان أحزاب سياسية يمينية ويسارية وشخصيات معارضة ليبرالية كانت تنشط في سرية وشبه سرية أحياناً. وقد نجح الإسلاميون في استقطاب الرأي العام لتوفر منابر مجانية لهم على طول الوطن العربي، هذا على الرغم أيضاً من أن الإسلاميين لم يسلموا من المراقبة الصارمة أحياناً والتساهل معهم في أحيان كثيرة من طرف الأنظمة، وكان الهدف هو ضرب الحركات اليسارية والديمقراطية بالأصولية الإسلامية.


آه.. قد قلتَ مرة إن الأنظمة في العالم العربي قد حدث لها ما حدث للدكتور فرانكشتاين، ذلك الذي خَلق مارداً ثم لم يستطع السيطرة عليه!

بالضبط يا عزيزتي، وأنا سعيد جداً أن ثرثرتنا المستمرة منذ أن كنت صغيرة لم تذهب سدى. لكن يجب أن نضيف أيضاً أن ما هو مارد اليوم قد كان هيولى منذ بداية الإسلام، وقد بدأ في التكون في شكله الحالي في النصف الثاني من القرن الماضي؛ وهو ما يسمى الحركة السلفية. لكن إذ عدتِ إلى حالة الجزائر، فوصفكِ يعبّر عن الوضع الذي كان قائماً ولا زال. أتذكّر أنني قلت لك أيضاً إن النظام في الجزائر تحديداً قد “ربى الثعبان في برنوسه”؛ وهو تعبير شعبي جزائري يؤدي نفس معنى مخلوق فرانكشتاين.

ها أنا قد فهمت مصدر الأصولية! هي بنت فقر وبؤس إذن؟

لا.. لم أقل هذا أبداً، فالأمور ليست بهذه البساطة، بل قلتُ إن ظروف المعيشة السيئة كانت سبباً في إنعاشها في بعض البلدان وتجذيرها في بلدان أخرى. المسألة أعقد من ذلك، فنحن نرى أصولية متشددة في بلدان غنية مثلاً. وليس هذا فحسب، بل عرفنا أصوليين إرهابيين أغنياء ومتعلمين تعليماً عالياً.

كابن لادن مثلا؟

أحسنتِ، وكذلك نائبه الظواهري الذي درس الطب. وغيرهما آلاف. فلا الغنى ولا الدراسة كفيلان بتلقيح الإنسان ضد الأصولية يا عزيزتي.

هل تنزل الأصولية من السماء؟ هل يحمل البعض جينات التطرف الديني أم ماذا؟ لا تقل لي مِن فضلك أنك تقصد ذلك، لأنني لا يمكن أن أصدّق أبداً رأياً مثل هذا، يُجوهر الأفراد! وهذا يتناقض تماماً مع كل ما تعلمته معكَ وفي المدرسة ومن قراءاتي.

أنا فخور بتعليقكِ وحزين في نفس الوقت!


عفواً لم أقصد.. ولكن تلك هي قناعتي. لكن وضّح أكثر يا أيها الفخور الحزين (تضحكين في محاولة التخفيف عني)؟

رؤيتُك صائبة فيما يخص عدم النظر إلى الأصولية على أنها محايثة للعرب والمسلمين، وأنا فخور بنظرتكِ الموضوعية للمسألة، أما ما كاد يحزنني فهو شكّي في أنكِ ربما فكّرت بأنني أنظر إلى الإسلاموية على أنها محفورة في جينات الأفراد المؤمنين بالإسلام.

(تضحكين كعادتك) ألم نتفق على طرح كل الأسئلة حتى غير المعقولة كي يسهل التحليل ويحلو الحديث؟

بلى يا عزيزتي!

طيب يا سيدي، فسّر لي ما كتبتَ يوماً – أو ما معناه – أن الأصولية في الجزائر كانت حتمية وكان من غير الممكن تحاشيها؟

لم أكن أقصد أنها كانت قدرا، وإنما حاولت أن أشير إلى العوامل والظروف التي عجّلت بظهورها بتلك القوة والعنف والهمجية.

عنف، همجية! ألست قاسيا جدا هنا؟

وهل تعلمين يا “رحيمة” أن الأصولية قد حصدتْ أرواحَ أكثر من مئتي ألف جزائري، أو على الأقل بسببها، ولا زالت الضحايا تسقط كل يوم، مع أن الأصولية قد وصلت إلى نهايتها العسكرية اليوم؟

أنا سعيدة بسقوطها العسكري، أليس الأمر إيذاناً بنهايتها المحتومة على كل صعيد؟

لا مع الأسف، الأمر أكثر تعقيداً من ذلك يا عزيزتي، وربما نعود لذلك في الأيام المقبلة. لكن دعينا نتحدث اليوم عما طرحتِ في سؤالك حول الأصولية في الجزائر كمثال على كيفية نشوئها وصعودها.

أنا في أحرّ الشوق إلى ذلك، كيف بدأ الطاعون الأصولي في بلدي الأصلي إذن؟ كيف اختفى ذاك الإسلام الشعبي الذي كان يحياه أجدادي؟ أنا كلي آذان صاغية!

إذن فاسمعي وعِ؟ (ونضحك في نفس الوقت…)
كان أغلب الجزائريين يا عزيزتي وحتى أواخر الثمانينيات من القرن المنصرم حداثيين، بل براغماتيين في سلوكاتهم وتصوّراتهم وأحلامهم إلى حدّ بعيد.

نعم نعم؟ لا أكاد أصدقك. وماذا حدث لهم إذن؟

كانت الحداثة بمثابة غنيمة حرب، عاشوها تلقائيا ﻜ“حداثة لاواعية”. كانوا يتبعون حسّهم الطّبيعي السليم. وذلك لسبب بسيط يتلخّص في أنهم لم يكونوا مطّلعين بعمق على أوامر دينهم ونواهيه. بعبارة أخرى لم يكن لهم علاقة مباشرة بذلك “الإسلام العالم”..


عذرا أقاطعكَ ماذا تعني ﺑ“الإسلام العالِم” 

اصبري لو فعلتِ لجاءك الجواب لتوه..
أقصد “إسلام الفقه التوتاليتاري”. كان لأجدادكِ إسلامهم الخاصّ، غير المتعالم ، ذلك الإسلام الشعبيّ الفولكلوريّ المتوارث شفاهياً.

وبعد…

ولكن مع تعميم التعليم، ابتداء من فجر الاستقلال، التقى جيل ما بعد الاستعمار مع الإسلام النصّي العالِم، فأحدث اللقاء أزمة هويّة قويّة، أدّت بدورها إلى خلق رغبة جامحة في إعادة أسلمة الحياة. وهو ما عُرف بالصحوة الإسلامية المسكونة بعُصاب الالتصاق بالنصوص والاقتراب أكثر فأكثر من ذلك النظام الحياتيّ الذي تُبشّر به المدرسة، وتدّرسه على أنّه هو المثال والبديل للنظام الشيوعيّ المادّي وللنظام الرأسمالي الظالم.

تقول بأن الأصولية كانت تُدرَّس في المدارس الرسمية؟

ولا زالت يا عزيزتي. وليس في الجزائر فحسب بل في كل البلدان العربية، ما عدا تونس التي تحبين شواطئها وياسمينها.
أتعرفين لماذا يتمرد بعض الشبان ويلتحقون بالأصولية؟

نعم لأسباب متعددة كما سبق وأن شرحتَ لي.

وأهمها تمردهم على الحاضر باسم الماضي المؤمثل، الذي تعلموا التعلق به في المدرسة. فهم يعادون حاضرهم الذي لا يتطابق مع الوعي الديني الظلامي الذي طعّمتهم به المدرسة. وهكذا يصبحون أصوليين يرفضون مجتمعهم الفعلي باسم مجتمع خيالي وهمي لم يوجد قط في التاريخ. ولكن المدرسة هي التي زرعته في أدمغتهم وأوهمتهم بإمكانية العودة إلى ذلك الماضي المحلوم به. وكما هو معروف يا عزيزتي تؤدي مثلنة الماضي في كل الأحوال إلى خلق شعور دائم بالدونية.

أطالب بأمثلة دقيقة.

كان كتاب الفلسفة الرسميّ الذي درسناه كمقرَّر لطلاب البكالوريا يقدِّم النظام الرأسمالي كأطروحة والنظام الشيوعيّ كنقيض لها، ويأتي النظام الإسلاميّ كتركيب أبديّ، يجمع بين محاسن الأوّل والثاني ويتجنب مساوئ الاثنين معاً. وهكذا يُوقَف الديالكتيك نهائياً بعدما قُلب رأسا على عقب.

وهل اعتمدت هذا التركيب العجيب يا أستاذ الفلسفة سابقا؟

لا.. أبداً ولم أكن الوحيد الذي لم يدخل في هذا التلفيق. ولا تنسي يا عزيزتي أن عمري لم يكن حينها قد تجاوز 25 سنة بعد.
هذا في مادّة الفلسفة. أمّا في غيرها من المواد فلا حديث إلا على الشريعة والتمكين لها وممارسة الضغط على الفتيات ليدفنّ أنفسهن تحت حجاب وجلباب. وهكذا بدأت الجزائريات يسدلن الظلام على الضياء كما يقول أبو نواس. وفي أقلّ من عقدين من السنوات غاب صبحهنّ تحت ليل.

القول جيد، وإن كان المضمون محزناً حقاً! ولكن أين تَمظهَر التغيّر؟ هل كان مرئياً، بغض النظر عن انتشار الحجاب بين النساء؟

غرق ذكور الجزائر في توقير زائد لشيوخ الدين، وأصبحوا يتسولون الفتوى من كلّ دجال درويش. وانتشرت بينهم بدع في الهيئة والهندام تدلّ على خلخلة قد مَسّت المجتمع الجزائريّ في عمقه وعلى تشظٍّ في الشخصية الجزائرية يظهر في صورة انتماء الناس إلى عدة عصور متباعدة عن بعضها في آن. فتري فوق الجسد الواحد عباءة تقليدية وتحتها سروال جينز، وفي الرِّجلين حذاء رياضة من آخر الصيحات… وتري إيماناً بالطبّ الحديث والعلم بالترافق مع إيمان بالرقية الشرعية والجنّ والعفاريت المذكورة في القرآن مِن قبل أطبّاء وصيادلة؛ كما رأينا في كثير من برامج الكاميرا المخفية، المضحكة-المبكية…

لكن كيف يمكن أن يحدث انقلاب بهذا الشكل؟

إليكِ مثال طريف: في السبعينات كان الصائمون أقلّية بين عمّال أسبوعية شهيرة في الجزائر، وكانوا يتظاهرون بعدم الصوم خوفاً من تهكّمات زملائهم. ولكن في الثمانينات أصبح المفطرون أقلّية يدخّنون سجائرهم في سرية خوفاً من هراوات زملائهم…

صورة جيدة… لكن هل تريد أن تقول إن الأصولية هي ثمرة انتشار الثقافة والتعليم وليس العكس؟

نعم هي كذلك. إذ الذين يريدون تأبيد المؤقّت، المتباكون على ذلك الزمن الذي كان فيه الجزائريّ متصالحاً مع إسلامه الفلكلوريّ المطعَّم أصلاً بمكتسبات الحداثة التي ورثها من العهد الاستعماري، يتناسون أنّ الجزائري كان كذلك لأنّه كان بعيدا عن الإسلام الحقيقيّ، وكان حتميا أن يتمّ اللقاء بينه وبين ذاك الإسلام المكتوب. وحينما التقى به رفض الحداثة لأنّه وعى أنّها مناقضة له. وهو محقّ في ذلك. فتعاليم الإسلام تتعارض جليّاً مع أهداف الحداثة، وهو أمر طبيعيّ يفسّره البَون الزمنيّ الشاسع الذي يفصل بينهما.

واصل.. واصل.. بدأت أدخل في منطق تفسيراتك؟

وهكذا عاد الحداثيون الجزائريون الواعون بحداثتهم إلى مكانهم الطبيعي. فأصبحوا هامشيين كما كان المعرّي وأبو نواس والحلاج وعمر الخيام، وغيرهم في زمن ما نسمّيه حضارة عربية إسلامية. 

فلماذا نستعمل كلمة أصولية إذن؟ نحن نعيش عودة عامّة إلى “الإسلام العالِم” الأصيل في كافة أنحاء العالَم الإسلاميّ. هي عودة إلى منابع الإسلام: القرآن والسنة والفقهاء.

إذا كان الأمر كذلك، فما هو الفرق بين مسلم راديكاليّ ومسلم معتدل إذن؟

الراديكاليّ هو ذاك الذي يعود إلى أصول الإسلام، إلى أسسه وتعاليمه الصافية. والمعتدل هو من يبتعد عن ذلك مهما كانت درجة ذلك الابتعاد. الإسلام عقيدة إيمانية ومشروع مجتمع في نفس الوقت، فمن الصعوبة بمكان الفصل بين هذا وذاك. فالقول باضمحلال الأسلمة أو الأصولية تلازماً مع التقدّم الثقافي وانتشار التعليم لا معنى له البتّة، حتى لو رفعه البعض شعاراً، مدّعين أنّ الإسلام لم يقم بثورته العلمانية بعدُ وأنّ الحلّ كامن وراء التقدّم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ولماذا لا يكون الأمر كذلك يا سيدي؟

وأنا أسألكِ بدوري يا سيدتي: هل تَعلمَنَ مسلمو الغرب الذين يعيشون بعيداً عن التخلّف الاقتصادي والثقافي والاجتماعيّ؟ وهل منع الرفاه في بلدان الخليج من السقوط في أحضان الأصولية؟ لكن السؤال المغيّب باستمرار هو: لماذا لم يأخذ الإحباط الاجتماعي المتراكم في البلدان العربية شكلاً آخر من التعبير غير الاحتجاج الديني؟

ذلك هو السؤال الذي أريد طرحه عليكَ بشكل مباشر مستقبلاً، ولو أنك قدمتَ لي بعض عناصر إجابة في الدردشات السابقة. ولكن عودة إلى ما نحن بصدده: ألا توجد محاولات جدية مِن لدن بعض المسلمين في أوروبا لإيجاد تسوية معينة بين الروحي والدنيوي؟

فعلاً، ولكن تبقى في رأيي شكلية ودون جدوى. فمثلاً في كتابه “إسلام بلا خضوع. من أجل وجودية إسلامية” يذهب عبد النور بيدار بعيداً في إعادة قراءة النصوص، بل واجتهد حتى في نسخ بعضها تماماً. وهو من الذين يدعون ويؤمنون بإمكانية عصرنة الإسلام ليتماشى مع العصر وليخرج المسلم من الخضوع للنص والتعاليم التي لم تعد عقلانية. ولكنه ينسى أنّ الإسلام هو أوّلاً وقبل كلّ شيء “التسليم والخضوع لإرادة الله”. لا يمكن أن نوفّق بين الإسلام والعصر دون المسّ بلبّ الإسلام ذاته، وهو أمر لا يقبله مسلم قط. لا يستطيع الفكر الإسلامي أن يتجدد من الداخل لأنه أعطى كل ما يملك وما يستطيع، وهو اليوم في حالة محاولة للبقاء لا أكثر ولا أقل.

وما هو تعليل ذلك؟ 

ينظر أغلب المسلمين إلى دينهم على أنه منظومة فكرية وعملية شمولية، يجب أن تترتب على ضوئها حياتهم العامة والخاصة. أي أن تتحوّل الأغلبية الدينية إلى أغلبية سياسية. وهو ما انتبهت إليه وغذّته الأحزاب الإسلامية واستثمرته في صراعها الانتخابوي مع السلطات القائمة، واعدة الناس بأنّها الوحيدة القادرة على تخليص مواطنيها المسلمين من تلك السلطات بطرق سلمية ديمقراطية، بعدما فشلت عن طريق العنف.

أوَليس ذلك مفيداً وبداية لإصلاح ما، قد يُنجب ديمقراطية حقيقية مستقبلا؟

إن خلّصَنا الإسلاميّون من النظام القائم المنبوذ فمَن يخلّصنا من الإسلاميين؟ تلك هي المعضلة! ألا يعتبرون الديمقراطية كسفن طارق بن زياد التي كان لا بدّ من إحراقها حين وصلت إسبانيا حتى لا يفكّر أحد باستخدامها ثانية، على حدّ تعبير أحد النقاد.

ما هو المخرج إذن؟ بدأت أشعر باليأس، هل هناك تفكير آخر يمكن أن يُخرِج المسلمين من هذا المأزق؟

في بداية تسعينات القرن الماضي، وفي عزّ الأزمة الجزائرية بالذات، وفي غمرة احتدام الصراع بين أنصار توقيف المسار الانتخابي، تجنباً لاستيلاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الحكم، وأنصار الذهاب إلى الدور الثاني، رغم احتمال فوز الحزب الأصولي فوزاً ساحقاً، قدّم عالِم الاجتماع الجزائري “الهواري عدي” نظرية جريئة وطريفة تحت عنوان “الارتداد الخصب”.

ارتداد خصب! إنه لأمر طريف حقا، وما محتواه؟

رأى عالم الإجماع الجزائري هواري عدي أنّ أحسن طريقة يتفطّن بها الجزائريون إلى هشاشة الخطاب الدينيّ ولا واقعيته هو تجريب حكم الإسلاميين بشكل مباشر. وهو ما يلخّصه لنا الفيلسوف الإيرانيّ داريوش شايغان: “لقد حققنا، نحن الإيرانيون، كلّ فانتازماتنا العتيقة، وقد أهّلَنا هذا التطهير أو التنفيس الجماعيّ غير المسبوق أن نفهم اليوم عدم جدوى الأحلام غير القابلة للتحقيق، وأن نعي كذلك أن كل دعوة للرجوع إلى الخلف هي ضد مستقبلنا، بل هي فخ منصوب للمغفلين. بشكل من الأشكال، نحن في مرحلة متقدمة عن بقية البلدان الإسلامية إذ ما زال أهل تلك البلدان يحلمون بالانزلاق. لنقل إننا بدأنا نلمح شعاع الشمس الذي يخرجنا من النفق المظلم بينما هم يحاولون الدخول”.
والسؤال يا عزيزتي: هل ندخل الدهليز ونجرّب ما جربه الإيرانيون مدة ثلاثين سنة، لننتبه بعد فوات الأوان أنّ حلم الدولة الإسلامية المثالية كان مجرّد وهم، وأنّ سفن طارق بن زياد قد شبعت نارا؟


لنعد إلى مسلمي الغرب، ألم يتأثروا بمحيطهم الحداثي، ألم يتجاوزوا بعض المعيقات التي قد تضعها معتقداتهم الدينية أمام انخراطهم في المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها؟ ألا تمنحهم الحرية في الغرب على الأقل التوفيق بين الإسلام والحداثة: دينهم ودنياهم؟ أم ستخرج لي مرة أخرى حكاية الخطين المتوازيين؟

يمكن أن يلفق ملفق شيئاً من هذا القبيل، وهي فكرة غالبة لدى المسلمين. لكن الحداثة مختلفة اختلافاً جوهرياً عن الإسلام لمن يريد أن يرى الاختلاف. فحسب النظرة الإسلامية يتصرّف الإنسان تحت رقابة الله، والله هو الذي يضمن له حريته، أو على الأقلّ هو الرّاعي الأوّل لها. أمّا في الحداثة فالكائن البشريّ ذاته هو الذي يُعتبر القيمة المطلقة في الكون، فلا يعتمد سوى على عقله باستعمال فكره النقديّ وتَحمّل مسؤوليته الفردية. فهل يشجّع الفقه الإسلاميّ على استعمال العقل وممارسة حرّية الفكر وتحمّل المسؤولية؟ هل يتقبّل الفكر الإسلاميّ في عمومه ركائز الحداثة الأساسية؟ 

(1) Abdennour Bidar, l’Islam sans soumission. Pour un existentialisme musulman. Albin Michel, 2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This