العشق والغدر والهجر
رمقها ذات يوم من عام 1984 و هي تلقي كلمة في ملتقى فكري، ففقد القرضاوي وقاره و فعل المستحيل للاقتراب منها بعد نزولها من المنصة و لكن عاد بخفي حنين إذ لم يفلح في تلك الصبيحة من الإقتراب منها من كثرة ازدحام الصحافيين والمصورين المعجبين بفصاحتها و قوة ما قالت. و لكنه اغتنم الفرصة في أمسية ذلك اليوم السعيد بإقامة البنات ليقترب منها و يثني عليها و لكن لغاية في نفس يعقوب.
وهكذا كانت بداية الوصل مع الجزائرية الحسناء التي كانت في عمر الزهور و حفيدة الأمير عبد القادر أسماء بن قادة. وراح يقربها منه شيئا فشيئا ثم جدا جدا و لم يترك الشيخ العجوز فرصة تمر دون أن يهدي لها كتابا من كتبه. و من “إلى ابنتي أسماء” الأبوية انتقل من يحارب الحب بين الشباب في خطبه و فتاويه القروسطية إلى إهداء غرامي أقل ما يقال عنه أنه بعيد عن الأخلاقية التي يتبجح بها منذ عشرات السنين. تقول من كانت في مرتبة الحبيبة آنذاك : “ومنذ ذلك الوقت بات يقرّبني جدا منه، ويحاول الحديث معي كلما واتته الفرصة، ويهديني كتبه، التي كان يسقط قصدا في بعضها كلمة ابنتي، ليكتب عليها”إلى الحبيبة أسماء“. وعاش الشيخ الموقر – إذا صح التعبير في هذه الحال – خمس سنوات بعيدا عن معشوقته الجزائرية و لكن حاول الاتصال بها بمجرد أن وطئت أقدامه أرض الجزائر سنة 1989. هذا إن لم يكن حضوره إلى ذلك المؤتمر المنعقد بمدينة تبسة شرق الجزائر مجرد فرصة اغتنمها مفتي قناة الجزيرة من أجل لقاء المحبوبة أسماء التي كانت من المشاركات في ذلك المؤتمر. و لم يتورع في التوسل منها ، كما جاء على لسانها في حوار مع جريدة الشروق الجزائرية في محاولة التعجيل بالعودة إلى الجزائر العاصمة بغية مقابلتها والحديث إليها و”إلا سأسافر وفي قلبي حرقة !“، كما يعترف الشيخ الولهان ذاته.
و لكن تجري الرياح بما لا تشتهي نفسه الولهانة، إذ لم تتمكن حبيبة الشيخ أن تعجل الرحيل، فعاود الاتصال بها من العاصمة الجزائرية وهي دائما في مدينة تبسة ليقول لها أنه قد أجل عودته إلى الدوحة يومين حتى يتمكن من مقابلتها ، الاختلاء بها، إذا استعملنا كلماته المكررة في خطبه ودروسه ! ولكن رغم إصراره وإلحاحه، طلبت منه من هي في سن أولاده أن يؤجل الأمر إلى فرصة أخرى وهنا أدرك الشيخ أن الوقت لم يحن بعد و أن الثمرة لم تنضج بعد لقطفها فعاد إلى الدوحة و في قلبه حرقة على حد تعبيره. حرقة سرعان ما دونها على ورق الصبابة إذ لم تمض أيام قلائل حتى وصلها من عاشقها العجوز خطاب مطول آت من الدوحة، يعترف فيه بمشاعره و عواطفه و أشواقه التي كتمها خلال خمس سنوات كاملة. و ليس هذا فحسب بل أرفق خطاب الشوق بقصيدة حب من 75 بيتا كلها حرقة و هيام و تودد من بين ما جاء فيها :
أترى أطمع أن ألمس من فيك الجوابا؟… أترى تصبح آهاتي ألحانا عذابا؟… أترى يغدو بعادي عنك وصلا واقترابا؟… آه ما أحلى الأماني وان كانت سرابا!… فدعيني في رؤى القرب وإن كانت كذابا!… وافتحي لي في سراديب الغد المجهول بابا!
صدمت كلماته الرقيقة الغليظة عقل الشابة وروحها واستغربت الأمر إذ لم يكن يخطر على بالها أن ذلك الإعجاب الذي كان يكنه الشيخ لها هو في حقيقة الأمر تعلق عاطفي غريب فتساءلت بل وتعجبت من تصرف رجل عجوز ومتزوج وفقيه نجم مع شابة عازبة في مقتبل العمر؟ ومع ذلك واصل العاشق الشيخ غزله ومجاملاته عن طريق الرسائل والمكالمات الهاتفية بل و راح يسألها حتى عن عواطفها نحوه قائلا :”
“يا حبيبي جد بوصل دمت لي واجمع شتاتي… لا تعذبني كفاني ما مضى من سنوات… بت أشكو الوجد فيها شاربا من عبراتي”.
“يا حبيبي وطبيبي هل لدائي من دواء؟… لا تدعني بالهوى أشقى، أترضى لي الشقاء؟!… لا تدعني أبكي فالدمع سلاح الضعفاء! كيف يحلو لي عيش ومقامي عنك ناء!”
أحرج العجوز الشابة فكتمت الأمر تماما عن عائلتها في بادئ الأمر و لكنها أجابته برسالة شرحت له فيها معنى الحب الذي تؤمن به بكلمات قليلة مختارة بعناية تدل على ذلك الفرق الشاسع بينها و بينه في فهم الحب و الحياة بوجه عام ، فهما لا ينتميان لنفس العصر انطلاقا من تعريفها للحب :
“ إن الحب ليس سهما ينفذ إلى ذاتي فجأة فيفجر فيها نبع العواطف و المشاعر، إنه معنى يدركه العقل، ثم يفيض بعد ذلك على الوجدان، و إن المعنى مرتبط بجوهر الشخص، فهل تمثل أنت ذلك الشخص؟ لا أدري.” يعني “ليس كل خضراء حشيش” كما يقول الجزائريون في أمثالهم. فليس كل ما لونه أخضر هو عشب، تقول الجزائرية ، فهي ذات رأي وشخصية ولا تقول نعم لكل من تسول له نفسه بحبها. ولكن لا شيء يثني عزيمة الشيخ الغرامية فيقرر الإقامة في بلد المحبوب الجزائر و ربما ليضرب عصفورا آخر هو ترسيخ إيديولوجية الإخوان في زمن كانت فيه البلاد مقبلة على انفتاح سياسي كبير بين 1990 و1991. ومرة أخرى يفشل في إقناع عائلة الشابة ولم يوفق في الإقتران بها وإشباع رغباته الجامحة. ويعود إلى قطر فاقدا لبعض من كرامته بعد رفض والد أسماء، المفكر وعالم الرياضيات، مصاهرته بشكل واضح قاطع. ووصل الشيخ إلى بيته مكسور الخاطر وهو يجر أذيال هزيمة عاطفية كبرى. ولكنه لم يستسلم لإرادة الوالد هو الذي لا يتوقف عن التذكير في دروسه وخطبه عن وجوب موافقة الولي في أي زواج كان. و حاول أن يستعطف الفتاة شارحا لها ما في صدره :
“يا حبا زاد تدفقه فغدا طوفانا يفرقني.. يا شوقا أوقد في قلبي جمرات توشك تحرقني.
أيام الشوق تعذبني كم تجمعني و تفرقني. .و ليالي الشوق تطول علي تطير النوم تؤرقني.”
وانقطع الوصال لسنوات طوال كانت كلها أسى و حسرة و بكاء إذا ما صدقنا خطابات الرجل بعد إعادة ربط الاتصال بأسماء حيث بدأت تتهاطل عليها من جديد خطابات ملتهبة من عاصمة الإخوان، الدوحة، يؤكد عبرها أنه لم ينساها لحظة و أنها تعيش بداخله و لم تفارقه أبدا بل يكتب في أحدى رسائله بدون لف و لا دوران كلمات ربما لو قالها أخر لاتهمه هو نفسه بالكفر و المروق :
“أنت معي في حركاتي وسكناتي وغدواتي وروحاتي، في سفري وفي إقامتي في البيت وفي المكتب، في الجامع وفي الجامعة وحدي ومع الناس، أكلم الناس وأنت معي وأكتب وأنت معي وأخطب وأنت معي وأصلي وأنت معي”.
و سخر القرضاوي كل معارفه للتوسط له من أجل استمالة والد الفتاة الرافض ووصل حتى إلى السيد عبد الرحمن شيبان وزير الشئون الدينية الجزائري السابق و لكن كل المحاولات باءت بالفشل مما اضطر القرضاوي إلى التوجه مباشرة برسالة تودد كيلا أقول تذلل إلى والد الفتاة تقول عنها هي نفسها :
“بعد أن فشلت كل المحاولات، كتب الشيخ رسالة إلى والدي يشرح له فيها أن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام قد تزوج من عائشة رغم فارق السن بينهما، مؤكدا له أنني سأكون في عينه وقلبه كما أعطاه كل الضمانات بأنه لن يصيبني مكروه أبدا وأنه سيعمل على إسعادي…الخ، ولكن والدي رد على الشيخ برسالة أخرى، يطلب منه فيها ترك هذا الموضوع للأبد وأنه لن يغير موقفه أبدا، وظل والدي مصرّا على رفضه، وكان يقول لي:”أطلبي أيّ شيء في الدنيا أحققه لك، إلا هذا الزواج إنه مدمر لك!”
وقد صدقت نبوءة الوالد فليس من المعقول أن يتزوج شخص من فتاة يكبرها بحوالي 60 سنة ! و إن لم يدمر ذلك الزواج، الذي تم في نهاية الأمر، حياة أسماء فقد طلقت وحرمت من النفقة و ذاقت الويلات وعاشت الجحيم لأنها رفضت العيش في الظل كجارية كما كان يرغب أبناء الشيخ و المتواطئون معهم من الإخوان في مصر والأردن وقطر… هؤلاء الذين فعلوا ما لا يخطر على بال لشطبها نهائيا من حياة الأب والزعيم.
