تفكيك المركزيّات البطريركيّة (ج2)
من ثنائيّة الذكورة والأنوثة إلى نِسْيَاقيّة فَصْمِ الذّات والتَّأويليّة المشاعيّة
وفي هذا المنحى، قامَتِ السلطة الاستبدادية البطريركية التي سيطرت على مقاليد الحكم في العقود الأخيرة بفعلين متزامنين ومتماهيين في آنٍ معاً تجاه المجتمع ذكوراً وإناثاً؛ كان الأول منهما يكمن في “تأنيث الرجل” بما هو فعل استتباع أبوي بطريركي يقترن دوماً بعملية “تأنيث” رمزي، أو إخصاء رمزي للتابع بوصفه موضوعاً هامداً أو مطاوعاً للسلطة، ذلك أن نقطة البدء في هذا التوجه تظهر عبر العلاقة بالوجيه أو الزعيم أو المسؤول (المعلم بالمألوف السوري)، فيتجلى هذا التأنيث بحركتين متكاملتين ترتبطان بخضوع التابع وامّحائه الذاتي أمام المَتبوع، وبإخضاع المُتحكِّم (المَتبوع) للتابعين ممن هم أقل منه سطوة وسلطة وموقعاً، ليكون هذا التأنيث السلطوي بما هو تأنيث للموضوع فعل تحقير، وجذوره تتعدى هرمية السلطة نفسها، ليشتمل على تأنيث المعارضة من ناحية، ويرتبط أيديولوجياً بتأنيث الآخَر/الغرب المُعادي من ناحية ثانية.
والفعل الثاني المُلازم لتأنيث الرجل والذي مارسته السلطة الاستبدادية البطريركية يكمن في “تذكير المرأة“، وذلك لترسيخ حضورها بوصفها مُساوِية لنموذج الرجل الهامد المؤنث؛ أو بمعنىً أدق: “أدنى درجات السُّلَّم الاجتماعي في الثقافة الذكورية، والنموذج النقي للتبعية، وأول موضوع للسلطة الذكورية، بحكم أول تقسيم للعمل، وأول عملية إنتاج اجتماعي للهُوِيّة الجنسية“، ويبدو أن الجذور السيكولوجية لهذه المسألة ترتبط بخوف الرجل من المرأة، لهذا “عمد إلى إنكار إنسانيتها وخفض مكانتها، لإخضاعها إلى إرادته ورغبته، ثم انتهى به الأمر إلى تذكيرها رمزياً، بالمساواة الصورية أمام القانون، ومنحها حقوقاً لا تمسُّ امتيازاته ولا تحدُّ من سيادته، ولا سيما حق العمل وحق التعلُّم. ولا يخلو أن يمارس الرجل (العصري) عندنا هاتين العمليتين في آنٍ معاً: التذكير الخطابي، وتحت عنوان المساواة، والتنكُّر العمَلي، باعتبار المرأة موضوعاً للسلطة وموضوعاً للرغبة“.
من الجلي للمُتمعِّن أن المساواة القانونية بما هي مساواة في الحقوق المدنية والسياسية بين “أشخاص قانونيين” تقوم على تجريد الشخص الطبيعي تحت عنوان “المُواطَنة” من جميع صفاته وخصائصه الفردية، ومن جميع مَحمولاته باستثناء بَيانات الهُوِيّة الشخصية، وهو الأمر الذي يعني أن القانون “لا ينظر إلى المرأة بصفتها امرأة، أو إلى الرجل بصفته رجلاً، بل ينظر إلى كل منهما على أنه شخص قانوني يتمتع بالأهلية القانونية“، لكنَّ أصل الإشكالية تكمن في ذلك الفصام القائم بين نظرة القانون إلى المرأة وموقفه منها، ونظرة المجتمع إليها وموقفه منها، لتبدو المسألة كأنَّ القانون مُتحيِّز إلى الذكور عملياً في تجريد المرأة من خصائصها الأنثوية وطمس اختلافها؛ إذ إنَّ ” الحقوق الصورية التي يمنحها القانون للمرأة ينتزعها منها المجتمع بكل بساطة، كحرمانها من الإرث كلياً أو جزئياً، على سبيل المثال، أو فرض قوامة الرجل وسلطته عليها، كما ينتزعها المُشرِّع نفسه، بقوانين الأحوال الشخصية، وقانون الجنسية وقوانين الإرث وغيرها من القوانين المدنية، والقوانين المُتعلِّقة بما يُسمَّى جرائم الشَّرَف“.
وهكذا، يتأسسُ فخُّ المساواة في الحقل القانوني ليُموِّه انعدام التكافؤ واستتباع المرأة في المساحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتأتي مقولة “المساواة” لتكون حِجاباً على حساب الاختلاف بينهما، ذلك أنَّ “المساواة لا تكون إلا بين شيئين أو شخصين متشابهين ومتشابهتين تشابهاً تاماً، أو بين قيمتين مجردتين (1=1، 2=2، ب=ج…وهكذا)”، لتكون أطروحة “مساواة المرأة بالرجل” أطروحة ذكورية مطلقة تنفي خصائص المرأة وتتنكَّر لاختلافها، حتَّى لو كانت المرأة نفسها تتبنّاها، وهذا من أبرز مظاهر تذكير المرأة. ويبدو أنَّ لفكرة المساواة جذراً تصوُّرياً أيديولوجياً في “النشاط الذهني _ النفسي الذي يكشف عن التشابه والتماثل في قلب الاختلاف، وعن الوَحدة في قلب التعدد؛ أي عن عملية التعقُّل التي هيَ سلسلة من العمليات الإدراكية والتخييلية تنتهي بالتجريد، وصولاً إلى الكلي، المثالي، الذي تربع على عرش الفكر، فتجوهر، وغدا الأفراد مجرد أعراض (جمع عَرَض) لجوهريته“.
لهذا يبدو أنه لا مناص من إعادة تأسيس فكرة “المساواة” والخروج من فخّها الحالي بنقد الكُّلِّيّة الجوهرية، أو الماهوية، ونقد الصيغ المذهبية التي آلت إليها، ولهذا أستكمِلُ اقتراحي السّابق حول فكرة تفكيك المركزيّات الجوهرانيّة وفقَ آليّات (فَصْم الذّات) بالدعوة إلى اتِّكاء هذا الفَصْم على ما أصطلِحُ عليه بـِ (تحريك الماهيّة)، بوصفِ هذا التَّحريك الأُسّ (الجدَليّ _ التَّراكُبيّ) لفعل الفَصْم الوجودي الذي يُمارِسُهُ الموجود البشري في العالم بما هوَ انقلابٌ قصديّ تجريبيّ على الثنائيتين الميتافيزيقيتين (الجوهر _ الأعراض) و(الشكل _ المضمون) عبر تبادل مُزدوج ومُستمرّ في مواقع أطراف الثنائيات، وذلكَ في ضوء حركية جدلية تمحو الفصل الحدي بين تلكَ الحدود، ذلكَ أنَّ الجهد النَّوعيّ لتحريك الماهية ليسَ سوى دِربة ارتماء وجوديّ في فَجوات الانفتاح المُستمرّ _نحوَ_ المجهول، وبوصفها في هذا السياق الذي نحنُ بصدده فكرةً قابلةً أيضاً للتوظيف في حُقول معرفيّة مُختلِفة، ولا سيما إذا أشرْتُ إلى أنَّ فَصْمَ الذّات بانطوائِهِ على هذا التَّحريك يهدفُ في مُستوىً من مُستوياتِهِ إلى فَهْم الوجود وتفسيرِهِ وتأويلِهِ لا بالنَّظَر إليه على أنَّهُ وجودٌ جوهرانيّ مُتعالٍ وثابت ومُغلَق؛ إنَّما بالنَّظَر إليه على أنَّهُ أساليب وجود حركيّة مُتنوِّعة ومُتغايِرة ومَفتوحة على التَّحوُّل والتَّباعُد المُستمرّ _نحوَ_ المَجهول.
لعلَّ عمَلانيّة فكرة فَصْم الذّات بتحريك الماهيّة تعضدُ طروحات الأستاذ جاد الكريم في كتابه الذي نحنُ بصدده هُنا، والتي هيَ طروحات تدعو إلى مُجاوَزة “جوهرية المعيار” التي مثلت خلفية الصيغة الإطلاقية للمساواة بوصفها “يوتوبيا” في مجتمعات كمجتمعنا لم تعش تجربة الدولة الحديثة وحكم القانون، ذلك أن المساواة في هذه المجتمعات المنتمية إلى “ما قبل الدولة الحديثة” تحوَّلَتْ إلى “شعار أو أدلوجة، مقطوعة عن جذورها الوجودية والعقلية والأخلاقية“؛ والنص عليها في الدساتير والقوانين يجعل الناس يعيشون وهم المساواة على أنه واقع، مع استمرار سيادة وعي سلطوي ذكوري يُحرِّر المرأة خطاباً، ويُبقيها فعلياً تابعة للرجل الذي هو النموذج والمعيار، ويبدو أن التصدي الحثيث الذي قامَ به إنسانويُّو عصر النهضة الغربية لميتافيزيقا اللامساواة التي تعود جذورها إلى أرسطو الذي يضع الأنثى في منزلة أدنى لكون “وظيفتها الرئيسة هي الإنجاب، وعلة الإنجاب هي الرجل، والعلة أفضل وأسمى وأكثر قداسة من المادة التي تعمل فيها“، قد أدَّى إلى بزوغ حركة إنسية مُساواتية أفضت في نهاية المطاف إلى تماهي المرأة بالرجل بما يمحو الاختلاف، ويترك المرأة تابعة أو سجينة في مُعتقل المركزية السلطوية البطريركية التي تنطلق _عن قصد أو عن غير قصد_ في تبنِّيها لشعار المساواة من عقد الخوف من المُختلِف والمُختلِفة رجلاً وامرأة، وهو في جذوره ليس سوى خوف من الحرية، وركون عميق إلى الشعور العارم بالدونية، لا يجد (الرجل _ السلطة _ المركز) حلّاً لمواجهته إلا بإخصاء المرأة رمزياً بعد تذكيرها، وممارسة الهيمنة عليها عبر قوى رمزية ناعمة لا تنفصل انفصالاً تاماً في بعض مراحل التاريخ عن ممارسة العنف والقوة العارية، وقد اهتم “الفكر النظري ( الذكوري)” بالسلطة عناية فائقة، فوضَعَ لها مبادِئَ وقواعِدَ ومُسوِّغاتٍ عقلية، ونظَريّاتٍ، تحوَّلتْ إلى مَذاهِبَ، وأنتجَتْ مَذاهِبَ.. ولكنَّهُ لم يعنَ بـِ “المُقاوَمة“، وكان حريصاً على طمسها وإخفائها والتنكُّر لها، أو تأنيثها وتكفيرها وتخوينها.. ما يُشير إلى الطابع الأنثوي العميق للمُقاوَمة، فقضية حرية المرأة واستقلالها كما يرى المُؤلِّف ينبغي أن تتوضَّع في جدلية السلطة والمُقاوَمة، أو في فكر المُقاوَمة مُقابِلَ عِلْم السلطة وفكر السلطة.
إنَّ “النظام الاجتماعي، بصفته معرفة موضوعية وحرية موضوعية وأخلاقاً موضوعية، تكاد أن تختفي فيها الذوات الفردية“، و“العلاقة الجدلية المركبة بين الفرد والنوع، أو بين مظهري الطبيعة الإنسانية: الفردي والنوعي، للفرد نفسها أو نفسه، والتي تنطوي على جدل الأنوثة والذكورة في الفرد نفسها أو نفسه، هي جوهر العلاقات المتبادلة بين الأفراد، التي ينتج منها المجتمع المدني والمجتمع السياسي، ويتحدد سير التاريخ على إيقاعها. وهيَ في واقعها الفعلي، نتاج معرفة شخصية/معارف شخصية، مستقلة، و مَجْنوسة، يتعاشق فيها الإيروس واللوغوس، الذاتي والموضوعي، فيحدِّدُ كُلٌّ منها الآخَر، ويتحدَّدُ به“. وقد اقترحْتُ في غير دراسة فَهْمَ الوجود الإنساني بوصفه (لوغوس حيوي) ينطوي على الإيروس واللوغوس معاً، و يتجذَّر في مُصطلحي (ليبيدو المصالح) الذي يُدرَسُ عبر مبدأين اصطلحْتُ عليهما بـِ: مبدأ (جدَليّة فَهْمِ المصالح) ومبدأ (المُهيمِنة الحيوية)، وهو الأمر الذي يعضدُ باعتقادي فكرة الباحث هُنا القائلة إنَّ “التركيب الناتج من التعارض الجدلي بين الذكورة والأنوثة في الفرد الواحد، هو الإنسان الفعلي، لا الاسم ولا الصفة ولا المثال ولا المفهوم. فالجدل أو الديالكتيك هو منطق الواقع، قبل أن يكون منطق الفكر. التعارُض المُقيم، بين الذكورة والأنوثة، وجدلهما الذي لا يمكن تجاهله، ولا يمكن حذف أحد طرفيه، هو ما يُعيِّن مدى توازن الفرد والمجتمع وقدرتهما على التحسُّن والتقدُّم“، ومُجاوَزة علاقات “الأطر المُغلَقة كالعائلة والعشيرة والجماعة الإثنية والمذهبية، والحزب العقائدي أيضاً، علاقات بين مَحمولات ثابتة بقوة السلطات الخارجية، التي تغرسها، وتحرسها وتسهر على حمايتها، لأنَّ وجودَها قائمٌ عليها، واستمرارها مرهونٌ بها، وكلها ذات طابع قسري، مفروض من الخارج، يتظاهر في صورة واجبات أخلاقية، هيَ أخلاق الطاعة والامتثال، والاحترام من جانبٍ واحد“؛ إذ إنَّها بهذا المعنى ليست سوى “أخلاق التبعية أو أخلاق العبيد، لأنها تأسست على مبدأ القوة والغلبة، وجدلية الغالب والمغلوب“، وأدارت ظهرها لـِ “العلاقات الناتجة من اتحاد مظهري الطبيعة الإنسانية: الفردي والنوعي، والتي هي ينابيع الخلق والإبداع، فهي علاقات بين ذوات حرة مستقلة، تملك كل منها زمام نفسها وتختار نفسها، وتوجه حياتها الخاصة بإراداتها، وتفكر وتتصرف بمُقتضى طبيعتها، ومُقتضى هذا الاتحاد الطوعي القائم على حرية الإرادة، (…)، مما يؤسس منظومة أخلاقية جديدة، مُختلِفة عن المنظومة السائدة ومُناقِضة لها، يمكن أن نسميها أخلاق الحرية، أو الأخلاق المدنية والقيم الإنسانية“.
ويبدو لي أنَّ هذه الرؤية لا تخلو أوَّلاً من نزعة وجودية عميقة، وتطمَحُ ثانياً _بالتأكيد_ إلى مُجاوَزة الفكر الجوهراني المركزي، وتفكيكه عبر إعادة الاعتبار لوجود الموجود البشري في العالم بغضّ النظر عن تيارات الصراع الفكريّ حول أسبقية الوجود أم الماهية، فالمهم في هذا السياق هو تقييد السلطة المُطلَقة للذات المركزية المُسَبَّقة؛ حيثُ إنَّ مُجاوَزة هذه السلطة المُسَبَّقة، عبرَ آليّات (فَصْمِ الذّات) النّاهِضة قصديّاً على (تحريك الماهيّة)، يُمكِنُ أنْ تستنِدَ فعلاً ومُمارَسةً على ما أصطلِحُ عليه بجدلية (تمويه مُماهاة القَبْليّات)؛ أي التمويه بمُطابَقتها عبرَ مُعايَرَتها، و(ترويض القَبْليّات)؛ أي السَّعي إلى مُجاوَزتها، ليصُبَّ هذا الفَصْمُ الجدَليُّ القصديّ في سياق إعادة الاعتبار لجدلية “الفرد والنوع“، وما يتصل بها من جدلية “الذكورة والأنوثة“، وليُعزِّزَ إمكانيات الانفتاح الإنسانيّ الحُرّ _نحوَ_ المَجهول، وهو ما يدعوه الأستاذ جاد الكريم بـِ “الهُوِية التواصلية” التي تنقضُ المركزيات المختلفة نحوَ فكرٍ “يُفضي إلى اللامركزية، ويُعيد تنظيم الفضاء الاجتماعي والثقافي وفق إحداثيات جديدة كالحرية والمساواة والعدالة، قوامها جدل المعرفة والسلطة؛ أي جدل الفرد والمجتمع، وجدل الفرد والدولة، أو جدل الحياة الشخصية للفرد وحياتها أو حياته النوعية. وهي الجدليات التي تتجلى فيها “أهمية حرية الفرد وحقوق الإنسان والمُواطِن، وأهمية المعرفة الشخصية المُستقلّة“، لـِ “تستعيد (قضية المرأة) مَضامينها الاجتماعية والثقافية والسياسية” ، فـَ “الفرق النوعي بين العلاقات المُتبادَلة في الجماعات المغلقة والعلاقات المُتبادَلة في المجالات التواصلية والتفاعلية التي يتشكَّل منها المجتمع المفتوح أو التواصلي، الفرق النوعي بين هذه وتلك أنَّ الأُولى علاقات ثابتة بين مَحمولات ثابتة، والثانية علاقات مُتغيِّرة بين ذوات حرة وخلّاقة تُنتِجُ مَحمولاتها وتتجاوَزها“.
إنَّ نزع أُلفة أساليب وجود الموجود البشري في العالم بوصفِها حركيّة فَصْمٍ قصديٍّ تفاعُليّ لفَهْمِ الوجود وتأويلِهِ بما يُحرِّرُهُ من سُلطة المركزيّات الماهويّة والجوهرانيّة المُسَبَّقة، ليسَتْ سوى أفعال التحاق مُتوالِدة بلا هوادة بما أصطلِحُ عليهِ بـِ (التَّأويليّة المشاعيّة) التي هيَ بسط لقصديّة الفَصْم الذي عرَّفْتُهُ من قَبْل بوصفِهِ مُمارَسة آليّات وجوديّة إجرائيّة تنطوي على تقنيّات قصديّة مُكتسَبة بالدِّربة، ومُتحوِّلة معَ الزمن والتَّراكُم التَّجريبيّ وخبرة الوجود إلى قصديّات واعية وغير واعية، ينغمِسُ بها الإنسانُ المُعاصِرُ عبرَ فعلٍ تخارُجيٍّ جدَليٍّ بينَ مُسَبَّقات ذاتِهِ الوقائعيّة، الأنويّة والموضوعيّة والمَعرفيّة، وذاتِهِ الافتراضيّة المُتباعِدة، التي تطمَحُ إلى التَّملُّص من سُلطة المركزيّات القَبْليّة بما هيَ قَبْليّات تُصادِرُ الانفتاح التَّأويليّ الحُرّ على العالم والمُستقبَل والمَجهول، وتكبَحُ قدرة الذات الإنسانيّة على تفكيك الأنساق الظاهرية المركزية بغيةَ كشف الأنساق المُضمَرة المنسية أو المسكوت عنها أو غير المُفكَّر بها، ولذلك يبدو أن تعقُّب تحوُّلات أساليب الوجود الحيويّة وكينوناتها المُتوالِدة باستمرار يمثل مُحاوَلة فعلية لخَلْق ذات فردية حرة وحاملة المسؤولية الوجودية بوصفها مسؤوليّة تأخُذُ على عاتقها أنْ تكونَ دائماً في مُواجَهة دؤوبة معَ المركزيات البطريركية المُختلِفة، وتسعى إلى تعرية ثُمَّ تحييد “فخّ المساواة“، والخروج من سديمه الخطير بما هو فخّ تجريد المرأة من أنوثتها عبرَ تذكيرها، والذي مرَّ أوَّلاً _وبطبيعة الحال_ بفخّ “تأنيث السلطة البطريركية للرجل نفسه“.
أعتقدُ أن توظيفَ (التّأويليّة المشاعيّة) _بوصفِها آليّة مُتاحةً لكُلّ فرد ذكراً كانَ أم أنثى_ في إطار تفكيك سلطة المركزيات المُختلِفة تُمكِّنُ إلى حد ما من تحقيق التوازن بين القبض على معنىً آنيّ، واللعب الحر للعلامات، من دون النكوص إلى مركزيات جديدة مؤدلجة، وهذا مرتبط كما أرى بحركية الجدل بين (تمويه مُماهاة القَبْليّات) و(ترويض القَبْليّات) مادامَ التعارُضُ والصِّدامُ أصيلاً معَ الذات المركزية بما هي ذات سلطوية ذكورية رمزياً أو واقعياً؛ ذلكَ أنها ذات متسلطة ناهِضة على احتكار المعنى والحقيقة بفعل طبيعتها الشموليّة المُؤسَّسة على المُسَبَّقات التي تُروِّج لها وتعمِّمها بوصفها تمثل “الحقيقة“، وهو الأمر الذي يتطلب موقفاً نقدياً مُعارِضاً أو مُقاوِماً “ضد الحقيقة” كما يقول الأستاذ جاد الكريم، فتفكيك الحقيقة بما هو تفكيك للمركزيات، هو انحياز مفتوح إلى “اللامركزية” يُفضي بالضرورة “إلى إنتاج فضاء عام من الحرية أو حياة نوعية تتعدَّى مجالات (المجتمعات الصغيرة)، والجماعات المغلقة، بفعل الحقيقة ذاتها؛ أي بفعل الإرادات الحرة المتساوية للأفراد، والتي وحدها تستطيع تفكيك النظام البطريركي، وتفكيك السلطة المركزية، وفق توزُّع نقاطها في الجسم الاجتماعي، وتفسح في المجال لحرية المقاومة الملازمة لهذه النقاط“، والدَّعوة إلى الاستعانة بالتأويلية الشبكية (ذات المَنحى الجدَليّ) تأخذ في حسبانها بعمق فكرة استحالة حذف السلطة أو الاستغناء عنها، لكنها تُلاقي اقتراحات المُؤلِّف الهادِفة إلى مُجاوَزة المركزيات، كما تنهَلُ من التيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة التي عَمِلَتْ على ذلك في العالم، ولاسيما أنَّ أسّ المُجاوَزة يكمن في تخطِّي مركزية الذات التقليدية التي تُعرَّفُ بأنها ما يقوم بنفسه؛ أي الجوهر الذي يقابله العَرَض، فالذات كانت تُطلَق على الماهية، ويُراد بها حقيقة الشيء، ويُقابِلها الوجود، في مَحْوٍ ميتافيزيقيٍّ فادحٍ للاختلاف، واتكاءٍ ثابتٍ على منطق الوعي الأحادي المُؤسَّس على الثنائيات التقابلية الميتافيزيقية.
إنَّ الوفاء لميتافيزيقا الحُضور في الفكر الإنساني كان في اعتقادي وفاءً لمركزية الذات الذكورية البطريركية على حساب نفي الذات الأنثوية بوصفها نقيضاً أو مُحتوىً دونياً؛ إذ احتفظ هذا الوعي دائماً بصفة الفاعلية للذات الذكورية، وبصفة المفعولية للذات الأنثوية، وذلك بما يتأسس أصلاً على فكرة “الحقيقة” بما هي مُطابَقة التعيُّن الذكوري الجوهراني، في مُقابِل “اللاحقيقة” بما هي تمزُّق المعنى الثابت و تشظِّيه وتشتُّته وتباعُده لكونه أعراضاً أنثوية موضوعية يتمُّ التحكُّمُ بها عبرَ مركزية الذات الذكورية الشمولية، وإدماجها (أي للأعراض الأنثوية) في استقرار المعنى وانغلاقه و سكونيته اليقينيّة المُتعالية. ولتحليلي هذا جذران أساسيان في الفكر العالمي أشار إليهما الأستاذ جاد الكريم، أوَّلهما يكمن في الكوجيتو الديكارتي: “أنا أفكر، إذن أنا موجود“، والذي يُمثِّلُ إحدى أهم حلقات ميتافيزيقا الحضور الحديثة والقائمة على سلطة الذات المنطقية العارِفة والمُتحكِّمة بموضوعها بما يحقق التمركُز الآمِن للذكر ليس فقط على حساب شتات الأنثى؛ إنَّما أيضاً على حساب كُلّ آخَر وكُلّ مُختلِف يُهدِّد الوَحدة والمُطابَقة والتعالي بما هي مفاهيم لطالما كانت تحرس السحر الميتافيزيقي لجميع الشموليات.
والجذر الثاني لهذا التفكير المركزي يتصل بالجدل أو الديالكتيك الهيغلي نفسه، فهذا الجدل نظَرَ إلى الآخَرية بوصفها عنواناً للوجود المُتعيِّن والمُتناهي (الموضوع)؛ أي عرَضاً مُتغيِّراً أو مَظهراً من مَظاهِر العقل الكلي اللامتناهي (الذات)، ولهذا كان لابد من حماية المركز الجدلي لدى هيغل من خطر تفكُّك الوَحدة الميتافيزيقية المركزية بمَحْوِ التناقض، وإدماجه أو إلحاقه بوَحدة (الأنا والآخَر) الجدلية بما هيَ وَحدة اللامُتناهي الذي لا يقبل الاختلاف، ومن هُنا تمَّتْ إعادة تأكيد سلطة الذات الذكورية المركزية المُتحكِّمة بالموضوعات عبر تثبيت وَحدتها وتجانسها وتناغمها، ونفي المَظاهِر في عالم الأعيان بما هيَ تهديد للبطريركية الأحادية عبر انطوائها على الاختلاف والتعدُّد والتنوُّع، لتظلَّ الأنوثة بهذا المعنى مَطرودةً من نعيم الحقيقة اليقينية التي يَحوزها الذكور بوصفها (أي الأنثى) ليست إلا تشتُّتاً أو تبعثُراً لابد من الاستحواذ عليه وإلحاقه بالمركز البطريركي الكلي، وهو الأمر الذي يُمثِّل نفياً للآخَر و للأُخرى ولكل اختلاف مُمكن لصالح النظام الذي رسَّخه الفكر الإنساني الذكوري.
لعلَّ مُحاولات هسرل في ظاهراتيته كانت من أُولى المُحاولات التي سعت إلى إلغاء الفاصل الحدي بين الذات والموضوع، تلتها مُحاولة هيدغر بالانتقال من قصدية الوعي عند هسرل إلى قصدية الوجود الإنساني في العالم، والتي لا ترى تجاوُراً بين الذات والموضوع، والفرد والعالم؛ إنَّما وجوداً لأساليب وجود هذه الذات في العالم، فلا فاصل بين الذات والموضوع بوصفهما وجود الذات في فَجوة الوجود المفتوحة على التغيير والتحوُّل والاختلاف، وقد تلقَّفَ فلاسفة الاختلاف (فوكو _ دريدا _ دولوز) هذا الطرح أو المَنفذ المعرفي الجديد، وبنوا عليه رُؤاهُم حولَ نَخْرِ المُختلِفِ وتفتيتِهِ لأيَّةِ وَحدة مركزيّة قائمة على ثنائية تقابلية تحتفي بميتافيزيقا الحضور، ومن هذا المُنطلَق فكَّكَ دريدا ثنائية (المركز _ الهامش)، وهيَ مسألة يمكن الاتّكاء عليها ليس فقط في إعادة الاعتبار إلى المرأة المُهمَّشة والمَطرودة من نعيم المراكز، بل لكل فرد ذكراً أو أنثى، ولكل جماعة تمَّ نفيها وتهميشها عبر ثنائية (الإيجاب _ السلب) التي تُلحِق الاختلاف بالوَحدة المتعالية اليقينية، وهذه خطوة مهمة للخروج من سطوة “الحقيقة” المُعمَّمة مُسَبَّقاً، ذلكَ أن هذه الحقيقة تُؤسَّس أصلاً عبر مُصادَرة الاختلاف الذي يُمثِّلُ انفصالاً إجرائياً عن الآخَر، يُساعِدُ على بلوغ الرؤية بوضوحٍ كافٍ؛ أي هو انفصال رمزي عن الذات يُمَكِّنُ من مُراقَبة أفعالها، ويدحض وَحدة (الذات _ الموضوع) اليقينيّة المركزية التي لطالما أنتجت ذاتاً مُطلَقة النقاء، ولطالما طمست جميع العناصر التي تتعارض مع مفهوم الهُوِيّة لتحميها من المتغيرات التاريخية عبر التعالي و الانغلاق، وهيَ مسألة وثيقة الصلة بالحفاظ على “اللوغوس” التقليدي بما هو تمركز منطقي يقوم على التفكير التمثُّلي والتصوُّري العقلي للعالم؛ أي على المُطابَقة الإدراكية التي تُصادِرُ بها المدلولات المُسَبَّقة فضاءات الدال الرَّحبة، لكونها تبقى تحت رحمة المُتصوَّر الفكري للذات المُتعقِّلة، في حين أن الفكر المعاصر قد اقترَحَ تحوُّلاً جذرياً لفَهم “الحقيقة” في سياق ظاهري حركي يحتفي بالعالم بما هو مَعيش، وبالوجود البشري بوصفه طرائق وجود متنوعة، وذلك عبر الحديث عن لوغوس عيانيّ بصَريّ يُنقِذُ الدال من حصار المدلولات القَبْليّة العقلانية، ويفتح تجربة الحياة الإنسانية في فَجوة الوجود بوصفها فَجوة كشف لأساليب جديدة تتغايَرُ وتتباعَدُ وتختلِفُ عند كل انفتاح، مُتجاوِزةً حيِّزَ الثنائيتين التقليديتين لـِ (الحقيقة _ اللّاحقيقة) ، و(الذات _ الآخَرَ).
تتوخَّى (التأويلية الشبكية) أنْ تكونَ _كما ذكرْتُ سابقاً_ انتخاباً كشفياً نسبياً ومُتحوِّلاً، وأنْ تُمارِسَها الذاتُ الموجودة في العالم في كل لحظة انفتاح جديدة لفَجوة الوجود بوصفه انفتاحاً لعالم لم يكن على هذا النَّحْوِ من قبل، واختباراً حدسياً للمعنى في سياق ظاهري وجودي تجريبي، لتأخذ “الآخَريّة” بدلالة اللوغوس البصَري بما هو (لوغوس حيوي جديد) صفتها بوصفها (أي الآخَريّة) حسب الأستاذ جاد الكريم “مُختلِفة عن الصيرورة، فهي مقولة أكثر عينيّة و أكثر اكتمالاً من الصيرورة، وإنْ تكُن مُندرِجة فيها، (…)؛ ذلكَ أنَّها انتقال الذات إلى الآخَر وبالعكس. الصيرورة خَلْق وانعدام مُتواتران، والآخَريّة تغيُّر الكيف أو الماهية باطراد“. وهذا ما يُفضي إلى فَهمٍ مُغايرٍ لصلة الذات بالموضوع عبر إشارة المُؤلِّف إلى “الوضعية الإيجابية” بوصفها “عناية بالموضوع، أو عناية بالأشياء، لا تُقلِّلُ من شأنها، ولا تغضُّ من قيمتها، أو تتنكَّرُ لأهميتها. ولكنها تشير إلى الفرق بين الوضعية الإيجابية، بصفتها لحظة من لحظات الديالكتيك، تُقابِل الكينونة، بصفتها لحظة من لحظات الصيرورة“.
وهكذا تلتقي جميع هذه السياقات، لتؤكد أنَّ فكرة تفكيك المركزيات السلطوية لا يمكن أن تتحقق إلا بمُجاوَزة (الثنائيات التقليدية) بوصفها أساساً لميتافيزيقا الحضور التي تمنَحُ الذاتَ المركزيّة سلطة مُطلَقة، وتنزَعُ كامِلَ الحقوق عن ذاتٍ آخَريّةٍ يتمُّ تحويلها إلى موضوعٍ تتحكَّمُ به، وتحضرُهُ، وتدمجُهُ بتعاليها ووَحدتها، ولهذا نجد المُؤلِّف في موضوعه المحوري في الكتاب يدعو إلى مُجاوَزة ثنائية (الذكورة _ الأنوثة) عبر النظر إليهما بأنهما شكلان من أشكال الطبيعة الإنسانية عند الذكر والأنثى في آنٍ معاً، حيث يرى أنَّ “الفروق الجنسية (البيولوجية) وفروق الجُنوسة (الاجتماعية والسلوكية) كلها نسبية، وقابلة للمُلاحَظة والقياس بِنيةً ووظيفةً، باستثناء شكل الجهاز التناسلي، لا وظيفته، التي لا تتحقق إلا بتضافر الأنوثة والذكورة، وتضافر جميع الأجهزة الحيوية الأخرى. إنَّ قابلية الفروق للقياس الكمي هي ما يؤكد كونها فروقاً نسبية“، فـَ “مَعنى الأنوثة لا يُطابِق مَعنى المرأة، فيستبعد الذكورة من بِنيتها. ومَعنى الذكورة لا يُطابِق مَعنى الرجل، فيستبعد الأنوثة من بِنيته. هذا أمر غاية في الدقة والأهمية، يدلُّ تفويته على اختلاط في الوعي وتشوُّش والتباس في المعرفة. ومن ثم، فالخصائص التي تنسب إلى الأنوثة ليست خصائص المرأة حصراً، ناهيك عن المرأة س أو ص أو ع. والخصائص التي تنسب إلى الذكورة ليست خصائص الرجل حصراً، ناهيك عن الرجل س أو ص أو ع“.
وفي المَنحى نفسه، يرى المُؤلِّف أنَّ “الموضوعية غِياب؛ والذاتية حُضور؛ وأنَّ الديالكتيك هوَ منطق الحُضور، ذلكَ أن “الغِياب هو شرط إمكان الحُضور وشرط انبثاقه، فالحُضور، من أحد وجوهه، هو مخض الغِياب، أو خضّ الغِياب. الحُضور مَخاضات مُتجدِّدة لولادات متجددة“، وبهذا المَعنى الناهِض على جدلية الاختلافات، “لا يُطابِقُ الفردُ نفسه في كل حين، ولا يُطابِقُ المجتمعُ نفسه في كل حين“، ذلكَ أنَّ العلاقات الاجتماعية هي “علاقات مركبة موّارة ومتغيرة واحتمالية، هي علاقات بين أفراد مختلفين وجماعات مختلفة أو بين قوى حيوية بالمعنيين البيولوجي والوجودي“، ولهذا يكون الحُضور حسب دريدا رهينة مرئية، وما الغِياب إلا ظلالها العميقة، الغائِصة في مُحيط مُضطرب واسع لا قاع له ولا شواطئ، وهذا المحيط هو المدلول المُنفتِح دائماً بفعل القراءة. وأرى أنَّ استخدام الأستاذ جاد الكريم لعبارة “قوى حيوية” قابِلٌ للفَهْمِ _وفقَ اعتقادي_ بناءً على النَّظَر إلى هذهِ القوى بوصفِها هُوِيّات انفتاح كينونة مصالح الإنسان _سواء أكانَ ذكراً أو أنثى_ انفتاحاً حراً لماهيَّته _نحوَ_ المجهول، بما يُعلِي من مُمكنات وجود الكائِن الحُرّ في عالمه، فالإنسان حسب المُؤلِّف “هو مَنظومة زمكانية، ومَجال حيوي يؤثر في/ويتأثر بغيره من المَجالات، وحياته سلاسل مُتداخلة ومُتآثرة من أحداث عضوية ونفسية/ذهنية، تحدثُ على غير اطراد، ولا تتكرر أي منها بحذافيرها مرتين“، وليسَ هُناك “حتمية وراثية أو بيولوجية تتحكَّم بحياة الفرد، فعمَل الجينات والكيمياء الحيوية بوجه عام نتيجة لسلوك الفرد ونشاطه وإرادته الحرة وتفاعله مع بيئته الطبيعية والاجتماعية، أكثر من كونها سبباً“، ولهذا لا يمكن أن تكون الجينات “ذكرية خالصة أو أنثوية خالصة، لو كان الأمر خلاف ذلك لانتفى الاختلاف والفرق، ولانتفى التعارُض الذي يُولِّد الحركة“.
إنَّ احتفاء الكاتب بالاختلاف مُؤسَّساً على مُجاوَزة الثنائيات التقابلية التقليدية، يدفعه إلى تجذير فكرة الاختلاف نفسها في حركية الديكالكتيك التي يتجاوَزُ بها ثنائية (الفرد والنوع) وثنائية (الذكر والأنثى) ، فـَ “(الأنا) هيَ أو هوَ شكل الكينونة الإنسانية، بالمعنيين الطبيعي والمدني، اللذين أشرنا إليهما، والذات مَضمون الكينونة ومُحتواها أو جوهرها، أو روحها. ومن ثم فإن وَحدة الشكل (أنا) لفظاً ورسماً وفرديته تدلُّ على وَحدة المضمون وفرديته، فتغدو الوَحدة هي موضوع النقاش: هل هي هُوِيّة الاختلاف أم هُوِيّة التجانُس والتماثُل، أم هي هذا وذاك في الوقت نفسه، وهو ما نقترحه ونميل إليه في ضوء رؤيتنا للديالكتيك ومعنى الكينونة. هذه الرؤية تنطوي على نقد الكوجيتو الديكارتي نقداً ينقل الأنا (الفكر أو الوعي) من مَجال الوجود (المُجرَّد) إلى مَجال الكون (المُشخَّص)، بما هو وجود مُتعيِّن هنا والآن: أنا أفكِّر كينونتي، تقولها المرأة مثلما يقولها الرجل“.
وقد تلتبسُ على القارئ المُتمعِّن دعوة المُؤلِّف هُنا إلى وَحدة هُوِيّة الاختلاف مع هُوِيّة التجانس والتماثُل في إطار جدلي (ديالكتيكي)، فيبدو الأمرُ للوهلة الأُولى كأنَّهُ نكوص وعودة إلى مبدأ الوَحدة والمُطابَقة، وانحرافاً عن فكرة “الاختلاف” التي لا ترى الوجود إلّا بوصفه انفتاحاً يُفتِّتُ الحقيقة الذاتية المركزية المغلقة، ولا سيما أنَّ الأستاذ جاد الكريم يدعو في الوقت نفسه إلى “اللامركزية“؛ لكنَّهُ على ما يبدو قد آثر أن يُوجِد توازناً حذراً بين تشظي الذات المطلق والمفضي في الفكر المعاصر إلى خسارتها، وحرصه على تخليق ذات مدنية فاعلة مرتبطة بتوجهه العام في كتابه هذا بالسعي إلى تمكين ما يمكن أن أدعوه (إنسيّة ديمقراطية) تحتفي بالاختلاف من دون أن تخسر فعاليتها، وهوَ ما يُحقِّقهُ عبرَ الجدل الذي يمنَعُ أيَّ توضُّع أو تعيُّن مُنبسِط من الاستقرار النهائي في ضوء حركيّة (نسبية) لا تتوقَّف عن تفكيك الانسجام والتجانس في كُلّ حُضور جديد، لذلك نجده يقول إنَّ ما يمكن أن يعترض إمكانية النقد “هو صعوبة التحرر من الطابع النسقي للوعي والمعرفة، على صعيد الأفراد والجماعات، ما يعني أن نقد أنساق الوعي والمعرفة لا يأتي من داخل كل منها، بل من خارجه، وما يجعل التواصل والتبادل أو التأثير والتأثر شرطين ونتيجتين في الوقت نفسه“.
وفي هذا المضمار، سعيْتُ من جهتي _في كتابات مُختلِفة سابقة_ إلى مُحاوَلة حلّ إشكالية (المُطابَقة والاختلاف) عبرَ إحلال ما اصطلحت عليه بـِ (هُوِيّة جدليّة نِسْيَاقيّة) جديدة تحتفي بعالم (النِّسْيَاق) بوصفه عالماً يتجاوَزُ أوّلاً مفهوم (السِّياق) الوقائعيّ الخارجيّ القائم على تعالي (مركزية الذات)، وتحكُّمِها السُّلطوي العُنفيّ المُسَبَّق بالعالم/الموضوعات، ويتجاوز ثانياً مفهوم (النَّسَق) الداخليّ الكُلِّيّ القائم على انفصال عن العالم يحتفي بـِ (مَحو الذات)، وإلحاقِها العُنفيّ المُسَبَّق بعقل كُلِّيّ غير واعٍ. ودعوْتُ في هذا الإطار إلى الانغماس في ما أُسمِّيه بـِ (حركيّة الجدل التَّخارُجيّ المُتراكِب) التي تُمثِّلُ الحركيّةَ القصديّة الفعليّة لـِ (فَصْم الذّات) الذي يتجاوز إخفاقات الحداثة التي نهضَتْ على أُسُس فَهْمٍ وتأويلٍ لنصّ الوجود يُمكِنُ وصفها بأنَّها أُسُسٌ استبدادية مُهترِئة، وهذا يلتقي هُنا أوّلاً مع دعوة المُؤلِّف إلى نقد الحداثة انطلاقاً من ضرورة تفكيك استراتيجيّة السيادة والاستقلال التي أنتجَتْ ذواتاً خاضِعة وتابِعة ومُتخلِّفة، أو بكلمة واحدة: مؤنثة، ويلتقي ثانياً مع تعميق طموحه بمُجاوَزة ثنائية (الداخل _ الخارج) التي أسَّسَ لها فلاسفة كثيرون كما ذكرت من قبل، وذلكَ عندما يطرح “إشكالية الوعي والوجود“، على “اعتبار الوعي هو الوجود مُدْرَكاً على نحوٍ ما؛ ويقتضي التفريق، لا الفصل، بين عالم الفرد الداخلي، وعالمها أو عالمه الخارجي؛ أي بين العالم وصورته في ذهن الفرد، وهو تفريق ضروري لتأسيس نسبية الحقيقة“، فالعلاقة بين الوعي والوجود تتجلى لدى كل فردٍ على حدة، ذلك “أنَّ الفرد (منظومة حية) بالغة التعقيد، تبادلية وتواصلية، تتوقف طبيعة عملها ونشاطها على سائر المنظومات الأُخرى الحيّة وغير الحيّة“، وثمّةَ “علاقة جدلية بين تنظيم الحياة الداخلية للفرد، وتنظيم حياتها أو حياته الخارجية، أو تنظيم عالمها وعالمه، والتنظيم في الحالين ذاتي المنشأ، يتجلَّى في أشكال موضوعية مختلفة. من دون فَهم هذه العلاقة لا يمكن إدراك وجوه التشابه ووجوه الاختلاف بين حياة الفرد الخاصة وحياتها أو حياته النوعية (العامة)، في نطاق الجماعة والمجتمع “.
