نوميديا: محاولة في قراءة الدَّال بين اللَّذَّة والمتعة(3-4)
ثالثا- الصراع ضد الإلغاء: جدليّة الحبّ والوجود
نعتقد بأن التملك الحكائي والسردي للهاوية هو الذي أعطانا الحكاية الأصلية التي غالبا ما تكون أسطورية مقدسة بشكل أو بآخر، وهي تحاول ما أمكنها ذلك منح الطمأنينة للإنسان إزاء أسئلة شائكة تتحدى شعوره بالوجود. لذلك ربطنا بين ولادة المتخيل القدسي في تجربة الغريب اليتيم النبي محمد والمتخيل الروائي في تجربة الغريب اللقيط مراد الوعل. والهاوية في كلا التجربتين هي استعارة هاربة كوميض ليلة الفلق لا تتكر إلا فيما يشبه التقارب الابداعي بين المتخيل القدسي والمتخيل الروائي كأنه تجاور بين النبي والأدب. لذلك قلنا بأنها استعارة هاربة في وجه أي تأويل جاهز ونهائي لأنّها تحمل دلالات ومعاني أعمق بكثير من سؤال الوجود لتطال محنة سؤال من أنا؟ أي ما الجدوى حين لا أستطيع أن أكون أصلا؟ وكيف لي ذلك في نفسي كاعتراف بالآخر الذي يمثل أنا نفسي كجود ومحبة لتفاعل ممارسة الحب الانساني؟ ” كم جثوت أنا كذلك فوق هذه الصخور التي ينام تحتها الولي، وكم غسلت بأدمعي هذه الاحجار وأنا أقاوم أشواك أسئلة فادحة.
- من أنا؟ لماذا لا أعامل في القرية معاملة أترابي؟ لماذا لم يستقبلني حضن أب أو أم؟ أين هما؟ من يكونان؟”1
وذلك ما حاول من جهة المتخيل القدسي الإجابة عنه بطريقته اللاهوتية في تجربة النبي، كما حاولت رواية نوميديا مقاربته كمتخيل روائي. إنّ الرواية من أولها إلى اخرها، في سيرورتها الخطية، وأيضا في سيروراتها العمودية التدليلية كقراءة، أو قراءات، تطرح سؤال الهوية، الكينونة، الأصل. ” تسألني لماذا. أواه فلتسألي تلك التي رمتني رضيعا كما يرمي الانسان قشرة موز، او أي شيء غير ذي قيمة، أو إن شئت فلتسألي هذه القرية، فهي نفسها قد تخبرك القليل عن الليالي التي نزفتها في صمت وأنا أجابه أعزل أشواك الأسئلة“2 وهي في الحقيقة أسئلة تواجه وتصطدم بسؤال الفقدان، أي البحث عن الحب المؤسس للكينونة والوجود. فكل ما تعيشه الشخصية الرئيسة في الرواية مراد الوعل وباقي الشخصيات المرتبطة به، هو محنة تجربة البحث عن الحب إزاء الشعور بالنفي والإلغاء، والغربة عن أصالة التجربة الوجودية التي تعيشها شخصيات النص بنوع من الكذب المتجاوز للمعنى الأخلاقي ليعني تزوير تجربة الوجود الاصلي. وهذا يحصل نتيجة أسباب وعوامل نفسية فردية وجماعية ومجتمعية متعددة المستويات الاقتصادية والتاريخية الاجتماعية والثقافية…، ولكن الأرضية الاساس لكل هذا هي سيكولوجية الهجر والانفصال بالمعنى الاعمق لما تطرحه أدبيات التحليل النفسي من فرويد، ميلاني كلاين، جون بولبي ولاكان…، ” أما أنا فقد ولدت أعزل، ونهشتني خيبات الحياة.”3 والشيء نفسه عاشته نضال في حياتها ” كبرت نضال وهي تحمل داخلها ذلك الفراغ المهول الذي خلفه غياب الاب.”4 الى درجة تجعلنا نقول بنوع من الانفصال القهري الذي يسحق الانسان باستمرار، في نوع من التكرار القهري لعذابات تدميرية تولد الرغبة في القتل او الموت.” خذيني إليك ايتها القديسة…دثريني بالموت”.5 فكل ما يسعى اليه مراد الوعل ومن معه من ضحايا النبذ والإلغاء هو البحث عن إمكانية الحب وذلك بسبب ما فجره رعب وقلق الفقدان كحرمان ليس فقط من الجانب العاطفي والعلائقي والمجتمعي، بل بالدرجة الأولى هو الوعي بالعدم في غياب الاعتراف بقيمته الإنسانية، فهو في نظر الجميع مجرد طفل لقيط وبتعبير صارخ ابن حرام ” استل في لحظة خطأ وجوده من العدم فكان مطالبا بأن يدفع حياته البائسة ثمنا لهذا الخطأ…تحاول كلما سنحت لها الفرصة ان تذكرني بأنني ابن زنا وأن الذي لا أهل له لا أصل له”. 6 فالعماء العاطفي الذي لا يكف مراد الوعل عن التصريح به ليس سوى هروب من حقيقة الصراع الذي يمزق أحشاءه مخلفا الكثير من الجراح التي لا يتوقف نزيفها عن السيلان. إنّه صراع طفل مرمي كالزبالة، أو كما قال انه مجرد خرقة بالية، قشرة موز، أو قيء تخلصت منه امرأة بعيدا على طريق هامشي. إنه صراع طفل منبوذ متروك للقدر وصدفه العمياء تفعل به ما تشاء “كنت منذ تلك اللحظة التي واجهتني فيها تقاسيم امحند اليابسة بالحقيقة، وحيدا جدا وأعزل في حرب لم أخترها، وأحسست بعدها أن السماء التي دفعتني الى هذه الحرب لاتقابل بكائياتي الليلية الطويلة إلا بقهقهات ساخرة”7. هكذا وجد نفسه كشيء في عراء الطبيعة، لكنه ليس موضوعا او شيئا عاريا، بل إنسانا أنتجه تنظيم معين للذة والمتعة الجنسية. وبسبب كونه انسانا فهو يمزقه رعب القلق إلى درجة الانسحاق، ويفتك به الفزع والذعر من وصمته الاجتماعية كلقيط وابن حرام، التي ليست قدرا منزلا من السماء، بل هي من صنع الإنسان، وما يكتنف هذه الوصمة من دلالات اللعنة والعدوى، كطابو لا ينبغي لمسه أو الاقتراب منه” أنا الطفل الغريب الاطوار… في تلك الايام التي سكنتني فيها فضاءات اغرم الأشد عزلة. كان ناسها ينفرون مني دون أدنى سبب كأني مصاب بعدوى … ابشع احساس يمكن أن يتكبده المرء هو أن يحس أنه منبوذ كأنما يشكو من مرض معد”8. وهذا ما يجعل حياته صعبة لأن تلك الوصمة تزيد من ترسيخ عصاب الفشل في الحصول على الاعتبار والقيمة، أو بالأحرى في الحصول على الحب.” كنت ولا زلت اعيش التباس عاطفة الحب بعواطف أخرى”.9 لذلك نراه في هذا العماء العاطفي أو بتعبير ادق التبلد العاطفي، أي فقدان الذاكرة العاطفية بسبب هول صدمة حقيقته التي فجرها امحند مربيه بالتبني في وجهه ذات ليلة من ليالي الحكايات التي دأب هذا الرجل على سردها دون خوف من سأم التكرار ” أنت لست ابننا، وهذا كل ما في الامر…استرسل امحند- وعائلته متحلقة حولنا- كأنّما ليستل السيف الذي أغمده في: في صباح حزين يا أوداد جرتني الاقدار إلى تلك الطريق الهامشية التي لم تكن يوما طريقي، هناك وجدتك في شهورك الأولى مسربلا في بياض …جئت بك الى منزلي. أنت منا- تذكر هذا جيدا – لكنك لست من دمنا”10. وتزداد المحنة قهرا وسحقا لكينونته كإنسان حين نتعرف عزلته النفسية الاجتماعية، “ليس لي أحد في هذه الحياة وانني ادفع ثمن أشياء لم اقترفها كان هذا الاحساس يهتصرني، يسحق دواخلي المتعبة منذ الطفولة11″، بسبب كل هذا نراه يحتمي كرد فعل حيوي للذات ضد مختلف أنواع الجنون والاضطراب وراء صدمة الذاكرة هذه التي لا تكف عن النزيف وما يتولد عنها من عماء نفسي عاطفي اجتماعي إلى حد التبلد العاطفي كقناع يوافق بركان واقع صراع الإلغاء الوجودي الذي صار يتهدده بسبب أسئلة الكينونة التي تفجرت في داخله من اكتشاف سر غرابة اسمه ” أوداد” والاهمال الذي تعرض له، ومختلف اشكال الحرمان التي عايشها في النبذ والقهر والوصم القبيح كشر يجب إبعاده ان لم تكن هناك امكانية القضاء عليه. ” إن أوداد لعنة يجب الفكاك منها” 12 . إنّه لقيط وليس له الحق من الآن في أن يكون، بل وجوده مهدد لبقاء الآخرين فعليه أن يعزل وينفى، أو أن يرحل ويموت. إذن فقناع التباس العواطف يخفي القلق والذعر من ميوله التدميرية كلعنة تطال الأصدقاء والأعداء،” لطالما شعرت أن كل من يحبونني بشغف أو يكرهونني بقوة يلقون المصير نفسه إذ يدفعون حياتهم ثمنا لحياتي التي كان من المفروض أن تنتهي بقفزة من رأس الجبل”13 كما ينسجم ذلك القناع مع حالته النفسية بانعدام بصيص أمل الحصول على دفء وحنان الأم كمحبوب، أي كحب مفقود يعلن ولادة الذات في أصلها وشرطها الإنساني، وبالتالي يمنح للذات وجودها في كونها موضوع رغبة ليس فقط من قبل الأم بل بشكل اساسي حق العضوية الاجتماعية في الشعور بالكينونة.” لم أكن أتصور مطلقا أن غيابها سيذكرني بفداحة وحدتي. ها أنت وحدك يامراد في هذا الفضاء المشحون بالذكريات، هنا ستواجه ماضيك وأناك المنسي: أوداد”.14 إنه أكثر من ذلك فقدان لحقيقة الحب كإنسان، وليس كقطعة خشب ” إنني وخشب الطاولة أمامها مقطوعان من شجرة واحدة وددت لو أنني اخلع قميصي وأدير لها ظهري، لترى الندوب التي تنخره وتقوم دليلا واضحا على طفولة منتهكة، تمنيت أن أقول لها انني أحمل فوق كتفي حنينا ثقيلا الى كلمة: بني. وأرتمي بعد ذلك في حضنها وأنشج بصخب، وأظل مسجى على خصرها إلى أن أشفى أو أموت”.15 وهذا ما يميز الانسان عن كونه شيئا، ” ليس على الجسم المادي والكائن في العالم والموضوع أن يقرروا أحقيتهم في الوجود أو في إمكانهم ذلك، انهم يستمرون في الوجود الاولي لأنّهم معفوون من اختياره ومن إرادته، باختصار من محبته. أما أنا فنضطر أن أقرر في ذلك. من المحتمل أن تتمكن الذرة والحجرة والسماء والحيوان بلا قلق او تشكيك من الاستمرارية بشكل طبيعي في وجودها أما أنا فلا أستطيع ذلك، لكي أستمر في وجودي يجب أن أرغب أولا في الوجود ولاجل ذلك أن أحب الوجود، ولن استطيع ذلك لأمد بعيد… إذا لم أحصل على جواب إيجابي عن السؤال هل أنا محبوب؟ والحال ان جهود الاستمرار لا يجيب عن السؤال هل أنا محبوب؟” 16 .
ونحن نعرف أن كل رعب القلق والتوترات والاضطرابات هي من إنتاج الجغرافية البشرية للقرية اغرم. ” لست أنسى ذلك الطفل الذي كنته بعد ان لفظتني اغرم ورمتني كخرقة بالية بين يديها17″. وأيضا حين يقول: ” لم يعرفوني، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة البحث في شرائط الماضي الهامشية عن طفل كنته، عن وجه يشبهني.. لم يحاولوا تذكر ذلك الطفل الضال والمنسي الذي مرت طفولته من هنا بخطوات قلقة وانغرس كشتلة في تربة اغرم إلى أن اقتلعه أهلها بحجة أنّه لا يستحقها”18. ومابدأته القرية سارت على هديه المدينة،” بعد إبعادي القسري تلقفتني المدينة كهدية من السماء، فتحت أضلعي كأنها تفك خيوط الهدية، فما وجدت غير قلب مدمى، لم ترأف به بل دقت فيه العديد من المسامير الغليظة وردت الأضلع إلى حيث كانت، كأنما لم تفعل بالقلب ما فعلت.. وأسلمتني لنزيف موجع لا ينقطع”19 ، أي إن كل العذاب الذي عاشه مراد هو من إنتاج اختلالات البنية المجتمعية التي تضحي بالهش والضعيف، أو بالموصوم بالشر واللعنة، انها- البنية المجتمعية- تفعل ذلك كفداء لحماية منطق أسس وجودها وبقائها. لذلك فهي مصرة على تطبيع وضعيته كلقيط وجعل حياته جزء من شؤم القدر المنحوس الذي عليه ان يدفع وحده ثمنه. ” في تلك اللحظات القليلة التي وقفت فيها أمام ماضي التفت إلى هشاشتي الداخلية وأيقنت أن حياتي من الممكن أن تنجرف نحو تخوم مأساوية جدا”20. لهذا فان ما يعيشه مراد الوعل كميول تدميرية هي جواب على فقدان يسحقه لأنه سبب الإلغاء الصريح له من قبل المجتمع الذي سد في وجهه كل منافذ الهوية والانتماء إلى الدائرة المجتمعية. ” تأملت حميد وهو يقوم بأعماله، أحيانا أتمنى لو كنت رجلا عاديا وبسيطا كحميد. صحيح أنه يعيش على الكفاف، لكنه لا يجر خلفه أي حزن فادح، يعيش في قرية لم يخلق الا لها، له أب وأم واخوة وأطفال وبيت يعود إليه، قد يكون سعيدا وقد لا يكون، المهم أنه ليس تعيسا بالقدر الذي يجعل حياته بالغة التعقيد أو غير محبوبة. حميد من المؤكد أنه يعرفني، لكن من المؤكد أيضا أنّه اسقطني بسرعة من ذاكرته، لأنّني لم أسكن فيها إلا على الهوامش الضيقة” 21. إنّ وراء هذا التطبيع” الوعل” الذي يطال إنسانيته تختفي الحقيقة المجتمعية في جذورها البشرية كتناقضات اجتماعية ولدها جدل الرغبة والقانون في سطوته وسيطرته على العقول والقلوب والأجساد، وبشكل أدق تحكمه في الرغبة لفرض القهر والتسلط ومختلف اشكال المكبوت والحرمان إلى درجة تستهدف النفي والإلغاء للقيمة الانسانية وتسييد منطق الكراهية والحقد والقهر والهدر. فبالإضافة الى كونه ضحية جدل الرغبة والقانون فهو ضحية ادانة من قبل المجتمع كابن حرام ولعنة تشبه الطابو،” كان غريب الطباع، يؤثر العزلة. كان يقضي النهار بحاله بين الجبل والحقل ولا يعود إلى المنزل إلا ليلا، وأحيانا يتغيب عن المنزل حتى ليلا، المهم أن القرية كلها لم تكن ترى فيه سوى لعنة ابتليت بها.” 22 هكذا تم الزج به في حفرة الوصم السيء التي تزيد من حجم وعمق مأساة الفقدان التي تتجاوز كما قلنا حنان الأم لتعبر عن حقيقة الحب كمؤسس لدلالات الوجود وليس كمجرد وعل في عراء الطبيعة.” كان جسدها الميت العاري يحاصرني بحنان أمومي طالما افتقدته“23 إلى أن يقول ” وودت في سري لو أنها قالت: وأمك وأختك أيضا.. لو أنها تحاول أن تسد مسد المرأة في حياتي.24 وفي الدلالات نفسها لمعاني الفقدان يقول ” كم أنا في حاجة إلى امرأة تناديني : بني فأطير إلى حديقة صدرها طفلا وأظل بين ذراعيها، أقص عليها ما خرب قلبي المعطوب قبلها.25
وفي هذا تكمن هواجس اسئلة بحثه عن اجابات لحرمانه من الاعتبار الذاتي الاجتماعي. ونتيجة هذا الصراع المزدوج بين مختلف القوى الفاعلة نفسيا على مستوى دلالات الفقدان المضاعف، وبين هذه القوى والمحيط الاجتماعي وما يضمره ويصرح به من دلالات النبذ واللعنة والاقصاء والعنف والاستبعاد لرعب الطابو، فان مراد الوعل يرزح تحت وطأة عذابات ومعاناة كبيرة وما نجم عنها من إحباطات لا تكف عن حرقه بآلام داخلية عميقة كنزيف نابع من الأعماق لا يوازيه سوى نزيف الرعاف والذاكرة التي أصيبت بتبلد العماء العاطفي مما ولد نوعا من اللانسيان .” ذاكرتي مريضة لا يخترقها النسيان”26 . إنه نزيف في صورة استعارة رائعة محكومة بتجديد نفسها كأفق انتظار يتهدد الذات في أية لحظة أقرب إلى تهديد الارهاب الديني الذي يؤرقه رعبه وسطوته باستمرار. هذه الوضعية المؤلمة تجعل من لذة الجنس ومتعها بديلا تعويضيا، حيث يبدو الفعل الجنسي في الرواية كمحاولة تصريف سؤال الفقدان، ” في الطريق إلى منتهى الشهوة، كانت حواسي تزغرد لهذا الفرح الغامض والفجائي، إلا أنّ ذكرياتي كانت تومض كالبرق وتخبو، تباغتني كلما أحسست أن في الجسد أملا في الشفاء منها…جوليا تئن، تجن وتعلن شغفها الأبدي بي، أما أنا فكنت أستنزف لحظات الفرح الطارئ معها، وأحتمي بمحنة جسدها من ذكرياتي” 27 . إنّه سؤال محنة غياب الوجود الاصيل للتجربة الوجودية بسبب يقينه السلبي من العجز عن عيش أو بالأحرى تمثل الاجابة عن سؤال الحب: هل أنا محبوب؟ وهو سؤال لا يمكن حصره في معناه الضيق كهوية وأصل كما يحدده الفكر التقليدي من خلال الانشطار الانفعالي الوجداني للقبيلة والعشيرة، أو للطائفة والمذهب الديني…،بل من خلال شعوره بلغة مصطفى صفوان على أنّه كائن أصلا، أي غرضا محبوبا، لان ما يؤلمه بشكل خاص إذا ما تخطينا سقف رمز الوصم على أنّه لقيط ابن حرام ليس بالدرجة الأولى فقدان الوالدين أي كونه مجهولا كما قال xبنx، بل الفقدان الذي نقصده أعمق من ذلك بكثير وكأنه يغلي في مرجل الالغاء فوق نار ملتهبة لشعور حاد على أنه غير كائن أصلا، إنّه الغريب الدخيل الذي رمته القرية اغرم” لم تعد القرية إلى ما كانت عليه إلا بعد رحيله.. واعذرني يابني، لقد نقلت لك ما كان يدور وقتها في القرية، إن كان أوداد أصلا هو قريبك”.28
هكذا يمكن فهم الفعل الجنسي في الرواية كبحث عن كينونته وبالتالي وجوده، إنه تعبير عن رغبة عنيفة وعميقة عن خوض صراع ضد سيرورة الإلغاء التي تهدده، وهو تهديد يفجر توتر قلق الخصاء في بحثه عن الاعتبار والاعتراف بقيمته الإنسانية عوض اعتباره غريبا مجهولا، أو لعنة تستحق الابعاد والموت. لهذا تتجلى ممارسته للذة الجنس كتصريف لاحباطات ألم الفقدان والخوف من رعب فشل الحصول على الحب، أي الشعور بكونه غرضا محبوبا. ” إنّ التخلي عن إمكانية ان أحب سيؤثر في كإخصاء متعال ويحطني في درك الذكاء الاصطناعي أو الحاسب الآلي أو الشيطان، باختصار شديد في درك على الأرجح أدنى من الحيوان الذي يستطيع ان يحاكي الحب على الأقل في أعيني ومن ثم في أعين أقراني الذين تخلوا فعلا جزئيا وخلال علاقة معينة فقط عن إمكانية ان نحبهم وفقدوا انسانيتهم تناسبيا. يستلزم التخلي عن التساؤل هل أنا محبوب؟ وخصوصا عن إمكانية جواب ايجابي على الاقل التخلي عن الإنسانية ذاتها” 29
الهوامش
التسويد الموجود في الهوامش هو منا وليس في أصل الرواية.
- طارق بكاري: نوميديا، ط1، س 2015، دار الآداب، ص 25.
- نفسه ص 16.
- نفسه ص 44.
- نفسه ص 46.
- نفسه ص 134.
- نفسه ص ص 36و37.
- نفسه ص 36.
- نفسه ص 65.
- نفسه ص 111.
- نفسه ص 35و36.
- نفسه ص 66.
- نفسه ص 50.
- نفسه ص 61.
- نفسه ص60.
- نفسه ص 107و108.
- جان لوك ماريون ظاهرة الحب ترجمة يوسف تيبس المنظمة العربية للترجمة ط1س 2015 ص 126.
- نوميديا ص 33.
- نفسه ص 50.
- نفسه ص 139.
- نفسه ص 57.
- نفسه ص 153.
- نفسه ص 177.
- نفسه ص 130.
- نفسه ص 137.
- نفسه ص 167.
- نفسه ص 102.
- نفسه ص 157و158.
- نفسه ص 178.
- نفسه جان لوك ماريون ظاهرة الحب ص 84.
