الأمراض النَّفسيَّة والسُّلوك (من منظور تحليليّ نفسيّ 2)
الأنماط العصابيّة وطباع ضعيفي التكيّف:
تتوافق الشخصيات العصابية مع ما سماه بعض المحللين النفسيين، بالطباع العصابية، ويتميز الطبع العصابي، عن العصاب، بغياب الأعراض، وبوجود معزول لعصابات الطبع، التي تكون درعاً للشخص، وتعطي لسلوكه طابعاً معيناً، وسمات الطبع هذه، عبارة عن الأنماط الدفاعية الأكثر شيوعاً للشخص، ضد الصراعات النفسية الداخلية، أو الخارجية، فهي سمات شخصية يمكن أن تكون محصلة لشبكة متبادلة من الغرائز الأساسية، والتساميات، أو التشكيلات الارتكاسية (تصعيد ، أو نكوص) .[1]
والملاحظ أن السمات السلوكية لمختلف الاضطرابات ليست واحدة، لذلك فإنه من الضروري في علم النفس، لكي نفسر ظاهرة ما، وأن نتنبأ بمستقبلها، أن نعرف الخبرات السابقة للأفراد ذوي العلاقة بالحالة، فمن الممكن أن نصنف مرضى كثيرون مختلفون تحت فئة واحدة، مثل: تخلف عقلي، فصامي، هستيري، وسواسي، وذلك بسبب التشابه في سلوكهم، ولا يمكن افتراض أن الأشخاص الذين يصنفون تحت فئة واحدة، هم في الحقيقة متشابهون تماماً، أو من الممكن علاجهم بطريقة واحدة، حيث أن لكل فرد خبراته التي تختلف عن خبرات غيره، وفهم سلوك فرد معين، لا يأتي نتيجة وصفة واحدة، تضعه تحت نمط أو فئة معينة، ولكنه يحدث من خلال فهم التفاعل المعقد بين خصائص مختلفة متعددة.[2] ذلك أن الاعتصام بالعصاب، يوفر للأنا نوعاً من الغنم الداخلي، ذا طبيعة مرضية، ينضاف إليه في بعض المواقف، مغنم خارجي، وقد تتفاوت قيمته الحقيقية من حالة لأخرى، فمثلاً: المرأة التي يسيء زوجها معاملتها، ويستغلها بفظاظة، قد تجد ملجأ إليها، في العصاب بصورة مطردة، إذا ما ساعدتها على ذلك استعداداتها، وإذا كانت أجبن، أو أعف، من أن تقيم علاقة سرية مع آخر، أو لم تكن من القوة لتنفصل عن زوجها، وغريزتها الجنسية تدفعها نحو هذا الرجل الفظ، عندها يغدو مرضها سلاحاً لها، في صراعها مع هذا الرجل الذي تسحقها قوته. سلاحاً في مقدورها أن تستعمله للدفاع عن نفسها، أو تسيء استعماله للثأر والانتقام، حيث من المباح لها أن تتشكى من مرضها، طالما ليس بإمكانها أن تتشكى من زوجها، وبذلك تُرغمه على مداراتها.[3] وبذات السياق فإن تعرض ثلاثة مرضى للظروف الفعلية نفسها، أو الصراع الفعلي، مثل الفشل في علاقة، لا يعني بالضرورة وقوعهم فريسة مرض عصابي واحد، وقد عرضت “هيلين دويتش” حالة ثلاثة نساء تعرضن لحادث رضّي واحد، فظهرت عندهم ثلاثة أعراض مختلفة، فقد كانت كل منهن متزوجة، لكنها أقامت علاقة مع رجل آخر، هذا الصراع أدى لظهور عصاب مختلف لدى كل منهن، فظهر لدى الأولى تحول هستيري، ظهر بشكل تشنجات عضلية، تعبّر عن نفسها من خلال تحقيق رغبة متخيلة في الإشباع الجنسي مع الحبيب، ومناهضة الحركة أو الرغبة من خلال الكبت بالآن نفسه بحركات دفاع. أما الثانية، فظهر عندها أعراض حصر رهابي يقوم مقام الدفاع ضد الذهاب إلى الحبيب. أما الثالثة، فظهر عندها السلوك القهري الوسواسي، فكانت تغلق الدولاب، وتفتحه، ثم تخرج حاجيات زوجها من جيوبه مما يعذب الزوج ويرهقه، وكانت هذه الحاجيات، مطواة، تؤدي للقتل، حيث خاطر الموت راود ذهنها بسرعة، ثم اختفى، فنقلت بذلك الرغبة العدوانية الموجهة نحو الزوج إلى الأشياء.[4]
من هنا نستنتج أن الاضطرابات النفسية ليست واحدة. وأول من صنف الاضطرابات النفسية سريرياً هو عالم النفس الألماني “كريبلين”: المجموعة الأولى هو مجموعة (الاضطرابات الوظيفية)، التي قسمها إلى ثلاث مجموعات كبرى:
- مجموعة الذهان: الذي يعادل تقريباً مصطلح “الجنون” وفق الشائع، إذ يفقد المريض عادة ضمن هذه الفئة، حقوقه المدنية، ويجوز إيداعه المستشفى دون موافقته، على اعتبار أن الشذوذ يشمل الشخصية بشكل كامل من حيث التفكير والإدراك والانفعال، وأشهر أمراض هذه الفئة فصام العقل (الشيزوفرينيا) ثم حالات الهوس الاكتئابي (الجنون الدوري) ثم حالات البارانويا (هذاء العظمة و الاضطهاد).
- مجموعة العصاب (المرض النفسي دون العقلي): وفيها يكون السلوك شاذاً، لكن ليس بضخامة وسوء حالات الذهان، فلا يظهر في الشخصية علامات الانحلال الكامل في للإدراك والتفكير والانفعال، والأمراض المألوفة ضمن هذه المجموعة، حالات الرهاب (الخوف المرضي) والأفكار المتسلطة (العصاب الوسواسي) والحالات الهستيرية التحويلية، والحصر القلقي.
- فئة الأمراض السيكوباتية: التي تتميز بالسلوك اللاأخلاقي، والعدواني، واللااجتماعي، (الإجرام – الإدمان – الانحرافات الجنسية ….). [5]
ومن الجانب السلوكي، يمكن التحدث عن ثلاثة مجموعات من الشخصيات المرضية:
- تضم الأولى، الشخصيات التي يبدو سلوكها غريباً، أو مبتكراً، وتشمل الشخصيات الزورية، والفصامية النموذجية، وشبه الفصامية.
- تضم المجموعة الثانية، الشخصيات التي تبدو مواقفها، وأنماطها السلوكية تمثيلية، وغريبة الأطوار، وصاخبة في إطار مسرف، وتشمل الشخصيات الهستيرية، والنرجسية، والمعادية للمجتمع، والحدودية.
- أما المجموعة الثالثة، فتضم الشخصيات القلقة غالباً، والخائفة، والتي تتصف بسلوك منزوي، وهروبي، وتشمل الشخصيات القسرية، والسلبية، والتابعة، والمتجنبة.[6]
وبشكل عام يمكننا حديثاً أن نميز بين عدة أنماط للشخصية المرضية، وفق التصنيف التالي:
- الشخصية الاتكالية: وهي التي تكون متخوفة من أن تبقى دون مساعدة، ولديها الحاجة إلى أحد ليهتم بها، لذا تطالب بالاهتمام خلال المرض.
- الشخصية السلبية العدوانية: ربما تطلب المساعدة من قبل الطبيب، لكنها لا تذعن لنصيحته.
- الشخصية القهرية (الوسواسية): تخاف فقدان السيطرة، وربما تستجيب بأن تصبح مفرطة في السيطرة خلال المرض.
- الشخصية الهستيرية: تخاف من فقدان الجاذبية، وربما تصبح استعراضية، وذات مزاج متقلب أثناء المرض.
- الشخصية النرجسية: إدراكها بصورتها المتكاملة عن نفسها تتهدد أثناء المرض، وهي بما تحمل من أفكار العظمة، تطلب فقط الأطباء البارزين جداً ليقوموا بعلاجها.
- الشخصية المازوشية: ترى المرض، كعقاب لأخطاء حقيقية، أو خيالية ارتكبتها، وربما تطيل المرض، رغبة بالعقاب الذاتي.
- الشخصية الزورية (بارانوية): دائماً تلوم الآخرين وخاصة الأطباء لمرضها، وتكون شديدة الحساسية لنقص الاهتمام، والرعاية التي تتلقاها.
- الشخصية الفصامية: تصبح قلقة، وأكثر انسحابية مع المرض.[7]
وضمن هذه التصنيفات العامة توجد تصنيفات أخرى ضمن الحالة المرضية الواحدة، فالشخصية العصابية تتفرع لأصناف قد لا تجمعها أي تصور عام.
السّمات الشخصية الهستيرية: تتصف الشخصية الهستيرية سريرياً، لا سيما عند المرأة، بالحركات البهلوانية، السلوكيَّة لأنماط الشخصيَّة العصابيَّة:
يمكننا التحدث عن سمات خاصة، تشمل كل حالة من حالات الاضطراب السلوكي أو حالات انعدام وسوء التكيّف.
- وتصنّع المؤثرات، ونمط التفكير الخيالي، والارتكاسية الانفعالية مع فرط الحركية الاندفاعية، وقابلية الإيحاء، والولوع بالكذب، والتعلق العاطفي، وأخيراً الاضطرابات الجنسية [8]. ومن السمات العامة للشخصية الهستيرية: الأنانية والغرور، الاستعراضية، والمسرحة، والكذب، والمبالغة، التعبير العنيف عن الوجدانات والعواطف، الضحالة الوجدانية، تحويل المواقف غير الجنسية إلى مواقف جنسية، خوف شديد من الجنس، وبرودة جنسية، الاعتمادية، والمطالبة، القابلية الشديدة للإيحاء. وبشكل عام نجد أن هذه الشخصية، لا تستطيع أن تجابه الواقع كما هو كذلك.[9] والكبت، هو الميكانيزم الرئيسي في الهستريا، وهو يقوم على معاملة الشيء المستهجن، وكأنه ببساطة غير موجود. وكون الحفزات الجنسية تتعرض في الأغلب للكبت، بينما الحفزات العدوانية تتعرض في الأغلب لميكانيزمات أخرى، فذلك يمكن إرجاعه إلى التربية، التي كثيراً ما تعامل الجنس وكأنه غير موجود ببساطة، فلا تتحدث عنه، بينما تعترف بوجود العدوان، ولكنها تصفه بالسوء، وفي ذلك ما يشجع في الأطفال المزيد من الكبت بالمعنى الدقيق.[10]
وفي بعض الحالات الهستيرية، نجد الأعراض الحالمة، التي تتمثل في العرض البدني المعروف “بالتجوال النائم”. إن الحالة الحالمة هنا فسيولوجية، فالتجوال النائم يحدث أثناء النوم الليلي العادي، ولكن إفراغاً إيحائياً يتحقق، وهذا الإفراغ أحياناً فقط ما يمثل بطريقة غير نوعية التململ الناجم عن توتر داخلي، ولكن الأغلب هو أن يكون هذا الإفراغ جد نوعي، فحركات المتجول النائم، هي استجابة إما لحلمه الظاهر، أو للصراعات الكامنة في أساس الحلم، وأحياناً يكون الهرب من الفراش الذي يعاش كمكان للغواية، في مقدمة الصورة، ولكن الأغلب، هو أن يكون للتجوال النائم هدف موجب يجاهد المريض لبلوغه، إما مكان ينطوي على إمكانية إشباع حفزات لاشعورية، أو إمكان ينطوي على ضمان أكيد ضد هذه الحفزات، أو الأمرين معاً، فإذا ما اقترن التجوال النائم بفقدان السيطرة على المثانة، فليس هذا بالضرورة دليلاً على وجود صرع خفيف عضوي، ولكنه يمكن أن يكون علامة على هياج جنسي لاشعوري عند الطفل.[11]
وسمة الهستيري البدئية، هي سهولة قابليته للإيحاء، ويبدو واضحاً أن قشرته الدماغية تسير سيراً وظائفياً سيئاً، ذلك أنه لا يعبر عن أي إرادة تعارض الإيحاء، ولهذا السبب، فإن الهستيريا عصاب ينتقل بالعدوى إلى حد كبير، وحسبنا أن نفكر بحركات الجماهير، وببعض هيجانات الفتيان الذين يستمعون لبعض الفنانين، والذين يستجيبون وكأنهم شخص واحد لانفعال يسري كالنار في الهشيم، إذ تتوقف كل إرادة شخصية.[12]
- الشخصية الوسواسية: يتصف النمط المهيمن في الشخصية الوسواسية، بشبكة من الاكراهات التي تمارس على أنماط السلوك الشخصية والأفعال، فالاجترارات، والتحققّات، والتردد، كلها تملأ عالم الشخص الوسواسي بالعادات والطقوس، التي يدفع مدلولها التوسلي، الفكر، للعمل بطريقة سحرية، وتجري الأمور كما لو أن الفكر، والكلمات في هذه الحالات، قد أصبحت موضوعاً للتركيز النفسي الجنسي، كما يتصف الطبع الوسواسي، بالتقتير، أو حتى البخل، والشعور بالرضا من خلال التكديس والجمع، وكذلك التنظيم المتزايد، مع التدقيق والعناية، وكره القذارة، والإسراف، وكل ما هو غير كاف، والعناد المتصلب، إذ أن هؤلاء الأشخاص مثابرون، مسيطرون، متصلبون، خلقهم صارم، وإحساسهم بالواجب لا ينقصه شيء، وهم يتطلعون إلى بعض النفوذ، والسيطرة على أنفسهم وعلى الآخرين. وفي التكوينات القهرية، يمكن أن تمثل أفعالاً نفسية أشد ما تكون تنوعاً مما يمكن تصنيفه بشكل متميز، في رغبات، وغوايات، وحفزات، وأفكار، وشكوك، وأوامر، ونواهي، وبصورة عامة، ينزع المرضى إلى طمس هذه التمايزات، فيعتبرون ما تبقى من هذه الأفعال النفسية، بعدما تكون قد تجردت من شحنتها الوجدانية، مجرد أفكاراً قهرية.[13] وفي تلك الحالات نجد أشكال عديدة من الحاجة المسرفة للتحدث إلى الآخرين، أو الثرثرة القهرية، وهي تباينات لنزعة الشعور بالإثم والتخفيف عنها، فهي تنشأ بالأصل من الحاجة لكسب موافقة الآخرين على شيء يستشعر الفرد في أعماقه أنه محرّم. فالتحريض والغواية، والاستعطاف والاعتراف، تشد البيئة إلى الصراع بين الأنا، والأنا الأعلى، بأمل الحصول على بعض التخفف.[14] وظاهرة القهر، في واقع الأمر، هي تكييف للقوى الغريزية، والقوى المضادة للغريزية كليهما معاً، واللوحة الإكلينيكية الظاهرة تكشف بدرجة أكبر، الوجه الأول في بعض الحالات، والوجه الثاني في حالات أخرى، ومن الواضح في بعض الحالات، أن القهور تترجم عن أوامر الأنا الأعلى، فمريض بقهر الاغتسال، إذ يستشعر الأمر “اذهب اغتسل”، إنما يكرر ببساطة ما سمعه مرة وهو طفل، وليس من المهم أن الآباء قد أعطوا هذا الأمر في الواقع من أجل النظافة البدنية، بينما يستخدمه العصابي القهري، دفاعاً ضد الأفكار القذرة، لأن المريض و هو طفل، كان يشعر بأن الأبوين لو عرفا أفكاره القذرة، لأمراه أن يغتسل، ويصدق الأمر على القهور التي لا يستشعرها المريض في صورة أوامر موجبة، بل في صورة تهديدات مثل “إن فعلت هذا، أو أغفلت هذا، ستموت – أو، إن فعلت هذا، أو أغفلت هذا، فسيكون عليك التفكير بهذا أو ذاك، وإلا سيموت أبوك” ويكشف التحليل عن أن الأفعال التي ينبغي تجنبها، أو معارضتها بأفعال أخرى مضادة، تنطوي على دلالة غريزية مستهجنة، فهذه الأفعال تمثل كقاعدة عامة، نزعات العقدة الأوديبية.[15]
والتكوينات الضدية، ظاهرة بالغة الإنغراس في شخصية العصابي القهري، ففي حربه ضد عدوانيته اللاشعورية، يميل العصابي القهري، إلى أن يصبح شخصاً لطيفاً في علاقاته كلها، وبصورة عامة، وهذا يمكن أن يجلب له إشباعاً نرجسياً هائلاً، من شأنه أن يخلق صعوبات كبرى في العلاج النفسي. والإزاحة في العصاب القهري، غالباً ما تكون على جزئية صغيرة، فكثيرون من العصابيون القهريون، يتحتم عليهم أن ينشغلوا مهمومين بدرجة مسرفة، بأشياء هي بشكل ظاهر تافهة وصغيرة، وتتكشف هذه الأشياء الصغيرة في التحليل، بدائل لأشياء مهمة، وأشهر مثال على ذلك “قهر التفكير” حيث يجبر المريض على قضاء الساعات الطويلة، يجتر أفكاراً مسرفة التجريد، وهذا العرض يقوم على محاولة لتجنب انفعالات مستهجنة، بالهروب من عالم الانفعالات، إلى عالم التصورات والكلمات، ولكن هذا الهروب يفشل، فالمشكلات العقلية، التي يحاول المريض الهرب إليها من انفعالاته، تكتسب، بسبب عودة المكبوت، أعلى قيمة انفعالية.[16]
ومن الأشكال الخاصة التي تلازم العصابي، لا سيما القهري، هي ميكانيزم العزل، أي عزل الفكرة عن الطاقة الانفعالية التي كانت مرتبطة بها بالأصل، فالمريض يظل هادئاً، وهو يتحدث عن أكثر الأحداث إثارة، ولكن من الممكن أن يستحدث في نقطة أخرى تماماً، انفعالاً لا مبرر له، دون أن ينتبه إلى أن الانفعال تعرض للإزاحة، فتصبح تصوراته المكبوتة وكأنها مجردة ومعزولة تماماً عن الفعل، ثم الوجدان، إن التجرد من الوجدان يعد خاصية مميزة لبعض العصابيين القهريين، والذي يمثل عقبة كأداء في علاجهم، وبعض المرضى مع ذلك، يستطيعون أن يعيشوا انفعالاتهم بصورة مليئة، ولكن ذلك فحسب، ما داموا قادرين على أن يتوهموا أنهم يتلهون ليس غير، أو أنهم يقومون بضرب من التجريب العقلي، أي ما دام كانت الانفعالات معزولة عن الجدية، وثمة عزل جد شائع الحدوث في ثقافتنا، هو عزل المكونات الشهوية، عن المكونات العاطفية للجنسية، فمن النتائج المترتبة على كبت العقدة الأوديبية، أن عدداً كبيراً من الرجال، ومن النساء أيضاً، لا ينجحون في بلوغ إشباع جنسي كامل، لأنهم لا يستطيعون الاستمتاع بالجنسية، إلا مع أشخاص لا يستثيرون فيهم مشاعر عاطفية، بل وقد يستثيرون فيهم مشاعر الاحتقار، أو لا يستثيرون فيهم أية مشاعر على الإطلاق، فهم لا يشتهون حيث يحبون، ولا يحبون حيث يشتهون، والبناء كنظام اجتماعي، يتيح للرجال من هذا الطراز أن يعزلوا شهويتهم المستهجنة عن بقية حياتهم، مما يعفيهم بذلك من ضرورة كبتها.
ومشاعر الإثم تسبب للعصابي القهري قدراً كبيراً من المعاناة، فالمرضى يدخلون في حلقة مفرغة لا تنفك تتسع، ندم، تكفير، انتهاكات جديدة، ندم جديد … إن القيمة الزائدة عند العصابيين القهريين، تجعلهم يطورون عقلهم بدرجة عالية جداً، ومع ذلك فإن هذا الذكاء العالي، يكشف عن ملامح أولية تعج بالسحر والخرافة، فالأنا عندهم تكشف عن انقسام، جزء منها منطقي، والآخر سحري، والميكانيزم الدفاعي – العزل – يجعل من الممكن الإبقاء على مثل هذا الانقسام. ولا تكاد توجد حالة واحدة من حالات العصاب القهري، تخلو من ملامح دينية، من قبيل صراعات حصرية بين الإيمان، وحفزات إلى سب الله.[17]
وبشكل عام نجد أن السمة التي يشترك فيها الهستيري، مع الوسواسي، هي ظاهرة القلق ، لكن هذا القلق النفسي يقترن، بشكل نموذجي، بالتصنع، والسعي للمنفعة الثانوية، عند الشخصيات الهستيرية. بينما التصلب بالرأي، والمعنوية الهشة، والميل المتزايد للنظام، والإفراط بالتدقيق، والوهن النفسي، والشك والتردد، كلها تتشارك مع بعضها بطرق مختلفة، عند الشخصيات الواهنة نفسياً، والوسواسية.[18]
- الشخصية الزورية: السمة الرئيسية للشخصية الزورية (بارانويا العظمة والاضطهاد) هي تضخم الأنا، مع الكبرياء، ومشاعر الفوقية، المزاج المرتاب، والحذر، مع الميل للتنكر المعادي للوسط المحيط، وللتأويلات التي تسيء الظن بالآخرين، وخطأ المحاكمة العقلية مع استدلال زائف لا يُقهر، يعتبر مسؤولاً عن الاضطهاد، أو العظمة وفقاً لهيمنة الريبة الحذرة، أو الكبرياء الطموح لدى الشخص، فسمات هذه الشخصية إذاً، تضخم الأنا – الريبية – خطأ المحاكمة العقلية – عدم التكيف الاجتماعي.[19] تلك الشخصية، شبه الفصامية، والتي يكون لديها مقدرة بارزة على استخدام ميكانيزم الإسقاط، تكشف عن ميلها إلى التدليل على أن الشخص الآخر هو أسوأ منها، وذلك برؤيتها للقذى في أعين جيرانها، فإذا نجح هذا الإسقاط، فإن شعور الإثم يتحول إلى حملة أخلاقية ضد كبش فداء، فكثيرون من الأشخاص يحاربون الجنسية المثلية في المجتمع، بدلاً من أن يستشعروا الإثم في جنسيتهم المثلية اللاشعورية، أو أنهم لا يتسامحون مع نوع بعينه من السلوك عند الآخرين، دون أن يكونوا على وعي بأنهم يكشفون أيضاً عن نفس هذا السلوك.[20]
- الشخصية القلقة: على الصعيد النفسي، يتميز القلق بحالة توترية مؤلمة، فهو يتمثل بترقب، وشعور مسبق بتهديد مبهم، يؤدي إلى شعور دائم بعدم الأمان، إن القلق العائم، الذي لا موضوع له، يجتاح الكيان النفسي، ويجعل من أكثر الأحداث بساطة، مصادر تهديد حقيقية، ويتركز القلق على الماضي، الذي ينظر إليه المريض بطريقة إزدرائية، في إطار اجترارات مطبوعة بالأسف، وهذا القلق يجعل الحاضر غير مؤكد، والمستقبل مشكوكاً فيه، وكل حدث خارجي ينشط من جديد، يولد هذه الحالة من التوتر المضني الذي يعانيه الشخص، وأقل ألم مثلاً: يغدو مؤشراً لمرض خطير، ولكن بسرعة تضع هذه الفرضية نفسها موضع شك، لتحل محلها مخاوف تشاؤمية.[21]
وقد يكون القلق والاكتئاب، ردين بسيطين، يعملان معاً، بشكل ثانوي، كإشارات إزاء الوسط المحيط بالشخص، وإزاء التوترات الداخلية، الأخطار الخارجية، كما أن الانطواء الاكتئابي، يشكل بالمقابل، موقفاً يحمي الشخص من الانسحاب، الذي طرأ على حياته المعتادة، إنه شكل من الإثبات، يسمح للشخص بالحياة، عندما لا يملك القدرة على المقاومة، وهكذا فإن الرد الاكتئابي، شاهد نفسي حيوي على تجربة ضياع.[22] وبالإضافة إلى الحوادث الاجتماعية – كالحروب والكوارث والاضطهاد – فإن فقدان أية علاقة انفعالية، يمكن أن تؤدي إلى حالة من القلق، ويفسر حدوث القلق المفاجئ، بتنشيط قلق الانفصال الطفولي من جديد، ويستمر القلق، ما دامت الخسارة الانفعالية لم بتم التعرف عليها، ودمجها بشكل واع، أو غير واع، كما هي. وقد وُصفت بعض مناسبات الحداد، ردود فعل، غالباً ما ترتبط بالقلق، أكثر من ارتباطها بالاكتئاب الحقيقي، الذي يتأخر ظهوره المحتمل، ونعثر في ردود الفعل المرضية الخاصة بالمواقف الانفعالية، على تهيج قلقي، وفرط نشاط حركي، وشعور مضني بالتوتر، يرتبط إرادياً بمحاولات تجنب الذكرى المؤلمة، إن شدة، ومدة رد الفعل، تتعلقان دون شك، بتنظيم شخصية الفرد، ولكن حالة الضيق تكون دائماً في البداية، وتمتد على شكل نوبات متقطعة خلال عدة شهور.[23]
ومن أشكال القلق الفوبيا (الرهابات): ففي كثير من الفوبيات، يتم إسقاط الحالة الفيزيائية للهياج الجنسي، أو العدوان، على موقف خارجي، فيصبح مرهوباً، فالأشخاص الذين يخافون أن يقعوا في النوم، أو التخدير، أو الحمى، هم أساساً يخافون الانغمار في الأحاسيس الأليمة للاتزان والفضاء، وكثيراً ما يخاف المرضى الأصوات الرتيبة من قبيل تكتكة الساعة، أو غير ذلك من الأصوات الإيقاعية، إنهم في الواقع يخافون دقات قلبهم (إحساسهم الشبقي الجنسي) التي تتمثل لهم في أشياء يلاحظونها في العالم الخارجي. ولو أننا قارنا جميع حالات الرهاب، لوجدنا أرضاً مشتركة تتمثل في إسقاط الخطر الداخلي إلى الخارج، بربطه بموقف أو موضوع معين، ففي رهاب الحيوان، نختار حيوان مناسب يجسد الخطر، وفي رهاب الطريق، نختار جزء من العالم، إن الأنا بذلك، يصبح قادراً على أن يحل خطراً فعلياً يمكن تجنبه، محل خطر لاشعوري، لا يمكن تجنبه.[24]
وعندما يمر المريض بالفوبيا في شارع ضيق، فإنه يرتعب، لأنه يستشعر نفسه في ضيق هذا الشارع (يستدخل ضيق الشارع) وإذا كان خوفه عارماً، فإنه حتى الشارع الفسيح نسبياً يستشعره ضيقاً، إنه يسقط ضيقه الخاص، وبالنظر إلى الطريقة التي يعيش فيها هذا المريض القلق، فتصوره مطابق لتصوره للخوف، فالمشاعر نفسها تتولد عنده من رؤية شارع ضيق، ومن رؤية شخص خائف، بل إنه ليتصرف و كأن الطريق ذاته يعاني الخوف. [25]
وقد نجد إسقاط من نوع ثاني، فالأشخاص الذين لديهم قلق، قد يخلقون حولهم جواً من القلق، ويشعرون بالارتياح عندما يتبينون هذا القلق خارج أنفسهم، وهذا أيضاً يمكن أن يكون مزدوج الطابع، فعندما ينجح هؤلاء الأشخاص كل النجاح، ويتبينون بالفعل أن الكل من حولهم مرتعب حتماً، فإنهم يستشعرون أنهم حطموا كل حماية كانت ممكنة، وأنهم في خطر من الثأر، فيصبحون جداً مرتعبين هم أنفسهم.[26]
- الشخصية السيكوباتية: يضم مصطلح الشخصية السيكوباتية مجموعة من اضطرابات الطبع، والأنماط السلوكية التي تنم عن ميول معادية للمجتمع، تتصف بالاندفاعية، وعدم الاستقرار الانفعالي والمهني – الاجتماعي، دون أن تندرج هذه المجموعة بوضوح في إطار بنية عصابية، والعنصر الأكثر تميزاً، كعدم التوازن العقلي، هو في الواقع سيرة حياة هذه الشخصية، حيث تكون مرصعة بوقائع مرضية مبكرة غالباً، تبدو من خلالها الاندفاعية، وعدم الاستقرار، وغالباً ما تتصف طفولة السيكوباتي، بتظاهرات كحالات الغضب المتكررة، والمعارضة المبكرة للأهل، والعدوانية إزاء الأطفال الآخرين، وهذه الحالات، لا تتحسن مع مرحلة الدراسة، التي تكون عموماً صعبة، ومتواضعة.[27] إذ أن غالبية الشخصيات العدوانية، نشأت في بيئات لا تجد فيها العطف والحب، ودائماً ما يشعرون بأنهم كانوا غير مرغوب فيهم في بيئتهم الأسرية، فجميعهم، لم يخبروا قط الشعور بالأمن، في معظم مراحل حياتهم، وبالتالي فهم لا يعرفون معنى التضحية، والسمو بالأخلاق، إذ حدث تعطّل، وفشل في نموهم الانفعالي، وفي إقامة علاقات اجتماعية سوية، نتيجة الاتجاهات السلبية، التي يحملونها تجاه المجتمع منذ طفولتهم، بسبب النبذ، والانفصال، والتصدع داخل أسرهم المضطربة التي عاشوا في ظلها.[28] وقد يأخذ العدوان أشكالاً مختلفة، ليست بالضرورة فاعلة – جسدية المنحى، كالقتل، أو الضرب – فقد تكون كردود فعل عن حالات معينة، فأحد الزوجين الذي يهمل الآخر، ولا يكترث بحاجاته المادية، والعاطفية، يعبر عن نوع من العدوان، ويولد في نفس الآخر عدواناً مضاداً، قد يأخذ شكل الخيانة، والوالد الذي يهمل حاجات طفله، ولا يستمع إليه، يعبر عن عدوان، قد يولد بدوره عدواناً لدى الطفل، يظهر من خلال إهماله لدراسته، أو في العناد، والمخالفة، والتخريب. [29]
ومن أشكال العدوان المنحرف، ظاهرة الإدمان، إذ أن إن جميع الحفزات المرضية، وجميع الإدمانات (مخدرات أو غيرها) إنما هي، محاولات فاشلة للسيطرة على الإثم، أو القلق، عن طريق النشاط، وإنها من حيث هي كذلك، تتصل بالاتجاهات ضد المخاوفية، إن المرضى يحاولون أن يعيشوا من جديد بشكل “لعبي” الأخطار التي يرهبونها، ومن ثم يتعلمون السيطرة عليها، ولكن كثيراً ما يحدث أن تنقلب اللعبة إلى “الشيء الواقعي” فيغمرهم هذا الخطر الذي حاولوا السيطرة عليه.[30]
وثمة خاصية أولية تجمع جميع أنماط الشخصيات العصابية، هي التناقض العاطفي غير الملائم، في كل العلاقات مع الموضوعات، وتلك خاصية مميزة لكل العصابيين من ذوي الأهداف الغريزية الطفلية اللاشعورية، فما داموا في واقع الأمر، يسعون إلى هدف يستحيل تحقيقه، فإنهم يعيشون بالضرورة كل علاقة مع الموضوعات خيبة أمل، وقد يستجيبون لذلك، بنفس العدوانية التي سبق أن استجابوا لها يوماً، للاحباطات الأصلية.[31] وعجزاً عن الحب، يستند إلى تناقض عاطفي عميق، نجده بشكل واضح في تلك الأنماط من الشخصيات، التي تحكم الغيرة علاقاتها مع الموضوعات، إنه المزيج من الاكتئاب، والعدوانية، والحسد، الذي به يستجيب لفقدان الحب. والشخص الذي يعيش الغيرة، يكشف عن نوع خاص من عدم التسامح، إزاء فقدان الحب، والخوف من فقدان الحب، يكون أكثر شدة عند الأشخاص الذي يعني هذا الفقدان بالنسبة لديهم، نقصاً في قيمة ذاتهم.[32] لذلك غالباً ما يكون تصرف العصابي ذا طابع طفلي، بشكل كلي أو جزئي، فهو يتصرف في سن الرشد، كما يتصرف في طفولته أو مراهقته، إنه يبقى مرتبطاً بأوضاع سابقة، لا يرضى أن يتخلص منها، وهو يعجز عن التكيف مع الواقع والمجتمع، فيستجيب بطريقة لا مرونة فيها، كالهرب والخوف والهجوم، على الرغم مما يتمتع به من ذكاء ممكن.[33] وهكذا يغدو الناس عصابيين، متى وجد بينهم، وبين إمكانية إشباع الليبيدو عندهم، أي جزاء، من جراء الإحباط، حيث تحل الأعراض، مكان الإشباع المضنون به عليهم، ولا يجوز أن نستنتج عن ذلك أن كل إحباط للإشباع من شأنه أن يجعل الشخص عصابي، بل ما نقوله أن عامل الإحباط قائم في جميع الحالات العصابية التي تسنى فحصها. ويقع الإحباط، عندما تنشأ عقبة، تمنع الناس من الوصول إلى هدفهم، أو حاجة لديهم، أو رغبة، أو توقع، أو عمل شيء، والعدوان هو أحد ردود الفعل الشائعة للإحباط، كما أن الشعور بالضيق، قد يكون من أسباب الشعور بالإحباط.[34]
دور الأعراض في الأمراض العصابيّة
إن وجود العرض، مشروط بسيرورة نفسية تعذر عليها الوصول إلى نهايتها الطبيعية، ولم يتسنى لها، بالتالي، أن تغدو واعية، ومن ثم يأتي العرض لينوب مناب ما لم يكتمل، وهكذا نجد أنه في استطاعة المحلل، أن يحدد مكان عمل القوة المفترضة، إذ لا بد أن تكون معارضة عنيفة قد حالت دون وصول السيرورة النفسية إلى الشعور، حيث بقيت لاشعورية، ومن حيث أنها لاشعورية، كانت لها القدرة على تشكيل العرض، وهذه المعارضة نفسها، تتظاهر أثناء العلاج، في محاولة لإحباط الجهود الرامية إلى تحول اللاشعور إلى شعور، حيث ما يسمى بآلية دفاعية هي المقاومة. إذ نطلق اسم الكبت على السيرورة المسببة للمرض، التي تتجلى لنا عن طريق المقاومة. [35] ويجب الأخذ بعين الاعتبار، أنه في كل عصاب، هناك شكل من أشكال الكسب الأولي، فالدافع إلى المرض، هو دائماً بلا شك، تحقيق كسب ما، والمرض يبرز كأفضل حل ممكن، من الزاوية الاقتصادية، متى كان هناك صراع نفسي، حتى وإن تكشف فيما بعد عدم فاعلية مثل هذا الهروب في الغالبية العظمى من الحالات، لذلك نجد أن الطبيب عند معالجة العصابي، قد يصطدم لدهشته، بمقاومة عاتية، من قبل المريض، عندما يعلم أن رغبة المريض في التخلص من علته، ليست من الصدق والجدية على النحو الذي تبدو عليه.[36] وكلمة “لا” التي ينطق بها المريض، بعد ما تُقدم له لأول مرة، فكرة مكبوتة إلى إدراكه الشعوري، ليست غير دليل على وجود الكبت، وشدته، فهذه الـ “لا” هي إن جاز القول، مقياس لشدة الكبت، ويجب بدلاً من اعتبارها تعبيراً عن حكم موضوعي، وهو أمر لا يقدر المريض عليه في واقع الأمر. ولو أننا تجاهلناه، ومضينا في العمل التحليلي، فسرعان ما يبدأ في الظهور، الدليل الأول على أن “لا” في مثل هذه الحالة تعني “نعم” التي نتوقعها.[37]
وحين يقدم المريض – أثناء العلاج التحليلي – سلسلة من الحجج الرصينة الدامغة، فقد تستولي على الطبيب لحظة ارتباك، وقد يسارع المريض إلى استغلالها، ولكن لا نلبث حتى نتبين أن المريض يستخدم أفكاراً من هذا النوع، الذي يستحيل مهاجمته بالتحليل، ليحجب أفكاراً أخرى، تتوق للإفلات من النقد، ومن الشعور، إن سلسلة من الانتقادات ضد الآخرين، تحمل على افتراض وجود سلسلة انتقادات من نفس النوع ضد الذات، كل ما يلزم هو أن تدير كل نقد من الانتقادات، ضد المتحدث ذاته. والطريف أن ثمة شيء آلي، في هذا الأسلوب من الدفاع عن الذات، ضد نقد ذاتي، بتوجيه نفس النقد إلى شخص آخر، وثمة نموذج لذلك في حجج الأطفال “و أنت أيضاً” فإذا ما تعرض الطفل لاتهام بأنه كاذب، فسوف يجيب دون تردد “وأنت أيضاً” أما الراشد فهو إذ يجاهد في رد إساءة، لا يجعل همه ترديد نفس مضمون الإساءة، بل يفتش في خصمه عن موطن ضعف حقيقي. [38]
كما أن مضمون المخاوف اللاشعورية يمكن أن تتسبب في كفوف محددة، إن الشخص الذي يسيطر عليه الخوف من فقدان الحب، يكون عليه أن يتجنب أي شيء من شأنه أن يزيد من خطر فقدان الحب، ومن ثم يستحدث كفوفاً اجتماعية محددة، تجيب عن تبعيته الاجتماعية، فالشخص الذي يخاف من استثارته، سيغلق كل نشاط يمكن أن يزيد من تلك الاستثارة، وأخيراً، فإن الشخص الذي لديه قلق الخصاء، يستحدث كفوفاً نوعية تجيب عن الشكل النوعي لقلق الخصاء عنده، فمثلاً: الشخص الذي ارتعب في طفولته من مقص الخياطة، يمكن أن يبرز لديه كف الذهاب إلى محل الخياط، وبالتالي يصبح مهملاً لهندامه، وقد ينسحب هذا الكف على الأمور العقلية، وليس البدنية السلوكية وحسب، فنسبة كبيرة مما يسمى بالضعف العقلي، تتكشف ضعفاً كاذباً مرجعه الكف، إن الناس يصبحون أغبياء عند اللزوم، أي عندما لا يرغبون في أن يفهموا، وحيث يمكن للفهم، أن يتسبب في قلق الخصاء، أو شعور بالإثم، أو يهدد اتزاناً عصابياً قائماً.[39]
إن ميكانيزمات الدفاع ضد القلق، التي ترافق الشخصيات العصابية، توجد بدرجة أقل في الحياة اليومية أيضاً، وربما كان أبرز مثال على ذلك هو حقل الرياضة، وفئة أخرى من المظاهر ضد المخاوفية تتمثل في بعض أعمال الفن، حيث الفنان، في محاولته المتواصلة لينفض عنه قلقه، يتقصى ويصور ما يخافه، كيما يحقق سيطرة آجلة، وهناك بالتأكيد ظواهر مماثلة في مجال العلم، فهنا أيضاً، يكرس بعض الباحثين أنفسهم، للبحث في مجال معين، هو بديل عن موضوع، وقد أسقطوا عليه قلقهم، فبسيطرتهم عليه، لا يصبحون بحاجة إلى الخوف منه، وأخيراً يمكننا أن نقرر بصفة عامة، أن جميع القدرات التي يزهو بها الناس بشكل مسرف، تدخل ضمن هذا الصنف.[40]
ومن السمات العامة للأعراض العصابية “أحلام اليقظة”، وهي حالة من الوعي، يُدرك من خلالها العالم المحيط بالشخص، بطريقة غامضة، وتتمثل فيها العمليات الفكرية بصورة بصرية، كما يكون فيها التفكير غير منطقي، وخاضعاً لقوانين الانفعالية الحركية، وتشجع أحلام اليقظة، الحصول على إشباع اندفاعي، من خلال تحويل الاندفاعات، إلى تخيلات، وهذه الآلية النفسية، التي تسمح بالقيام بتخيلات واعية، لا يمكن أن تعتبر مَرضية، من قبل الشخص نفسه، والمقصود بها، في الحقيقة، عملية تكيفية، تتطلب طاقة أقل مما يتطلبه الكبت، وفي بعض الظروف، يمكن أن تصبح أحلام اليقظة مَرضية، عندما يستخدم الشخص، بطريقة متميزة، ومتكررة، ودائمة، الإشباع الاندفاعي، مما يؤدي بالتالي، إلى الهروب من الواقع، وفي بعض الحالات يمكن أن تختلط أحلام اليقظة، مع الهذيانات الخيالية، وقد يؤدي ذلك، إلى الولوع بالكذب، لجذب الانتباه، وانتزاع إعجاب الآخرين، وهذا ما يسمى باضطرابات الأنا.[41]
علاج الأمراض العصابيّة
تتميز الحالات العصابية إجمالاً، بإمكانية العلاج، وإن اختلفت تلك الإمكانية بين حالة وأخرى، حسب المدرسة النفسية، وشدة الحالة، ومدتها الزمنية، ومن الأمور المهمة عند التعاطي مع المرضى، أو سيئي التكيف، الابتعاد عن عقبتين أساسيتين تعيقان التفاعل الإيجابي بشكل حاسم: الأول، يجب أن نحذر من المضي قدماً بالاتجاه الهذياني للمريض، أو بالأحرى، في الانضمام إلى المعتقدات المرضية للمصاب، تحت ذريعة أنه لا يجب معاكسة المجنون، إذ أن ذلك يهدف إلى حماية الشخص المحاور، أكثر مما يهدف إلى شفاء المريض. والأمر الثاني، يجب تجنب إظهار عدم موافقة صريحة (كالتدخلات من نمط: أنت تجلب لنفسك هذه الأفكار) إذ أن ذلك لا يتصف بأية خاصية علاجية.[42]
ويذكر علماء النفس، لمعالجة التوترات اليومية الخفيفة، كيف تتصرف الأم مع طفلها، من خلال الحضور المادي المطمئن، والحركات الإيقاعية كالتربيتة والترجّح، والصوت المطمئن …، وهذا الأسلوب في تلقي الحب لتهدئة حصر الرضيع، إنما سيبحث عنه الراشد فيما بعد، في علاقات الصداقة، والعلاقات الاجتماعية. فالعصاب – في الموقف العلاجي – هو تبلور حقيقي، لنسق من التخيلات، والصراعات، والدفاعات، ومن ثم، يمكننا أثناء العلاج، التحقق من هدف هذا الافتراض، حينما تنخفض حدة الأعراض، بفضل التنظيم في التبلور التحويلي للعصاب، ومن ثم تفقد الأعراض العصابية أهميتها في الحياة النفسية للمريض، مما يعني أننا نساعد المريض على التحرر من هذا الشكل من التعبير، بأن نسمح له، في إطار من السكينة والهدوء الذي يحيط بحجرة العلاج، وصمت المحلل المشروط، وفي إطار غياب الخوف من التعبير عن المشاعر السالبة (كالخجل والإثم والحصر) يستطيع التعرف على الطبيعة الحقيقية، لنزعاته الغريزية، من حيث أن سيطرة هذه المشاعر السالبة في الطفولة، قد أدت إلى إقامة دفاعات مغلوطة، في مواجهة الصراع، تلك التي أدت إلى تكوين الأعراض.[43]
والشفاء السيكولوجي، لا يعني مطلقاً التطابق الاجتماعي، أو التسوية بالخضوع إلى الأنظمة الثقافية، أو الاجتماعية السياسية، إن غاية الأساليب المؤدية إلى الشفاء، هي في رد الأنا إلى كامل قدرتها وحريتها، وقدرتها على فهم الحاضر واقعياً، بدل من أن تراه من خلال شبكات انفعالية مترسبة من الماضي، والتي تعمل على اعوجاجه بشكل متأصل، فالشفاء هو إحياء المستقبل، كبعد أساسي في القدرة على الإبداع .[44]
إن الإحباط، والمنع، والحرمان، تؤدي جميعاً إلى منع تصريف خزان واسع من الدوافع، الأمر الذي يؤدي إلى مشكلات نفسية، والعلاج النفسي، يقتضي العمل على استعادة كل ما استبعد، عن طريق الكبت، من اللاشعور، إلى الشعور، إذ تساعد العلاقة التي يكونها المعالج مع المريض، على تقوية الذات، لدرجة تجعلها قادرة على مسايرة القلق، ويتيح ذلك للمعالج، الوصول إلى أعماق المريض بسهولة.[45] ومع ذلك نجد، أنه بالرغم من انتشار النظرة إلى علم النفس بصفته ترياقاً، وبالرغم من مزاعم الشفاء، التي قد تقترب من حدود الدجل، توجد على ما يبدو، بعض الحالات والمشكلات التي يصعب تغييرها، مثلما توجد حالات أخرى قابلة للتغيير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 224.
[2] جوليان روتر: علم النفس الإكلينيكي، ترجمة: د. عطية محمود هنا – د محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، بيروت، القاهرة ، ط1، 1984، ص 42- 43.
[3] سيجموند فرويد: النظرية العامة للأمراض العصابية ، مرجع سابق، ص 176.
[4] د نيفين مصطفى زيور: في التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 21.
[5] جوليان روتر: علم النفس الإكلينيكي، مرجع سابق، ص 93.
[6] د مطيع رئيف سليمان : الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 227.
[7] د. زياد درويش – منال المختار: علم السلوك، دار الطليعة الجديدة، دمشق، ط1، 1994، ص 270.
[8] د. مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 229.
[9] د. نيفين مصطفى زيور: في التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 54.
[10] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 57.
[11] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 155.
[12] بيير داكو: الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، مرجع سابق، ص 215.
[13] سيجموند فرويد: خمس حالات من التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 442.
[14]أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 77.
[15] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 215.
[16] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 231.
[17] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 251.
[18] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 105.
[19] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 240.
[20] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج3، مرجع سابق، ص 77.
[21] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 71.
[22] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 112.
[23] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 77.
[24] هيلين ددويتش: محاضرات في التحليل النفسي و العصاب، مرجع سابق , ص 152.
[25] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 129.
[26] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 137.
[27] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 250.
[28] خليل أبو قورة: سيكولوجيا العدوان، مرجع سابق، ص 160.
[29] خليل أبو قورة: سيكولوجيا العدوان، الهيئة العامة للثقافة، القاهرة، 1996، ص 33.
[30] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 358.
[31] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج3، مرجع سابق، ص 100.
[32] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج3، مرجع سابق، ص 101.
[33] بيير داكو: الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، مرجع سابق، ص 369.
[34] خليل أبو قورة: سيكولوجيا العدوان، مرجع سابق، ص 90.
[35] سيجموند فرويد: النظرية العامة للأمراض العصابية، مرجع سابق، ص 68.
[36] سيجموند فرويد: خمس حالات من التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 49.
[37] سيجموند فرويد: خمس حالات من التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 67.
[38] سيجموند فرويد: خمس حالات من التحليل النفسي، ترجمة: د. صلاح مخيمر – د. عبده ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 2007، ص 40.
[39] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص96.
[40] أوتو فينيخل: نظرية التحليل النفسي في العصاب ج3، مرجع سابق، ص 54.
[41] د. مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، مرجع سابق، ص 64.
[42] د مطيع رئيف سليمان: الأمراض النفسية المعاصرة، دار النفائس، بيروت، ط1، 2001، ص 20.
[43] د نيفين مصطفى زيور: في التحليل النفسي، مرجع سابق، ص 11.
[44] روجيه موكاي: العقد النفسية، مرجع سابق، ص 124.
[45] د. فيصل خير الزرّاد: علاج الأمراض النفسية والاضطرابات السلوكية، مرجع سابق، ص 48.
