النسوية إمبريالية؟ شيرين أبو النجا

نحن على وعي متقد، وخاصة النسويات، بالفارقة المحزنة التي يتوجب علينا الاشتباك معها منذ العقد الأخير من القرن العشرين. فمع صعود الجيل الذي تشكل وعيه في التسعينيات- والذي أنتمي له- ظهرت أشكال جديدة سواء خطابية أو ميدانية للدفاع عن حقوق النساء، فقد كان ذلك العقد الذي عقدت فيه مؤتمرات الأمم المتحدة (منها مؤتمر السكان في مصر 1993 ومؤتمر المرأة العالمي في بكين 1995) وبالتالي حرك الاستعداد لهذه المؤتمرات والمشاركة فيها لغة جديدة ورؤية نشطة تجاه حقوق النساء، خاصة أن دولنا قد وقعت على معظم اتفاقيات الأمم المتحدة. تعددت المواجهات، فمن نساء رافضات أو خائفات من أي تغيير في البنية الثقافية إلى مجتمع يعبر عن رفضه لأي فكر نسوي بشكلين. فهناك المثقفون الذين يقللون من شأن النسوية (ونطلق عليها الآن الجندر) لأنها ليست أولوية مجتمعية، وهناك الجموع التي تتهم الفكر النسوي بالتواطؤ مع الإمبريالية وبخدمة المشروع الاستعماري أو بمحاولة النيل من الإسلام “الذي منح المرأة كافة حقوقها”. كيف تحول ما يزيد عن قرن (نهاية التاسع عشر والعشرين وخاصة عصر النهضة) من مكاسب إلى اتهام بالعمالة الإمبريالية؟

إنه ميراث الاستعمار، ففي الكتاب الذي أعدته رملة خالدي وجوديث تاكر عام 1994 عن حقوق النساء في العالم العربي “دائما ما استخدمت القوى الاستعمارية قضية النساء لتدفع بأجندتها في المنطقة. فقد كان منطقهم يقول إن قهر النساء يبرر التدخل الاستعماري، وإن المشروع الإمبريالي سوف يرتقي بالنساء إلى المساواة الكائنة في أوروبا”، وإذا أهملنا مصداقية هذه الادعاءات وركزنا على الأثر الذي أحدثته سنكتشف أن ربط القضية النسوية بالغرب الاستعماري قد خلق مناخا من عدم الثقة التي قد تصل إلى رفض كامل. كانت الخطة إذن تقتضي ربط التواجد الاستعماري بقضايا النساء ليبدو الأمر كما تقول الناقدة ذات الأصل الهندي جاياتري سبيفاك “إن الرجال البيض .. ينقذون النساء السمراوات من الرجال السمر”، وهو ما أصبح يطلق عليه مؤخرا “إنقاذ المرأة المسلمة”. تخيلوا أن الناتو يتدخل عسكريا لإنقاذ النساء.

عندما صعدت حركة طالبان إلى الحكم لا أذكر أن المجتمع الدولي غضب من أجل تحطيم تماثيل بوذا كما غضب من أجل النساء الأفغانيات. فالغضب من أجل تماثيل (أصنام) لن يدغدغ المشاعر بنفس القوة المنشودة. تم تدويل قضية النساء الأفغانيات وكرر بوش في خطاباته أن الهدف من ذاك الغزو والقصف هو تحرير النساء. وفي يوم 17 نوفمبر من عام 2001 تحدثت لورا بوش في الإذاعة في الفترة المخصصة للرئيس وأكدت أن حرب زوجها ضد الإرهاب تهدف إلى إنقاذ النساء في أفغانستان، وقالت: “بسبب انتصاراتنا العسكرية مؤخرا في أفغانستان لم تعد النساء حبيسات المنزل. يمكنهن الآن الاستماع إلى الموسيقى وتعليم أطفالهن دون خوف من العقاب…إن الحرب ضد الإرهاب هي أيضا حرب ضد حقوق وكرامة النساء”. كان أول ما قام العسكري الأمريكي بتقديمه إلى العالم هو إظهار سيما سامار وزير شؤون المرأة وهى ترتدي زيا غربيا وليس الزي الطالباني، وظهرت على كل الفضائيات بوصفها النموذج الذى تمكنت أمريكا من صنعه – المرأة المحررة من القيود: سواء كانت قيود الملبس، أو من قيود الحركة (فهي تلقي كلمة بمكتبة جون كيندي بأمريكا)، أو من قيود التعبير عن الرأي وذلك باعتبار الصورة التقطت لها أثناء فعل الكلام. بصورة واحدة أوصلت أمريكا رسالتها إلى العالم: الغزو تمكن من تحرير النساء من التخلف الذى كن عليه من قبل. لكن المسألة لم تنجح تماما، فقد ظل الأمريكان في كابول يشجعن النساء على خلع البرقع الأفغاني إلا أن النساء رفضن تماما.

لماذا رفضت النساء؟ تحاول المفكرة التركية، دنيز كانديوتي، الإجابة عن هذا التساؤل عبر تحليل تأثير الحرب على الإرهاب التي تشنها أميركا (بين الحين والآخر) على مسار عمل النسويات اللواتي أحيانا ما يوظفن المواثيق الدولية كاتفاقية منع كافة أشكال التمييز ضد النساء والمعروفة اختصارا في العالم العربي باسم سيداو أو يسعين إلى تعديل القوانين لصالح النساء أو ينخرطن في منظمات غير حكومية أو حكومية تتلقى تمويلا. ألا تواجه هؤلاء النساء تهمة تشجيع الإمبريالية؟ هل يمكن أن يتحولن إلى “متواطئات” مع التدخل العسكري إذا قمن بتوظيف القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة في مطالبتهن بإصلاح وضع النساء في بلادهن؟ هل عليهن أن يصمتن تماما لأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة؟

عبر قرون من الخبرات السيئة، وعبر سياقات قدَّم فيها المستعمر نفسه بوصفه محرر النساء كان لا بد من معاداة كل ما يأتي من الغرب. ولا يمكن لهذا النفور أن يتحول إلى إجراء مجتمعي إلا إذا اختزل في النساء. عندها تتحول المرأة إلى رمز الوطن والشرف والأمة، ويصبح عليها عبء الحفاظ على هوية الوطن. ما بين مجتمع يؤمن أن النساء هن رمز الهوية وما بين قوى استعمارية تمارس البلطجة بحجة إنقاذ النساء كان من الطبيعي أن يتم اتهام النسوية بالإمبريالية.

عن جريدة العربي الجديد

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This