قيمة مفهوم اللاّشعور
(…) ولكن يقي علينا أيضا أن ندحض اعتراضا. فرغم ما ذكرناه من أمور يزعم فريق من النّاس أنّه لا بجدر بنا أن نعدل عن الرأي القائل بالتّماهي بين النّفسي والواعي، إذ أنّ المسارات النفسيّة الّتي تسمى لا واعية قد لا تكون سوى مسارات عضويّة موازية للمسارات النفسيّة. ومن ثمّ فكأنّ القضية الّتي نروم حلها لم تعد إلاّ مسألة تعريف لا طائل تحتها (…) فهل من باب الصدفة المحض أنّنا لم نصل إلى إعطاء الحياة النفسيّة نظريّة جامعة متماسكة إلاّ بعد أن غيّرنا تعريفها؟
وفوق هذا علينا أن نتجنّب الاعتقاد بأنّ التّحليل النفسي هو الّذي جدد نظرية الحياة النفسيّة هذه.(…)فقد كان مفهوم اللاّشعور يطرق منذ أمد طويل باب علم النّفس، وكانت الفلسفة كما كان الأدب يغازلانه، ولكن العلم لم يكن يعرف كيف يستخدمه. لقد تبنى التّحليل النفسي هذه الفكرة، وأولاها كلّ عنايته وأفعمها بمضمون جديد. ولقد عثرت البحوث التحليليّة النفسيّة على خصائص للحياة النفسيّة اللاّواعية لم تكن قبل ذلك متوقعة، وكشفت بعض القوانين الّتي تتحكّم فيها. ولسنا نقصد من ذلك أنّ سمة الوعي قد فقدت من قيمتها في نظرنا. فما زال الوعي النّور الوحيد الّذي يسطع لنا ويهدينا في ظلمات الحياة النفسيّة. ولما كانت معرفتنا ذات طبيعة مخصوصة، فإنّ مهمّتنا العلميّة في مجال علم النّفس ستتمثّل في ترجمة المسارات اللاواعيّة إلى مسارات واعية حتّى نسد بذلك ثغرات إدراكنا الواعي.
******
فرويد: مختصر في التحليل النفسي (1938).
Sigmund Freud: Abrégé de psychanalyse, P.U.F,1970, pp. 19-20
