حول الإنسان الكامل

 ليس للإنسان الكامل في الفكر الصوفيّ، في المقام الأول، مدلولات أخلاقيّة، من فضيلة وخـير، وإنمـا يتضمن مدلولات انطولوجيّـة معرفيّة. فلفظـة الكمال هـنا لا تعني الإنـسان الجامع للمناقب الحسـنة فقط،  بـل هي في الحقيقة نظريـة فــي الكلمة “اللّوغوس” أيضـاً ويمكن التمييز فيها بين جوانب رئيسيّة ثلاثة :

أ/انطولوجي
ب/ كوني
ج/ عرفاني

 فالإنســان الكامل يمثل حقيقة الحقائق. وهو أيضاً الإنسـان الكلي، فهو أكثر الكائــنات العالم كمالاً، لأنه صُنع على صورة الإله. وكل إنسان هو ممثل للجنس البشري الّذي هو أرفع تجليات الواحد ـ المطلق. وبوسع كل إنسان بالقوّة أن يدرك وحدة العالم. وأن يعي مكانته في “الكلّ الكونيّ”. (1)

 هذا بالمختصر الشديد ما كانت عليه نظرية ابن عربي حول الإنسان الكامل (2). ولئن كان الإنســان الكامل حسـب هذه النظرية لا يعني بالدرجة الأولى، كما أشـرت،  ذلـك المعنى الأخلاقي، فإنـه يظلّ محتوي على معاني كونيـة و انطولوجية وعرفانية تجسـدت فــي الإنسان باعتباره أشرف الكائنات على هذه الأرض. وبالتالي، فهو ليس بالجرم الصغير، بل إن العالم كله منطوي فيه. (3)

 و حـول الإنسان الكامل أيضاً نجد أن “نوفالس” يقول : “أن الإنسـان الكامل يجب عليه أن يحيا في أمكان عديدة في وقت واحد معا. ومع كثير من النّاس معاً. و يجب أن يكون حاضراً في أفق واسع و أحداث عديدة. هنالك تتجلى لهُ تلك الحضرة العظيمة الحقّة، حضرة الرّوح، الّتي تصنع من الإنسان مواطناً للعالم حقيقياً، وفي كل لحظة من لحظات حياته، و بنوع من التّداعي البديع للأفكار، يستنبط، ويصير قوياً، ناصعاً، مستعداً لنشاط تأمّلي”.

 و هكذا نجد أن “نوفالس” يرسم معالم الإنسان الكامل بأفكار عميقة، فهو إنسان يحيا في أماكن عديدة في وقت واحد معاً ومع كثير من الناس… والحق أني حين أتأمّل هذه الكلمات. أقف متسائلاً : كيف يمكن أن يحيا الإنسان في أماكن عديدة وفي وقت واحد؟ فأجد أمامي عالم الأنترنيت كجواب على هذا السؤال، فهو العالم الذي يستطيع أن يحيا فيه الإنسان تلك الحياة، علاوة على ذلك، فإنه من خلاله يكون حاضراً في أفق واسع وأحداث عديدة. فضلاً عن كونه يطرح الأفكار بعيداً عن كل رقابة.

 وبلغة “نيتشه” فإن الإنسان الكامل هو الإنسان الأعلى. يقول “نيتشه” في هذا الصدد : ما القرد بالنّسبة إلى الإنسان الأعلى؟ أضحوكة و عارٌ مؤلم و هكذا يجب أيضاً أن يكون الإنسان بالنّسبة إلى الإنسان الأعلى : أضحوكة وعارٌ مؤلم. ويقول : “الحقّ أن الإنسان نهر نجس، ولا بد للمرء أن يكون محيطاً كي يستطيع أن يضمّ في جوفه نهراً نجساً، دون أن يتدنسّ، فأنا أدعوكم بدعوة الإنسان الأعلى : فإنّه هذا المحيط.

 والإنسان الكامل عند إخوان الصفاء هو :” العالم الخبير الفاضل، الذكي المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة… “. بمعنى أن الإنسان الكامل عندهم ليس مسلماً أو يهودياً أو عربياً أو فارسياً.. إلخ، بل هو الإنسان الكوني الذي تجسدت فيه جميع الطوائف والأفكار و الأعراق. لذلك فالناجي عند إخوان الصفاء هو من كان جامعاً لفضائل الأمم والأديان. أو بعبارة أخرى هو : مواطن العالم. و هذا الرأي قريب من رأي” برتراند راسل “حين قال :” إن التأمّل الفلسفي يصنع منا مواطني الكون وليس مجرّد مواطني مدينة هي قلعة للحرب مع باقي العالم “. وأفهم من خلال هذه الكلمات أنه بواسطة التأمّل الفلسفي يمكن أن نصنع مواطن الكون الذي لا شك هو الإنسان الكامل. 

 وختاماً، فالإنسان الكامل هو إنسان” أواني ” ( نسبة لموقع الأوان )، أي أنه إنسان علماني عقلاني تنويري. ففي يقيني أنه بدون نظام علماني تنويري عقلاني يصعب وجود الإنسان الكامل بهذا المعنى الشمولي أي مواطن العالم الذي يؤمن بالقيم الكونية، وحتى وإن أمكن وجوده، بفضل العالم الافتراضي، فإنه سيكون استثناء كمتوحد ابن باجة في المدن الغير فاضلة.

هوامش :

1- ارثور سعدييف ـ توفيق سلوم، الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفارابي ـ بيروت، الطبعة الأولى 2000. انظر صفحة : 336 والصفحات التي تليها.

2- و لم لا يكون الإنسان الكامل هو من صار قلبه قابلاً لكل صورة ولكل الديانات والطوائف كما في الأبيات الشهيرة لإبن عربي؟

3- ينسب للإمام علي هذا البيت : وتزعم أنك جرم صغير // وفيك انطوى العالم الأكبر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This