المركزيّة البشريّة.. إلى متى؟
منذ أرسطو إلى اليوم، لم نستفق من هذه الغيبوبة النّرجسيّة. وإلى اليوم، لم تتغيّر اللّغة ولم تتغيّر العقليّات. ولم يقم اللاّهوتيّون والمؤمنون عامّة، وهم أغلبيّة، بالإصلاحات الضّروريّة لتجاوز هذه العقبة.
فالإنسان الحديث لم يستفق من الضّربات النّرجسيّة الثّلاث التي تعرّض إليها، وهي أوّلا، الثّورة الكوبرنيكيّة التي قلبت الكون، فلم تعد الأرض مركزا ومحورا. وثانيا، الاكتشاف الدّاروينيّ الذي ألغى ميزة الإنسان، وبيّن أصوله الحيوانيّة، وثالثا، التّحليل النّفسيّ الذي بيّن مؤسّسه سيغموند فرويد بأنّ الأنا ليس سيّد نفسه.
كما لم يتّعظ الإنسان من الدّمار الذي ألحقه بالبيئة، وبعالم الحيوان والنّبات نتيجة عقليّة الهيمنة والتّقنيّة والنّموّ العمرانيّ. ولكنّ الفلسفة التي تمنع من تغيّر العقليّات في اتّجاه احترام أكبر للبيئة وللكائنات الأخرى هي نظريّة السّخرة : كلّ الكائنات وسيلة لتحقيق غاية هي الإنسان، في دنياه أو آخرته.
إلى اليوم، مازلنا نفترض بكلّ وثوق أنّ الإنسان أفضل من الكلب والحمار والكبش، ولا نسائل هذه البديهيّات وكأنّ مساءلتها علامة على انحطاط وصلت إليه الشّعوب المتحضّرة نتيجة الإفراط في الرّفاهية والتّرف.
من هنا تبتدئ المراجعة الدّينيّة الجوهريّة لكلّ الأديان التي تجعل الكون كلّه سخرة للبشر. هل هناك مؤمنون يمكنهم أن يتحلّوا اليوم بالشّجاعة الكافية ليستوعبوا الثّورات المعرفيّة الحديثة ولينهضوا بعبء المسؤوليّة أمام هذه الأرض المتعبة المخرّبة؟
