ثلاث رسائل إلى رفيقي المجاهد
1) الرّسالة الأولى: أجبرتني على العودة إليك
“إنّكم ما تمكّنتم في أيّ زمان من إرسال عقولكم إلى مهاوي الثّلوج، فما بكم الحرارة الكافية لاقتحامها، ولذلك لا تدركون لذّة من تنعشه لفحات هذه المهاوي”
زرادشت
رفيقي المجاهد،
صباح الخير
هل تذكّرتني؟ أنا رفيقك الذي راسلك منذ بضعة أشهر. وكنت أخاطبك بصفة “رفيقي السّلفيّ”. ولا أعلم هل أنت هو أم أنّك غيره. وما كنت أنوي العودة إلى مراسلتك لولا هذا الوعي الشّقيّ الذي يقضّ مضجعي ويعطّل قلمي عن مشاريع أخرى كنت بصدد الاشتغال عليها. فتلحّ عليّ اللحظة لوعيي بخطرها علينا جميعا مستَلبا وسالبا ومسلوبا حتى لا أكتفي بأن أكون محلّلا من الخارج فقط كأصحاب ربطات الأعناق في بلاتوهات الإعلام. فوجدتني مدفوعا دفعا إلى ما أنا فيه من مخاطبتك لشعوري بأنّ في المراسلة هذه حميميّة وصدقا لا تتوفّر في غيرها من أساليب التعامل، أوّلا، ولأنّ التواصل بيننا وبينك معدوم، ثانيا.
رفيقي المجاهد،
ليتك لم تصل إلى هذه النّقطة. وليتني ما دُفعت إلى العودة إلى محاورتك في هذا الشّأن. وليت هذا الشّأن انتهى. ولكن أطرافا في الدّاخل والخارج لا تريده أن ينتهي. ومع ذلك، إذا كانت هذه الرسائل تفيد في كفّ الأذى عنّا وعنك وعن وطننا فإنّني مستعدّ لمراسلتك طوال عمري.
رفيقي المجاهد،
لابدّ لي، في هذه الرسالة الافتتاحيّة، أن أعبّر لك عن تقديري لصدقك فيما تؤمن به. وهو صدق يفتقر إليه الكثير من حلفائك وخصمائك لأنّهم يمارسون السّياسة التي لها أخلاقها وإكراهاتها. أمّا أنت فلا تمارس السّياسة، مع أنّك تطمح إلى السّلطة لــ “تنفيذ شرع الله” فينا. إنّك تطمح للوصول إلى السّلطة خارج الأطر الحديثة جميعها التي يبقى الانتخاب سيّدها والتوريث والتمليك والانقلاب من الطرق المؤديّة إليها. ولكنّها طرق غير شرعيّة ولا دستوريّة. وأنت تؤمن بالشّريعة ولا تؤمن بالشّرعيّة. وتجاهد حتى تجعل الشّرع مكان الشّرعيّة. وفي ذلك تلبيس لا يستقيم، يا رفيقي.
رفيقي المجاهد،
ما قلتُ إنّه صِدْقك فيما تؤمن به يشعرني بالقهر الكبير لأنّ صدقك لو كان في حبّ الوطن والولاء له وخدمته لكان واقعنا ومستقبلنا أفضل بكثير.
رفيقي المجاهد،
أؤكّد لك أنّنا لن نحبّك ولن نتعاطف معك وأنت ترعب أيّامنا، وتؤهل نوم أطفالنا بالكوابيس، وتجعل نساءنا الطيّبات يسرن في الشّوارع ملتفتات يمنة ويسرة خائفات مرتجفات، وتكلم قلوب أمّهاتنا العزيزات.
رفيقي المجاهد،
اسمح لي بأن أقول لك إنّني سأقرأ معك الواقع. وسأفكّك معك شفراته الملتبسة. وسأقرأ معك التاريخ، أيضا. وسأعود معك إلى الفقه وأصوله وإلى الفكر وأطروحاته. وسأناقش خلفيّاتك وشعاراتك وأحلافك ورؤاك وموقعك محليّا وإقليميّا ودوليّا ومفاهيمك للوطن ولما تسمّيه الشّريعة وانتصارك لها. سأقرأ وسأناقش لأنّ هذه هي أدواتي في التفكير وفي التعامل مع العالم.
رفيقي المجاهد،
حيثما كنت؛ في مغارة جبليّة أو في غرفة قصيّة في نهج مظلم بحيّ مهمل أو في سيّارة فارهة تجري مكالمة استراتيجيّة أو في مقرّ عملك تنتظر التعليمات أو في مقهى تشرب قهوة الصّباح وتتلهّى باستراق النظر إلى مؤخّرات العابرات ومقدّماتهنّ مستعيذا بالله من الشّيطان الرجيم، حيثما كنت، “فكّر بغيرك” الجائع والعاطل والمهمّش والمحروم والمعطّل عن الدّراسة أو عن العمل. فكّر بهم لترى حجم انحرافك عن أهداف الثورة.
رفيقي المجاهد،
سلمت تونس من الأذى
2) الرّسالة الثانية: جاهـد يا رفيقي..
“في كلّ معرفة عميقة يهبّ تيّار من الصقيع لأنّ ينابيع العقل الخفيّة باردة كالثلج ولا تلذّ ببردها غيرُ الأيدي الملتهبة بحرارة جهادها”
زرادشت
رفيقي المجاهد،
تَراك تجاهد، وتسمّي ما تفعل جهادا في سبيل الله وفي سبيل شريعته ضدّ الكفّار والمرتدّين نحن! تَراك تجاهد لغويّا في تحويل مفاهيم المصطلحات فتسمّي التعنيف وضرب الآخرين من مواطنيك جهادا! وتسمّي سلب المواطنين أموالهم وسرقة متاعهم احتطابا! وتسمّي اغتيال مواطنيك جهادا! وتسمّي زرع الألغام التي تخطف أعضاء جنودنا جهادا! وتسمّي تسخير بعض بنات هذا الوطن للبغاء جهادا!
رفيقي،
هل تعلم أنّ الصادق حميدة، وهو مناضل سجن مع بورقيبة، هو من أطلق عليه صفة المجاهد الأكبر؟ كان الجهاد يعني عنده مقاومة المحتلّ والنّضال من أجل تحرير الوطن من الغاصبين وبناء الدّولة الحديثة. ما كان يعلم حينها أنّه سيأتي على تونس يوم يطلع فيه من بين أبنائها من يدّعون الجهاد الأكبر مرّة أخرى، لكنّهم لا يجاهدون ضدّ الغاصب والمحتلّ وإنّما يعتدون على الوطن وأبنائه وعلى الدّولة الحديثة ومقوّماتها ويسمّون اعتداءهم ذاك جهادا! ويؤمنون به واثقين، ولا ذرّة من شكّ! ولا ذرّة من تردّد!
رفيقي،
ما الجهاد؟ هو مفهوم اشتقّته المؤسّسة الفقهيّة لتسميّة حروب المسلمين وغزواتهم على أعدائهم داخل أوطانهم ثمّ خارجها منذ الخلافة العُمَرِيّة. والجهاد واجب على كلّ مسلم كما تقرّر المؤسّسة. وبما أنّ الموت فيه نسبة فوزه عالية، فإنّ الجهاد مصحوب بهالة من التقديس كبيرة في الخطاب الفقهيّ. وقد تواترت في كلّ فروع الخطاب الدينيّ أنواع مختلفة من الوعود والإغراءات لمن يقضي أثناءه. فالشّهيد موعود بأنهار اللذّة والغبطة والمتعة متى مات، وموعود بالغنائم والسّبايا والثروات متى سلِم وعاد حيّا. وكتب التفسير الإسلاميّة تسرف في هذا.
رفيقي،
يقولون: جاهدْ يا جميل بغزوة… وأيّ جهاد غيرهنّ أريدُ؟
لــكــلّ حــديــث بــيــنهـــنّ بــشاشـة… وكلّ قتيل عندهنّ شهيد
أتعرف من صاحبُ هذين البيتين؟ إنّه جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي ويُكنّى أبا عمرو. ويكنّى عند الأدباء ومؤرّخي الأدب والنقّاد بجميل بثينة. أتعرف متى عاش؟ بين سنتي (40 ﻫ – 82 ﻫ). لقد عاش جميل وكتب أشعار الحبّ والحياة التي تفعل فينا اليوم وتطربنا بُعيد دولة الخلفاء الرّاشدين، والإسلام كان حيناها هشّا طريّا لم يَسُدْ، مع ذلك لا أحد قال: هبّوا لنصرة الإسلام من المسلمين! وقضّى جميل حياته مع الدّولة الأمويّة، ومع ذلك لا أحد أخرسه بدعوى أنّ الإسلام في خطر! أتعرف أين عاش جميل؟ وأين كتب أغلب أشعاره؟ في المدينة المنوّرة حيث كانت أشعاره تُروى وتُنشد بين الخاصّة والعامّة؟ كان جميل من بني عذرة من قضاعة. وكانت بثينة حبيبته من وادي القرى. أتعرف لماذا أطرح عليك كلّ هذا الأسئلة؟ لأقول لك؛ إنّك لا تعرف ما تفعل.
رفيقي،
هل لاحظت أنّ الشّاعر المحبّ لم تغره الوعود المؤجِّلة للغبطة. وفضّل عليها، تحت إلحاح الحمحمة، اللذّة العاجلة الحاصلة بحبّ النّساء؟ وقد كان موقفه واضحا صريحا لا بلاغة فيه. ولا يحتاج إلى تفكيك ولا إلى تأويل. وهو يعتبر الموت حبّا استشهادا تماما كما كانت المؤسّسة الفقهيّة المنظّرة لسياسة الغزو الرسميّة التي أقرّتها السّلطة الأمويّة الحاكمة تعتبر الحرب جهادا والموت فيها استشهادا. هل لاحظت أنّ خطاب جميل ردٌّ على طلب، كما هو واضح في النصّ؟ وهو ردُّ محاجِجٍ يدافع عن موقفه من أطروحات الخطاب الدينيّ بتنويع الحجج والأساليب من الاستنكار إلى الإقرار. ولا يخفي، في النّهاية، رفضه للجهاد العسكريّ المغلّف بعباءة الدّين والسّياسة لأنّه يرى كفايته في جهاد الحبّ.
رفيقي،
بناء الأوطان جهاد. وحفظ أمن الوطن جهاد. والعمل جهاد. وتربيّة الأبناء وإعالتهم جهاد. والبرّ بالوالدين جهاد. والتعلّم جهاد. وقبول الآخر المختلف عنّا جهاد. وضبط شرور النّفس جهاد. أمّا ما تفعله فلا.
آه يا رفيقي؛ ماذا تفعل بنفسك وبنا؟
3) الرّسالة الثالثة: هل تعي مكانتك هذه؟
“إنّ الرجل الكريم يريد أن يبدع شيئا جديدا وفضيلة جديدة، على حين أنّ الرجل الصّالح لا يحنّ إلاّ إلى الأشياء القديمة، وجلّ رغبته تتّجه إلى الإبقاء عليها. لا خطر على الرجل الكريم من أن ينقلب رجل صلاح، بل كلّ الخطر في أن يصبح وقحا هدّاما”.
زرادشت
صباح الخير رفيقي المجاهد،
أعلم أنّ البيداغوجيا التي تمارس عليك هي الدّمغة ثمّ التلقين فالأمر والطّاعة. ولذلك لا تسمح لعقلك بتحريك حواسّه النقديّة. وهذا ما يريدونه منك. وهذا ما لا نريده منك ولك. فأنت لو فكّرت واستعملت أدنى درجات القياس الذهنيّ بلغة القدامى لتبيّنت لك ذاتك. وهذا لم يتح لك أو لم يسمح لكبه نتيجة ما سمّيناه بيداغوجيا الدّمغجة.
رفيقي المجاهد،
سؤال واحد أتطارحه معك ليتك فكّرت فيه ولو لبرهة. هل تساءلت مع هادجير: ما هي منزلتي في الكون؟ وما سبب إقامتي تحت الشّمس؟
رفيقي المجاهد،
طيّب، لا أريد منك إجابة فلسفيّة ولا شعريّة، فقد تعزّان عليك. وإنّما أريد إجابة سياسيّة. أبسّط لك السّؤال : ما موقعك في السّياسة الدوليّة؟ وأين تضع نفسك؛ في خدمة أمّتك أم في خدمة أعدائها؟
رفيقي المجاهد،
تعالَ نفكّرْ معا. تسألني؛ من أين نبدأ؟ أجيبك: نبدأ، مثلا، من شعارك الأثير لديك: “أوباما أوباما… كلّنا أسامة”. وسترى أنّه يكفي مدخلا لتفكيك صورتك عن نفسك الملتبسة لديك. وسترى أنّك لست وفيّا حتى لشعارك المركزيّ الملهم هذا الذي تردّده دائما. وسترى أنّ هذا الشّعار يخفي أكثر ممّا يكشف. وأنّك لا تدرك منه إلاّ سطحه الظّاهر.
رفيقي المجاهد،
ماذا يعني لك هذا الشّعار؟ يعني ببساطة أنّ رمزك الملهم هو أسامة بن لادن وأنّ عدوّك هو أوباما رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة. بن لادن يرمز إلى الخلفيّة الجهاديّة ضدّ الغرب ومصالحه. وأمريكا ترمز إلى المعتدي الشّرّير على الإسلام والمسلمين.
رفيقي المجاهد،
لن أدخل معك في جدل حول أنّ بن لادن هو صنيعة أمريكيّة لمقاومة المدّ الشّيوعيّ السّوفييتيّ . فهذا لن يؤدّي إلى نتيجة. وإنّما سأعود معك إلى بن لادن باعتباره مدخلا للتفكيك، كما ذكرت أعلاه. بمعنى أنّه يفيدنا في هذا السّ ياق باعتباره أداة تحليليّة مهمّة نناقش من خلالها علاقتك بالوهابيّة.
رفيقي المجاهد،
لماذا ترفع هذا الشّعار؟ لأنّك تعتبر أنّ بن لادن ضرب عدوّ الإسلام في عقر داره. وترى في ذلك شرفا وأيّ شرف. تراه تحدّى الآلة العسكريّة والاستخباراتيّة الأمريكيّة وانتصر عليها في جولة من الجولات. ولكنّه، يا رفيقي، لم يضرب قاعدة عسكريّة ولا حاملة طائرات ولا فرقة عسكريّة وإنّما ضرب مركزا تجاريّا مدنيّا!
رفيقي المجاهد،
أمضي معك قدما في شعارك. لنفترض أنّ بن لادن ضرب المصالح الأمريكيّة داخل أمريكا وخارجها. وهو يلهمك في هذا. فهل تضرب أنت المصالح الأمريكيّة في تونس حين تزرع الألغام التي تقصف أعمار شباب من أبناء وطنك وأن تغتال مواطنيك ذبحا وطعنا وبالرّصاص بعد أن تفتي بكفرهم؟ هل في هذا اقتداء بشيخك بن لادن؟ هل فعل بن لادن شيئا كهذا بلده الأمّ السّعودية ؟ هل ضرب أحد مواطنيه؟ هل طعن أحد مواطنيه؟ هل كفّر أحد مواطنيه؟ هل زرع لغما في وطنه؟ بل هل خرج على أولياء نعمته آل سعود أصلا؟ إذا لم يخرج بن لادن عن حكّام بلده فذلك يعني أنّه يراهم صالحين! فهل تراهم أنت كذلك؟ لم يفعل شيخك بن لادن بوطنه ومواطنيه سوءا فلماذا تفعل أنت؟ أهذا هو ولاؤك له؟
رفيقي المجاهد،
لنفترض أنّ ما حدث لبن لادن من محاصرة وملاحقة وتشريد فاغتيال كان محنة. فهل سانده أولياء نعمته السّعوديّون في محنته؟ لماذا أسقطوا عنه الهويّة والجنسيّة؟ لماذا رفضوا استقبال جثمانه فألقي في المحيط؟ أليست الوهابيّة هي المنظّر المفتي المشرّع لآل سعود حكّام السّعودية؟
رفيقي المجاهد،
بالله عليك، تأمّل معي هذا: الوهابيّة نشأت في السّعودية . وأوصلت آل سعود للحكم. وحاولت أن تنتشر في العالم، وسأعود إلى محاولتها الأولى الانتشار في تونس وردّ شيوخ الزيتونة عليها في رسالة أخرى. وأنتجت الوهابيّة أذرعَها الفقهيّة الدعويّة في ديار الإسلام وأذرعها الجهاديّة في ديار الكفر المدعومة من الضخّ المالي الذي لا ينضب. بهذا التحليل، فإنّ بن لادن هو صنيعة الوهابيّة الحاكمة في السّعودية . لكن ما يهمّني هو المكانة التي وضعت فيها الوهابيّة في مستوى السّياسة الدوليّة.
رفيقي المجاهد،
ما أقصده أنّ الوهابيّة التي استوطنت أرض أفغانستان وبعض أرض باكستان كانت في الحقيقة موجودة هناك برغبة من الغرب نفسه، لأنّ تلك الأرض بعيدة عن أراضيه، أوّلا، ولتعطيل التطوّر التكنولوجيّ النوويّ الهنديّ الباكستاني، ثانيا، ولقربها من الشّرق الأوسط مركز ثروات العالم، ثالثا، وليجرّب فيها أسلحته ويختبر فيها أحلافه، رابعا، ولتكون ورقة ضغط له على الأنظمة والبلدان المتفطّنة للمؤامرة، خامسا، ولتكون سلعة للتجارة الإعلاميّة والسّينمائيّة التي تدرّ أرباحا خياليّة، سادسا. ولا أريد أن أطرح عليك، هنا، سؤال إن كان بن لادن بطلا بذاته أم بطلا كرطونيّا بيد الغرب!
رفيقي المجاهد،
اسمح لي أن أستمرّ معك في نفس التحليل. أنا لست من القائلين إنّ الثورات العربيّة هي ثورات مفتعلة من المخابرات الغربيّة. لا، وإنّما أعتقد أنّ هذه الثورات وفّرت على المخابرات الغربيّة وقتا وجهدا كبيرين، إذ تحرّكت نحو توجيه هذه الثورات منذ 17 فيفري في ليبيا. فلقد أتيحت للأنظمة الغربيّة الفرصة المناسبة لدفع كرة الثلج نحو الشّرق الأوسط.
رفيقي المجاهد،
ما هي الخطّة، يا رفيقي؟ لقد كانت الخطّة تقوم على مبدإ عسكريّ معروف في أدبيّات خنادق القتال. في كمين عسكري ينصب على جانبي طريق لا يجب أن يكون المقاتلون متقابلين حتى لا يقتل بعضهم بعضا إذا مرّ الهدف، يا رفيقي. وهذه هي الخطّة: تحويل البنادق الموجّهة إلى الغرب وإسرائيل نحو بعضها ليسلم الهدف. ومكان الكمين هو سوريا هناك اجتمعت بنادق الوهابيّة مع بنادق حماس الغزويّة مع بنادق الجيش الحرّ (!!) بتنسيق أو بدونه المهمّ أنّ الهدف واحد هو الجيش والنظام السّوريّين المسنود من حزب الله اللبنانيّ! بعد العراق، ماذا بقي سوريا قوّة إقليميّة؟ أمّا مصر فإنّ الجرح الإخوانيّ يستنزفها حتى العظم. فلتكن سوريا، إذن، أرض المحرقة من أجل عيون الغرب.
رفيقي المجاهد،
لاحظ أنّ المستهدف كان الغرب وإسرائيل كما تقول الأسطورة. فتحوّل الهدف هو سوريا جيشها ونظامها. أمّا شعبها فإنّه يعيش المحارق جميعها: حرقا وقصفا وتدميرا وذبحا واغتصابا وتشريدا. لاحظ، يا رفيقي، أنّ الحروب كلّها فتحت هنا: الحرب من أجل الإسلام “المجاهدون مثلك” والحرب من أجل الحريّة “الجيش الحرّ” والحرب المذهبيّة “سنّة وشيعة”. كلّ الحروب مباحة شرط أن تتقاتلوا هنا وأن توجّهوا بنادقكم بعضها إلى بعض، ولا ضير من التكبير. أمّا عدوّكم المفترض أوباما فإنّه يجلس ساقا على ساق ويطلق زفيرا طويلا قائلا: أاااااوف، ارتحنا منهم جميعا. . ههههه.
رفيقي المجاهد،
هذه مكانتك، إذن. إنّك منخرط في حرب أرادها لك الغرب لإبادتك ببندقيّة أخيك. فهل ترضى؟ أين أنت من شعارك “أوباما أوباما. . كلّنا أسامة”؟ هل أوباما موجود في القصير وريف دمشق؟ هل أوباما متخفّ في زيّ جنديّ سوريّ أو مقاتل من حزب الله؟ إنّك تنفّذ المشروع الغربي نحو الشّرق الأوسط الذي يريدونه.
رفيقي المجاهد،
مقابل خدمتك غير الواعيّة لمشروع الشّرق الأوسط الجديد التي ترفض الاعتراف بها، يُتساهل معك قليلا في أوطانك ويتمّ التغاضي عن تنظّمك المثير للخوف. ولكن، لتعلم أنّك تحت مجهرهم وفي مرمى رماتهم. ولن يتركوك تمرح كما تريد متى أرادوا ذلك أو متى كان ذلك خادما لخططهم التي تحرّكها مصالحهم الاستراتيجيّة. فلو كنت تتوهّم أنّه سيسمح لك يوما بتنفيذ حلمك وإقامة دولة الخلافة التي تحلم فأنت واهم حقّا. ولو كانوا سيسمحون لك بذلك لكان سلفك في أفغانستان أولى. لماذا؟ ببساطة لأنّ دولة الخلافة تتعارض مع مصالح الغرب تعارضا كاملا. إنّهم يسمحون لك بهذا الحدّ من التنظّم لأنّك بذلك تضمن لهم توفير ما يحتاجونه من مجاهدين لدفعهم نحو المحرقة الجماعيّة. لاحظ، إذن، أنّ آل وهّاب يشحذونك ويدعمونك ويموّلونك لخدمة عدوّك وعدوّنا.
رفيقي المجاهد،
إنّك لا تجاهد في سبيل الله ولا في سبيل الإسلام، ولست وفيّا لشعارك. إنّك تجاهد في سبيل الشّرق الأوسط الجديد! وذلك يمرّ حتما عبر تخريب وطنك.
لنا الله فيك وفي عنادك الهدّام.
