عادل حدجامي: لننفتح على الحياة في مطلقها خارج شرانق التمثّل السخيفة
قبل بضعت أشهر توج الباحث والكاتب عادل حدجامي بجائزتين، هما على التوالي : جائزة المغرب للكتاب لسنة 2012 وجائزة الشيخ زايد الإبداعية، للمؤلف الشاب، عن كتابه «فلسفة جيل دولوز.. عن الوجود والاختلاف». في هذا الحوار يعبر حدجامي عن انطباعاته على الفوز، ويناقش قضايا ترتبط بالإشكالات المهمة التي عالجتها فلسفة جيل دولوز، وعن مدى أهمية فكر وفلسفة هذا الأخير للتصدي لمجموعة من الإشكالات العميقة في واقعنا الراهن.
رسالة دكتوراه تتحول بعد ثلاث سنوات من مناقشتها إلى بحث متوج وطنيا وعربيا، هل ظننت يوما أن هذا ما سيؤول إليه قدر هذا الكتاب؟
لست ممن يهوى التأريخ البعدي الذي يجعل من النتيجة سببا للسّبب، لهذا سأقول إني لم أكن أنتظر ذلك إطلاقا، لا نفسيا ولا فكريا، أي أني من جهة أولى لم أكن أظنّه سيحصل، ومن جهة ثانية لم يكن همّي أن يحصل؛ همّي كان أن أنتج بحثا في تخصصي لنيل شهادتي الجامعية، بحث يفي بما في نفسي من محبّة تجاه الفلسفة ويشرفني أمام زملائي من الباحثين، إذ أن القاعدة في البحث العلمي هي أن “لا رحمة في المعرفة”، فإما أن تكون قويّا وإما أن تنقرض؛ لهذا فالرهان كان مع نفسي ولأجل هذا الشيء الذي نسميّه الفلسفة والذي أحبّه الحب، ثم حصل أن نشر هذا البحث فيما بعد باقتراح من الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي الذي له عليّ أفضال غير هذه، فقدمته دار النشر للجائزة العربية وفاز، وكنت قبل ذلك قد قدّمته لجائزة المغرب المحلية ففاز أيضا. ها أنت ترى أن الصدفة هي الأصل في كلّ هذا، صحيح أن إجماع لجنتين من جائزتين على تكريم الكتاب قد يكون دليلا على جودته، لكني أظل مع ذلك مصرّا على أن الصدفة هي الأصل، فقد كان يمكن لكل هذا ألاّ يحصل وأن يمر الكتاب مرّ الكرام الخفاف.
لجيل دولوز وصايا ثلاث شهيرة حول أحقية كتابة كتاب ما، أي تلك الوصايا تجدها الأقرب من هذا الكتاب؟
أنّ الكتاب أراد أن يعرض شيئا “واضحا” ومعتدا به باللغة العربية حول الفلسفة المعاصرة، وحول دولوز تحديدا ، هذا كان رهانه ، والحق أن ما لا أستطيع حياله اصطناع تواضع زائف هوجهد اللغة التي كتب بها، فأنا أمتلك علاقة خاصة باللغة العربية، علاقة وجدانية عميقة، فهذه لغة مثلت لي “الوعاء” الذي ترسّمت فيه وجدانا وفكرا، لهذا فقد كنت أحاول وأنا أكتب أن أقوم برهانين اثنين: توصيل مضمون فلسفة الرجل من جهة، وإكرام اللغة التي أبتغي التوصيل بها وإليها من جهة ثانية، هذه كانت الوصية الذاتية التي آليت على نفسي الوفاء بها، وهذا كان أصعب شيء على الإطلاق، إذ نادرا ما يتيسر هذا الربط، فغالبا ما يكون النهوض بأحد الرهانين على حساب الآخر، ولعلّني قد تمكنت من ذلك، فقد جاء في تعليل الجائزة المغربية والعربية ذكر لأمر اللّغة التي كتب بها الكتاب.
لفلسفة جيل دولوز عدة مفاهيمية خاصة، عدة من قبيل «الجذمور، الشبكة والدفق، البساط…»، ما مرد هذا التفرد ؟ وما المتغيا منه؟
لكل فلسفة قوية شيء من هذا، فأنت تجده عند هايدغر كما عند كانط أوالفارابي؛ كل الفلاسفة الكبار لهم عدة مفهومية خاصة، حتى من اشتهر منهم ببساطة أسلوبه مثل روسو وديكارت، فالفلسفة اصطناع للمفاهيم، لكنه اصطناع ليس بداعي الترف بل بدافع الحاجة؛ فالفيلسوف يفعل ذلك “مرغما”، إذ أن عمله الذي هو بطبيعته استشكال لما يتوهّمه بادئ الرأي بسيطا هيّنا يفرض عليه أن يوفر عدة ليبلّغ مراده، فالأمر ليس حبا في “النيولوجيا” أو في اقتراف الغريب المهجور من الألفاظ، بل هو اجتهاد بدافع حاجة عملية، فاقتحام الفكر المجرد يرغم اللغة على تجاوز معهودها وعلى اختراع معجم خاص؛ وبالمناسبة هذا الأمر يحصل في الآداب أيضا، حيث نجد للأدباء الكبار معجما وأسلوبا خاصا، بل ونجده في العلم، إذ المباحث العلمية، على اختلاف ضروبها، مليئة بالمصطلحات والتسميات غير الدارجة في الاستعمال، رغم ما بين المفهوم الفلسفي والمصطلح العلمي من فروق.
يقف الكتاب على الجبهات المتعددة التي فتحها جيل دولوز على كل الأشكال الوثوقية للفكر، إلا أن الأفلاطونية والهيغلية كانت أهم هذه الجبهات، ما مرد هذه الموضعة التي تطال فلسفات كبيرة كهذه؟
كل فلسفة كبرى تسعى لأن تتجاوز معهود الفكر، أي لأن تتجاوز قواعد بادئ الرأي التي درج الناس على اعتبارها مسلمات وبداهات، في حين أن التفكير في الفلسفة هو دائما بحث عن انفتاح ماpenser c’est toujours penser autrement، أي الحفر عن شيء خارج عادات الفهم. وعادات الناس هذه، إذا ما أردنا أن نساير شاتلي، اتخذت في تاريخ الفكر صورتين : الأفلاطونية الأرسطية قديما، والتي صارت نهج الفكر الرسمي مع انتصار المثالية والتوحيد ما بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الثالث للميلاد، ثم الهيغلية في الزمن الحديث مع ما آلت إليه في الفكر الماركسي خلال القرن الذي مضى. وهذا يصدق علينا نحن أيضا من حيث إننا توحيديون مثاليون، ومن حيث إن فلاسفتنا كانوا في أعمهم أرسطيين. والحقيقة أن رسوخ هذه المذاهب وأدواتها جعل منها “قالبا في التفكير”، قالب يفرض نفسه ويجعل الفكر يشتغل في إطاره دون وعي، ففهمنا نحن اليوم مثلا لمعنى التاريخ ( الخطي الكرونولوجي) وللسياسة ( السلطة المركزية الهرمية) والإنسان ( الفرد الواعي العاقل) هوفهم له تاريخ، فهذه الفهوم في أصلها كانت مجرد “فرضيات”؛ كانت مجرد إمكان واحد ممّا لا يتناهى من الإمكانات، لكنها ترسّخت و صارت النموذج الأوحد للنظر لاعتبارات تاريخية معقّدة؛ دور الفكر في هذه الحالة يصير هو الاجتهاد في اختراق هذه العادات لأجل فتح أفق الممكن، وهذا لا يكون إلا ببيان نسبية و“تاريخية” هذه النماذج، هنا تصير الأطر الفكرية التي حكمت العالم (المثالية الأفلاطونية قديما والديكارتية الهيغلية حديثا) هي الخصم الذي ينبغي إزاحته.
تنحو فلسفة جيل دولوز نح ومنزع حيوي واضح vitalisme»»، في مقابل ذلك تتبرم من كل ما هوصوري مثالي. ما مرد هذا التوجه؟ وما مبراته؟
هذا السؤال فيه عطف على ما تقدم في السؤال السابق، والحديث فيه يستدعي ذكر أمور تقنية غاية في التجريد لا يحتملها المقام هنا، ولكن لنقل عموما إن دولوز هومن الفلاسفة الذين كانوا يعتقدون في أولوية العالم والحياة على الفكر، فنحن من ننتمي للعالم وليس العكس، وهذا ما يبينه العلم في كل لحظة، فنحن لسنا إلا كيفيات في التحقق ستزول؛ الأولوية للحياة والعالم وليس للأفراد، وهذا وعي يفرض علينا السعي للتحرر من أوهام التمثل التي تعكس الصورة وتجعلنا نفكر وكأن العالم هو المنتمي للإنسان. بهذا المعنى ستصير الصفة التي أشرت إليها vitalisme صفة خاصة بالفلسفة التي تدعونا لأن نتجاوز هذا الوهم، لننفتح على الحياة في مطلقها خارج شرانق التمثل السخيفة. هذا هو الموقف الحيوي عموما، وهو موقف كان دائما موجودا في تاريخ الفكر، لكنه ظل دائما ثانويا ومغمورا بسبب الحضور الكاسح للمثالية على اختلاف أشكالها.
فلسفة نيتشه تعد المطوية الأهم في فكر جيل دولوز، وفي فلسفات معاصرة عديدة، هل يمكننا أن نقول إن كل هذه الفلسفات ماهي إلى فلسفة نيتشه متخذة لسرعات مختلفة؟
سُئل هايدغر مرة، لماذا لا تذكر فرويد ولا مرة في نصوصك، رغم أنك قارئ نهم لفرويد؟ ولم لا تذكر ماركس إلا لماما، في حين أنك كتبت كتابا ضخما من جزأين حول نيتشه ؟ جواب هايدغر كان هو: “لأن كل ما يمكن أن يعلّمني إياه فرويد أوماركس موجود عند نيتشه”. نيتشه فيلسوف كبير ، ويمكن أن نقول دون مجازفة بأن القرن العشرين لم يكن إلا بسطا لما عرضه مطويا هذا المفكر، فحتى الفلسفات التي مجّته ورفضته كانت تجد نفسها مضطرة للعمل إزاءه وبالقياس إليه؛ قوة نيتشه تأتي من كونه كان رجل حدوس، كان فيلسوفا يتفلسف ب“خياشيمه”،philosopher par les narines، فيلسوف “يتشمّم الآفات” كما يقول؛ فيلسوف يستشعر أمورا كبيرة وهائلة فيعبّر عنها في صورة حدس أوشذرة بشكل برقي خاطف، وبسط تلك الشذرة أوبيانها كان يحتاج ردحا طويلا من الزمان، لهذا فكل الفلاسفة الكبار المعاصرين استحضروا نيتشه، وضمنهم دولوز في الستينيات، ولعل من أدل الأمور هنا أن الملتقى الوحيد الذي نظّمه دولوز في حياته كان حول نيتشه، في وقت كانت النيتشوية توسم فيه بكل النعوت البشعة. لكن نيتشه لم يكن الرافد الأوحد، فهناك سبينوزا، سبينوزا الذي كان “قلبه وعقله” كما يقول، فالأساس العميق لدولوزهو سبينوزا، لهذا فهوالفيلسوفين معا، وأنا شخصيا صرت سبينوزيا عبر دولوز، فالمرء لا يخرج سالما من لوثة سبينوزية بعد قراءة دولوز، دولوز كان سبينوزيا تماما كما كان عليه الأمر مع إنشتين وكافاييس.
في ظل القصور النظري الحاد الذي نعانيه في العالم العربي، قصور يجعلنا أمام أصوات تصدح بنبوءاتها الرسولية الممتلئة باليقينيات، وشعارات الخلاص «الثورة هي الحل – الاسلام هوالحل – العَلمانية هي الحل…»، ما الذي يمكن أن تقدمه لنا فلسفة جيل دولوز للحد من هذا الهُياج الجماعي؟
المسافة الساخرة والنسبية التي تحررك من اليقينيات، الفسحة والسعة التي تجعلك تستنشق هواء الحرية بعيدا عن البلاهة والبلادة والحمق la bêtise، فنحن نحيا عصرا ضحلا، عصرا مقززا، ولست هنا بصدد امتداح ماض أسطوري مفترض ولا مستقبل ساذج موعود، قد تكون الأزمنة كلها هكذا وقد تكون البلاهة جوهر التجربة الوجودية للإنسان لست أدري، ولكن الأكيد أن فكرا مثل هذا يفتح أمامك نوافذ نحوالأرقى، نحو الحياة، فتجعل من جسمك الضئيل فرصة للتفكير في شيء يتجاوزك، فرصة لأن تفهم؛ أن تفهم مثلا أن السياسة ليست هي الأحزاب أوالمؤسسات، وأن النضال ليس شعارا أووظيفة، لأن إرادة الحياة ليست هي إرادة السلطة، فالسلطة دائما حزينة لأنها تجعلك في وضع ارتكاسي، فلا تحيا وتعمل إلا قياسا لثنائية “تابع ومتبوع”؛ عبد وسيد. لكن التجرد من هذا الأمر بالطبع لا يعني التجرد من السؤال العضوي أوالعمومي كما قد يفهم، بل معناه أن كيفية طرح هذا السؤال تتغير، فالسياسة الحق هي سياسة “جزيئية”، فحين يصير العنف والبلاهة والحزن هي الخصم لا تصير السياسة إلا “تجليا” لهذه العناصر وليست أصلا لها، هنا يلزم أن تصير المقاومة جزيئية أيضا، أي عملا مستمرا من أجل الحياة وضد مؤسسات الحزن والموت. الحياة والمقاومة تصير قائمة مثلا في تنبهك لمعادلة رياضية كيف تحل، ولقطعة موسيقية كيف تعزف، وللحظة متفردة من الوقت كيف تمر : “الساعة الخامسة قبيل الأصيل” (التي كتب عنها لوركا )، الحياة تصير نظرا إلى كل هذا الذي يحدث بمسافة وبماكروسكوب “تراجيدي ضاحك” يقيس الحياة بمنظار يجعلك تفكر في الذات ك“آخر”، وتنظر لجسمك كمعبر وحدث ظرفي وليس كجوهر ومنطلق، فوحدهم الأغبياء ينظرون إلى أنفسهم ك“جواهر” وأصول و“ماهيات”. ها أنت ترى أن دولوز هو فيلسوف بالمعنى القديم، هو معلم حكمة، هو شخص تتعلّم منه كيف تحيا وكيف تموت، بعيدا عن غرائز القطعان الراغية والثاغية أوسجون الأنا المنغلق؛ دولوز يمدك بالمسافة؛ فالمسافة التي يقضي كثير من الناس العمر حتى يبلغوها كنتيجة في النهاية، يقدمها لك دولوز باعتبارها منطلقا وبداية.
