مقدّمة كتاب فرحات حشّاد
المقدّمــــــــة العـــامّة
لم تساورني فكرة الكتابة عن الزّعيم فرحات حشّاد ولم أكن أتصوّر يوما إنّي سأتناول مساره بالبحث رغم إنّي درّست مسائل التّاريخ النقابي والقيادات العمّالية التونسي لطلبتي بصفة دوريّة وخلال عدّة سنوات .
كان اختصاصي في التاريخ الاجتماعي التّونسي “يلهيني” نسبيّا عن مثل هذه المسائل البحثية وها أنا أكتب عن حشّاد وأنفذ إلى تاريخه من زاوية “الاجتماعي” ومن نافذة التأمّل في علاقة القيادة والكاريزما بالنّشأة الاجتماعيّة.
ظللت أطرح على نفسي عدّة مرّات عند التفكير في حالة فرحات حشّاد ونجاحه في توحيد النّقابات التونسيّة المستقلّة وتزعّم المنظمة العماليّة بل الحركة الوطنيّة في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. كيف تمكّن ابن الصيّادين الفقراء وابن العبّاسية تلك القرية النّائية بجزيرة قرقنة من العبور نحو القيادة والزّعامة؟
كيف تحوّل- والسّؤال ينسحب أيضا على عديد النّقابيين والسّاسة التونسيين- الإنسان العادي إلى إنسان استثنائي؟
هل بواسطة التعليم؟ أم بواسطة التضامنات المحليّة المتينة أم بواسطة العطاء النضالي المتواصل أم باجتماع تلك الأسباب وغيـــرها؟
عادة ما يُفسّر الترقي الاجتماعي والثّقافي في تونس خلال العهد الاستعماري بالجانب الطبقي (التراتبية الاجتماعية والثروة) أو الثقافي (التعليم والشهادات). وفي حالة فرحات حشاد لم يكن التفسير هيّنا فهل كانت بيئة حشّاد استثنائيّة حتّى تنجب هذا الرّجل الاستثنائي؟
من هنا كان المنطلق وكان التّساؤل والتّفكير.
ولاحظت في السّنوات الأخيرة أن العديد من غير المختصين خاضوا في تاريخ حشاد في غمار ما يعرف “بأعراس الذاكرة”[1]. هذه الأعراس التي عادة ما تجمع على نفس المائدة أهل المعرفة والاختصاص وما دونهم بكثير.
كان شريط اغتيال فرحات حشاد الذي بثّته قناة الجزيرة في شهر ديسمبر 2009 شريطا ناجحا من الوجهة الحرفية ونال استحسان الجمهور الواسع لكنّه في واقع الأمر أذهل عديد المختصين والباحثين في تاريخ تونس المعاصر بسبب تغييب عدّة أكاديميّين مختصّين عنه وسأكتفي على الأقل بذكر ثلاثة أسماء هم الأساتذة: مصطفى كريم، عبد السلام بن حميدة وعلي المحجوبي؛ وأيضا بسبب تغييب عدّة شهادات عينية على رأسها شهادة نجل الشهيد نور الدّين حشاد وهو في الأصل باحث في التاريخ وله رصيد وثائقي نادر يضم أكثر من خمسة آلاف وثيقة وكذلك بعض النقابيين الذي عرفوا مع حشاد مدامك النّضال وحرقة المكابدة.
لقد تبادرت إلى ذهني فكرة تقديم هذا العمل حول فرحات حشاد ولم تكن المكتبة التاريخيّة خاوية من الدّراسات حول هذه الشخصيّة النقابيّة الرياديّة.
ليست مهمّة المؤرّخ كتابة “مناقب” الزّعماء، هذا دور لا يشغل بال الأكاديميين وهو اختصاص له روّاده في كل عصر وأوان.
لا يحتاج أمثال فرحات حشاد إلى كتابات ملحميّة ولا إلى “عكاضيات” ومقاربات “سيريّة” مدحيّة لأنّ تاريخه الرّمزي وما اختزلته الذّاكرة الجماعيّة حول نضالاته وأفكاره ومبادئه حصّنه إزاء كل استنقاص أو إهمال أو تناسي.
ليس من اليسير العودة للتأليف والتفكير والمطارحة حول تاريخ فرحات حشاد النّضالي والنّقابي خصوصا بعد مجموعة البحوث الرائدة والتأسيسية والتي أنجزها أكاديميون مشهود لهم بالتألق والاختصاص وطول النفس ونذكر في هذا الصدد خاصة أعمال الأستاذين مصطفى كريم وعبد السلام بن حميدة.
إن الدّراسات التي تناولت تاريخ الزّعيم فرحات حشاد ليست قليلة فقد أُنجزتْ عدّة بحوث جامعية أكاديمية وأُلفتْ عدّة كتب من قبل النقابيين والمؤرخين الهواة والصحفيين بأكثر من لغة كما أُقيمت الندوات والملتقيات العلمية في أكثر من مناسبة.
إن شخصية حشاد الاستثنائية والكاريزمية وإنجازاته في سبيل الوطن وتضحياته من أجل الطبقة العاملة كانت مصدر إلهام واستحثاث لهذا السيل من البحوث.
غير أن المكتبة النقابية والثقافية في تونس والبلاد العربية لازالت في حاجة إلى مزيد تسليط الأضواء على التاريخ النضالي لمؤسّس الاتحاد العام التونسي للشغل ولأحد أبرز زعماء الحركة الوطنيّة في النّصف الثاني من الأربعينات ومطلع الخمسينات.
إن ما يخوّل هذه الدّراسة مكانتها ضمن المنتوج الفكري الموجود هو رغبتها في التّركيز على أمرين هامين من مسيرة حشاد “الشاهد والشهيد”:
أوّلا : أفكار حشّاد وآراؤه:
وذلك بمحاولة الاقتراب قدر الإمكان من خطابات فرحات حشاد ومقالاته الصحفيّة وبتقديم نزر هام وأصلي ممّا قاله وحبّره في الصّحف والمحافل والاجتماعات وذلك لتيسير نفاذ القارئ إلى آرائه وأفكاره دون واسطة ولا وسيط ودون” أدْلجة” أو توجيه وهي مادة يمكن أن يستفيد منها العمال والطلبة والمدرسين المهتمين بالتاريخ النقابي والتثقيف العمالي.
ثانيا: إعادة قراءة للمنعطفات الهامّة في حياة حشّاد وتركيبها:
وخاصّة تدقيق التأمّل التّاريخي في عمليّة الاغتيال وما رافقها من ملابسات غامضة وطمس لجريمة لا زال مرتكبوها يتبجحون بها في حين أنها ظلت بلا عقاب بعد أكثر من نصف قرن، كذلك علاقة الزّعيم حشاد بالمشهد النقابي الوطني والمغاربي والعالمي وعلاقته بالسّاحة السياسيّة الوطنيّة وخاصة الحزب الحرّ الدستوري الجديد وزعيميه التاريخييْن الحبيب بورقيبه وصالح بن يوسف وعلاقته بالقصر الحسيني وخاصة بالباي المنصف ومحمد الأمين باي وهي علاقات اكتنفها الوضوح حينا والغموض أحيانا بسبب ندرة الوثائق والتهافت على الإثارة عند البعض وما روجته المخابرات والصّحف الفرنسيّة من إشاعات واتّهامات وهميّة لأبعاد شبهة الجريمة عن مرتكبيها الحقيقيين.
وتحاول هذه الدّراسة أن تتصدّى إلى مسيرة فرحات حشاد منذ نشأته بقرية العباسيّة في جزيرة قرقنة سنة 1914 إلى تاريخ اغتياله في طريق رادس ذات 5 ديسمبر 1952 مركزة على محاولة فهم ظروف رئاسة حشاد للقيادة النقابية ورسوخ فكرة التنظّم الجماعي لديه وأسباب رسوخ الأداء الكاريزمي الذي مكّنه من نحت بصماته في تاريخ تونس المعاصر لا فقط في واجهة النضال الاجتماعي والطبقي بل أيضا وخاصة في معمعان النضال الوطني ضدّ الاستعمار والامبريالية في فترة حالكة وغاشمة.
هذا وقد حاولنا قدر الإمكان تحاشي الخوض في بعض المسائل التي أصبحت اليوم “ممجوجة” بحكم اتفاق الجميع على مفاصلها الرئيسيّة وتخيرنا أن نقدم قراءة “جديدة” أو قابلة للتجدد بحكم موقعها الإشكالي لا في مسيرة حشاد بل في النظرة التأصيلية والعقلانية لتاريخ تونس المعاصر.
ولأننا لسنا من هواة كتابة الملاحم والمناقب ولأننا نقرأ التاريخ من منظور نسبي فإنّنا نعتقد أن الفاعل الاستثنائي مهما كانت قدرته الكاريزميّة لا يمكنه الفعل إلا في إطار جماعي وموضوعي.
لا يمكن التعرّض إلى مسيرة فرحات حشّاد في سياق وردي انتقائي، هذا ليس دور المؤرخ، لا بدّ من استفزاز الذّاكرة ومحاربة الاجترار.
هناك في الواقع البعض من نقاط الاستفهام التي رافقت مسيرة فرحات حشّاد النقابيّة مثل الانضمام للكنفيدرالية العامّة للشغل في ظرف وُجدت فيه نقابة تونسية مستقلة (جامعة عموم العملة التونسية الثانية) فلماذا تجاهل التنظيم النقابي المستقل التونسي سنة 1937 ورفض دعوة بلقاسم القناوي للالتحاق بجامعة عموم العملة ثم قام سنة 1944 بالرهان على الانسلاخ من الكنفدرالية العامة للشغل والدّعوة لإحياء تجربة محمد علي الحامي؟
ما الذي يفسر شدّة حماسه للانضمام للجامعة النقابية العالميــّــــة FSM ثم المسارعة بالانسلاخ عنها والانضمام للسيزل (الكنفدرالية العالمية للنقابات الحرة)؟
ما حقيقة علاقة فرحات حشاد بالولايات المتحدة الأمريكية وهي تهمة أصر على نعته بها غلاة المتفوقين الفرنسيين؟
لماذا لم يَقمْ بحماية نفسه وتغيير مقر الإقامة وتكثيف الحراسة رغم التّهديدات المتكرّرة له بالاغتيال. هل هو إصرار على الاستشهاد؟
[1] – مثال ذلك ما ورد بقناة تلفزية تونسية ( نحتفظ بذكر اسمها تجنبا للتشهير) ” ففي سنة ستة وثلاثين و تسعمائة و ألف (1936) أسهَمَ (حشاد) في المجال النقابي داخل الكنفدرالية للشغل ( كذا) التي كانت آنذاك بزعامة صالح بن يسف ( كذا) و ناضل بنشاط وسط هذه النقابة بود و اخلاص و تفان و احترام كبير لبقية زملائه و لقد كان من ثمرات هذا المسار و النشاط الفعلي من أجل خدمة الصالح تأسيسه لاتحاد النقابات بتونس سنة ستة و أربعين و تسعمائة و ألف (1946) و عندما أراد حشاد تأسيس هذه المنظمة و لكي يكتسب (كذا) هذه المنظمة طابع الاتحاد و التعاون نادى مجموعة من الشيوخ لحضور التأسيس و من أبرزهم العالم محمد بن عاشور ( كذا) الذي تولى الرئاسة الشرفية …”
هي أخطاء فادحة فما دخل صالح بن يوسف في النقابة و في الكنفرالية العامة للشغل (الس.ج .ت) التي لم يقع حتى نطق اسمها صحيحا و لا وجود لمحمد بن عاشور هو الشيخ محمد الفاضل بن عاشور لأننا عندما نقول محمد بن عاشور يمكن أن يقع الخلط مع والده محمد الطاهر بن عاشور أو مع غيره من حاملي أسماء التحميد في تلك الأسرة أو غيرها …
