شكري بلعيد: “أحبّهم ليش خلّوني ومن على جسر المسيّب… سيّبوني”

“حيّاك بابا حيّاك”: أغنية معروفة ازدادت شهرتها بعد استشهاد شكري بلعيد خاصة أنّه ترنّم بها على الشاشة وتحدّث عن ذكرياته في العراق وفي جسر المسيّب والمعلوم أنّ أحد أجزاء الأغنية يقول فيه الناّظم: “من على جسر المسيّب سيّبوني”
عُقدة الأغنية في البلاغة والتبليغ “التسييب من المسيّب” والحكمة المأثورة تتحدّث عن الغدر
والخيانة والغيلة (هاذول اللّي عذّبوني هاذول اللّي مرمروني).
تلخّص المرويّة الشعبيّة حكاية جسر المسيّب الذي بُنى فوق نهر الفرات للرّبط بين ضفّتي مدينة المسيّب وطريق كربلاء بغداد.
المسيّب من الأماكن المشهورة والتي خلّدتها الذّاكرة الشعبيّة في العراق فقد تمّ بناء الجسر الخشبي في العهد العثماني وتحديدا سنة 1824 في ولاية داود باشا ثمّ أعيد بناؤه ( بالإسمنت والحديد) وتجديده سنة 1937 في عهد الملك غازي وقد تمّ قصفه من قبل الأمريكان سنة 2003.

تأتّت شهرة الجسر من عبقريّة المكان، خاصّة من هشاشة الأخشاب التي كانت تخلّف الكوارث البشريّة من حين لآخر فنُسجت حولها الحَكَايا أبرزها الرواية الشعبيّة الشهيرة والمتواترة في ركام الفلكلور العراقي الزاخر والقصّة هي تراجيديا حقيقيّة تقول بهبوب عاصفة شديدة هزّت أركان الجسر الخشبي وسقط العابرون في النهر ومن ضمنهم عريس فاز بالنجاة سباحةً في حين قضت عروسه وجرفتها المياه فبكاها زوجها وحبيبها بحرقة وقال ملتاعا ما قال:

” أنا أحبهم ليش خلّوني
على جسر المسيّب سيّبوني
هلي وأحبابي سيّبوني”

واشتهرت الرّواية وتحوّلت إلى زجل وأضاف إليها المردّدون والقوالون ما أضافوا وبصمها ناظم الغزالي بروعة صوته قبل أن يُقتل غدرا، وعرّج عليها الرّاحل شكري بلعيد في برنامج تلفزي، فتحوّلت بعد استشهاده إلى أغنية رمزيّة تكريما لروحه وشخصيّته المتعدّدة التي جمعت بين الثّورة والفكر والإبداع.
يتمّ اليوم تقاسم الأغنية على الشّبكة الاجتماعيّة وتوزيعها وترديدها، وكثر الطلب عليها في محلّات بيع الأشرطة والأقراص… وفاءً لشكري.
يجتمع التّونسيون على أشياء عديدة دون اتّفاق. هكذا هم أو هذا سرّهم الدّفين الذي لم يفهمه الوافدون على الخضراء والمصرّون على إضافة التان لتونس. يفرح التّونسيون عندما يسجّل المنتخب هدفا باليد أو بالرّجل، ويبكون شكري بلوعة في الجلاز ومن الغد يترنّمون بالأغنية ويكرّرون الاستماع إليها نكالة وحزنا وتحديا… تعذيبا للقاتل والمخطّط والمنفّذ والمحرّض. ستبقى هذه الأغنية تصمّ الآذان وتدقّ ناقوس النسيان.
في الأغنية ما يحكي تاريخ شكري بلعيد فقد أحب تونس وأعطاها من دمه وعرقه وحنجرته ولكن حقد الحاقدين ومكرهم ناله وهو في عز العطاء والبذل يدافع عن الحرية والكرامة والديمقراطية بعد أن حاولوا النيل من شرفه النضالي وصدق وطنيته…
كنت مارا في موكب الشّهيد أنظر إلى الجموع الهائلة كنت أجادل رفاقا لي حول تقدير عدد الحشد واستعرض ما تعّلمته في كيفية تقدير الجموع في المسيرات لمحت النّساء والشّباب والشيوخ فوق الجسر القريب من معمل الإسمنت… وعرفت أنّ الغالبيّة خجلت وندمت ووجلت لأنّها لم تؤازر شكري وتحميه… عندما هدّدوه و”مرمروه وعذّبوه”.
من تقاليد المسيّب أيضا أنّ من يموت يقول إنّه “عبّروه الجسر” لأنّ المعزّين ينتظرون في الجانب المقابل للنّهر فالجسر الخشبيّ كان لا يتحمّل الثّقل…
عبر شكري بلعيد الجسر بمليونيّة ونصف وبأنهار من الدموع…
ترك للشعب: البسمة… وحب البلاد في الأيام الزوجيّة والفردية… وجسرا للعبور…
إلى الربيع .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This