الرقابة الإيرانية تمنع ترجمة أهم الروايات العربية / أوس يعقوب
عظيم طهماسبي من أبرز المترجمين الإيرانيين الذين نقلوا من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية مجموعة من الروايات والدراسات الأدبية. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من “جامعة أصفهان” عام 2015.
يعمل طهماسبي منذ عشر سنوات كباحث ومحرر في (مركز دائرة معارف العالم الإسلامي) في (قسم اللغة العربية وآدابها) في طهران، ويتولّى فيه مسؤولية (فرع الأدب العربي الحديث والمعاصر)، وهو من محرري موسوعة «دائرة معارف العالم الإسلامي»، الصادرة عن المركز.
في رصيده من الترجمات إلى الفارسية، روايات «ساق البامبو» للكويتي سعود السنعوسي، و«دنيازاد» للمصرية – الكندية مي تلمساني، و«شوق الدراويش» للسوداني حمور زیادة، و«ثلاث خطوات إلى المشنقة» للكردي – السوري المقيم في ألمانيا جان دوست. كما ترجم المجلد الأوّل من كتاب «الرواية العربية: ببلوغرافيا ومدخل نقدي (1886-1995)» لمؤلّفه حمدي السکّوت، و«الحوار الأخير لإدوارد سعيد» 2002، إضافة إلى مسرحية «مصير الصرصار» لتوفيق الحكيم. وهو يترقّب صدور كتابه «الرواية العربية والنظرية ما بعد الكولونيالية»، عن دار “الكتب خان للنشر والتوزیع” في مصر. ويعمل حاليًا على تأليف كتاب باللغة الفارسية يحمل عنوان: «دراسة عن كتابة تاريخ الأدب العربي»، الذي سيصدر عن دار نشر “سمت” الإيرانية.
هنا حوار معه:
(*) كيف تفضّل تعريف نفسك لقراء “ضفة ثالثة”؟
ـ الإجابة عن السؤال تنطوي علی إشکالیة قد تعود إليّ بما أنني لم أعرف نفسي معرفة حقیقیة. من الأفضل أن أتحدث عن شهاداتي الجامعیة، وانشغالاتي وبعض هوایاتي. أنا قبل عشرین عامًا دخلت جامعة طهران واخترتُ الدراسة في فرع اللغة العربية وآدابها وبعد حصولي على شهادة البکالوریس نلت شهادة الماجستیر من “جامعة الخوارزمي” في طهران، ثمّ التحقتُ بـ “جامعة أصفهان” وفيها درستُ الفرع نفسه إلی أن ناقشتُ أطروحتي التي تحمل عنوان: “دراسة ومقارنة روایة «خارطة الحب» لأهداف سویف و«قطعة من أوروبا» لرضوی عاشور علی ضوء النظریة ما بعد الکولونیالیة” في 2015. ومنذ عشر سنوات أعمل کعضو علمي في (مرکز دائرة معارف العالم الإسلامي) في (قسم اللغة العربیة وآدابها)، وأتولّى مسؤولیة (فرع الأدب العربي الحدیث والمعاصر). وحتی الآن دبّجت أکثر من عشرین مقالًا وقمت بالتحکیم والتقییم وإعادة الکتابة لعشرات المقالات أیضًا. إلی جانب عملي الرئیسي في البحث والتدريس في مجال اختصاصي، كما أنني أترجم بین الحین والآخر من العربیة إلی الفارسیة.
في حبّ الأدب والخيال
(*) ما الذي حملك إلى عوالم الأدب والكتابة؟ ومن ثمّ إلى الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية؟
ـ بالعودة إلى زمن طفولتي كنتُ أجدني أميل إلى الخيال والأدب. حین کنت طفلًا کان یقصّ لي جدّي (من الأب) قصص “رستم”، من أبطال «الشاهنامه»، ويثير في نفسي الشوق إلی بطولات “رستم” ومغامراته، كما كان جدي یحدّثني دائمًا عن بطولاته الشخصیة وقوّته الجسدیة الفائقة التي ضُرب بها المثل بین الأقرباء، وصرتُ في مثل هذه الأجواء البطولیة أتخیّل نفسي كأحد أبطال «الشاهنامه»، وكنتُ أفترض نفسي كبطل ورث عن جدّه القوّة الجسدية… وأتذكر جیدًا أنني کنتُ أتحدث کثیرًا مع نفسي جهارًا وهذا ما أدّى إلى إثارة القلق في نفس والديّ حیث كانا یفکران بأنني لا أتصرّف بشکل طبیعيّ. أظن أنّ تصرفاتي هذه تحکي بنوع ما عمّا کنتُ أکِنّ في نفسي من الحبّ للأدب والخيال.
بصراحة أنا لم أحبّ اللغة العربیة حین کنتُ تلمیذًا في المدرسة الإعدادیة لأنّ قواعد اللغة العربیة بالنسبة إليّ کانت صعبة جدًا. لکنني في مرحلة الثانویة وبعد اهتمامي البالغ بقراءة الأدب العربي وقواعد اللغة بدأتُ أعرف وأتعلّم النحو والصرف وهذا ما جعلني أحبّ اللغة العربیة، فضلًا عن ذلك خلال عامي 1990 و2000 کنتُ أهوى مشاهدة القنوات التلفزیونیة لبلدان عربیة مثل العراق والكویت والأردن. لقد كنّا نحن سكان المناطق الحدودیّة بین إیران والعراق نتمكن في بعض الأيام من مشاهدة تلك القنوات التلفزیونیة، قبل وجود أطباق طبق استقبال الأقمار الصناعیة. کنتُ، أيامها، أتابع مشاهدة الأخبار العربیة وبعض الأفلام والمسلسلات الخاصّة بالأطفال والكبار، إضافة للأغنیات العربیة دون أن أفهم معاني الکلمات إلّا القليل منها، ربما كل هذه العوامل إلى جانب معرفتي الکبیرة - بالمقارنة إلى زملائي في المدرسة- بالدروس العربیة وقواعدها النحویة دفعتني فیما بعد إلی اختیار اللغة العربیة وآدابها للدراسة في الجامعة، وعلى مرّ الزمن انجذبتُ إلی الأدب العربي المعاصر والحدیث شیئًا فشیئًا فنهلت من معینه کثیرًا.
“لا تختلف علاقة المثقّف في بلدي بالسلطة اختلافًا واضحًا
عن علاقة المثقّف في البلدان العربیة بالسلطة السیاسیة”
بدایة وقعتُ في سحر أعمال کل من جبران خلیل جبران، وإیلیا أبو ماضي، ولطفي المنفلوطي، ونزار قباني وبعد ذلک تعرّفت على أشعار السیّاب، والبیاتي، وأدونیس وغیرهم من الشعراء المعاصرین، وکانت ترجح کفة الروایة العربیة علی کفة الشعر أحیانًا، ولفتت روایات عبد الرحمن منیف اهتمامي بشکل ملحوظ. وفي هذه المرحلة قرأت عددًا من مسرحیات توفیق الحکیم مثل «الأیدي الناعمة» و«مصیر الصرصار» وبادرت بترجمة الأخیرة إلی الفارسیة في عام 2006، وصدرت المسرحیة بنسختها الفارسیة بعد أربع أو خمس سنوات من إنهاء الترجمة وهذا مفتتح عملي الحقیقي في مجال الترجمة.
(*) ما هي المؤثرات التي ساهمت في تكوينك الأدبي؟ وما هي الكتب المكوّنة لثقافتك في مرحلة البدايات؟
ـ أنا مثل العدید من أبناء بلادي في مقاطعة عیلام (إیلام) بجنوب غرب إیران، ترعرعتُ في أحضان الطبیعة بإحدی قراها ومنذ نعومة أظفاري اتّصلت اتّصالًا وثیقًا بالطبیعة المحیطة بي، والتي تتکون من السهول والودیان، والجبال الشاهقة، والأنهار والجداول، والعیون، والهضاب، وأشجار التوت، وحقول القمح التي تفرش أمامنا في الفصول المختلفة بسطاتٍ متلوّنة، کل ذلك تواکبه موسیقی هبوب النسائم والریاح، وزقزقة العصافیر صباح مساء، وأصوات الحشرات في اللیالي الداکنة السوداء أو في اللیالي المقمرة. لا شكّ أنّ هذه البیئة أثّرت علی تکویني النفسي وأخصبت خیالي.
یسکن في باطني شاعرٌ لا أسمح له بالخروج عادة وقد یتمرّد عليّ فیظهر بین الحین والآخر. لا أخفي بأنني نظمتُ قصائد باللغتین العربیة والفارسیة واختيرت منها ثلاث قصائد نشرت ضمن کتاب «دیوان الشعر العربي في إیران»، الذي أعدّه وقدّم له الأستاذ سمیر أرشدي (الکویت، 2014، مؤسّسة جائزة عبد العزیز البابطین للإبداع الشعري).
دائمًا کنتُ أسمع حکایات معارفي وسکان بلدتي عن العالم الغرائبي الذي یسکن فیه الجن، وکنتُ أصدّق مثل هذه القصص الغریبة المنتشرة في العدید من القرى بأنحاء العالم.
الحیاة في هذه البیئة رغم صعوباتها العدیدة والمعاناة التي عشناها في زمن الحرب الإیرانیة – العراقیة کانت تکشف لنا عن رؤیة شعریة إلی الأمور، کما کانت ثریّة جدًا بعاداتها وتقالیدها وعالمها الذي یتسم بواقعیة سحریة… فضلًا عن ذلك – کما ذکرتُ آنفًا – کان یسرد لي جدي في مرحلة الطفولة بعض قصص «الشاهنامه» وهو ینظم أبیاتًا ساخرة من تلقاء نفسه أیضًا.
بعد بضع سنوات من دخولي المدرسة کنتُ أرجع إلى غزلیات حافظ الشیرازي- من دیوانه القدیم في بیت جدي- دون أن أعرف معاني الأبیات بشکل صحیح.
وقبل الحدیث عن الکتب المکوّنة لثقافتي یجب القول إنني رغم إصرار والديّ لم أکن أهتمّ بالدروس الرسمیة في المدرسة حتی سنّ الـ 14 من عمري، ومن ثمّ نمّا فيّ الرغبة بقراءة الدروس والاهتمام بها شیئا فشیئًا. وأهم الکتب المؤثّرة على نفسیتي في تلك الفترة هي مختارات من تفاسیر القرآن الکریم والحدیث النبوي ومنتخبات من کلمات القصار لنهج البلاغة، كما تأثرت جدًا بالقرآن الکریم بشکل واضح حیث رحتُ أفکّر کثیرًا في مفهوم الخلق والخالق، والحیاة الأخری، والجنة والنار.. ولا أنسی تلك اللیالي الصیفیة حین کنتُ أبسط فراشي علی سطح البیت وأنظر إلی السماء الصافية والأنجم المتناثرة فیها وأفکر کثیرًا في الحیاة ومعناها، وأطیر بجناح الخیال إلی مستقبل حیاتي الروحیة والعلمیة.
تمکّن المترجم من لغة المبدأ والمقصد
(*) ماذا عن الروايات العربية المعاصرة التي عملت على نقلها إلى الفارسية؟ وتاليًا ما الذي يُحدد اختياراتك للروايات التي تترجمها؟
ـ نقلتُ إلى الفارسیة بالمشارکة، روایة «ساق البامبو» للروائي الکویتي سعود السنعوسي، وحسب اطّلاعي رحّب بها القراء الإیرانیون وأعید طبعها قبل عام. وأذكر أنها لم تمکث في إدارة الرقابة في طهران أكثر من ثلاثة إلى أربعة أشهر، لذا كان صدور النسخة الفارسية قبل ثلاثة أشهر من صدور نسختها الإنكلیزیة.
أما الروایات الأخری فهي کالتالي: «دنیازاد» للروائیة المصریة – الکندیة مي تلمساني، «شوق الدرویش» للسوداني حمور زیادة، وروایة «ثلاث خطوات إلى المشنقة» للروائي الکردي- السوري المقیم بألمانیا جان دوست.
عن ضفة ثالثة
