علوية صبح تنبش عن الحياة داخل الجسد / دارين حوماني

في رواية “مريم الحكايا” تكتب علوية صبح “أريد قبل أن أشتري السمك، أن أراه بعينيَّ في الماء”، ومن هنا يمكن الاقتراب من أعمال هذه الروائية الحائزة على جائزة العويس الثقافية (2019)، فالتخييل في العمل الروائي بنظرها يستند إلى واقع اجتماعي حقيقي، ومن هنا أيضًا تنطلق روايتها الجديدة “أن تعشق الحياة” (دار الآداب، 2020) التي تذوّب عظام القتلى والمخطوفين الذين دفنوا أحياء واستغاثات نساء من عالمنا العربي؛ قصص لا تشبه عنوان الرواية لكنها تُمسك به بقوة كي تُشفى من حكاياها.

تبدأ صبح من يوميات المنفى في الوطن، الخاصة بها، ثم تختفي لتصير “شفافة مثل البلورة” ولتظهر مكانها كائنات معذّبة في عالم مفكّك ومريض بفعل الحروب المرعبة وتيه الأصوليين. نحن أمام كتابات واقعية تذكّرنا بلوحات أندريه- هنري دارجيلاس لكن ثمة فارقًا بينهما، أنه كان ينقل جمال الواقع وبساطته كما هو، أما صبح فتنقل لنا عذابات من هم فوق التراب وتحت التراب وهي تضيء عتماتهم بجمالية سردية متواصلة حتى آخر سطر في الرواية.
“ضعي أذنك على الأرض وستسمعين حكايتك”، لعلوية صبح مقدرة على الحكي المتوالد، لا تفلت منها انكساراتنا وهزائمنا الذاتية، “أشعر بجوع للحكي، نحن نولد من الحكايا، الحكايا أمهاتنا يا بسمة”.
بسمة هي الراوية بصيغة الأنا، توجّه كلامها إلى حبيبها الافتراضي، فهما لم يلتقيا إلا عبر وسائل الاتصال الإلكترونية؛ تقف علوية صبح في الظل وهي تحكي، لكن جسد الراوية هو نفسه جسد صبح، وهو نفسه جسد عالم عربي يحتاج إلى منقذ كالطبيب المعالج الذي تهديه صبح روايتها وتخصّص له مساحة داخلها. ثمة تماهٍ بين خراب الجسد وانهياره وبين انهيار المدن العربية، ثمة تقابل بينهما “فمن قال إن حياتنا وأجسادنا ليست كحكايا مدننا؟”، وبلغة شعرية متحرّرة من الأمكنة المحظورة ستحكي صبح أوجاعنا النفسية مجتمعة. تبدأ صبح بوجعها الجسدي المرتبط ارتباطًا وثيقًا بوحشيّة الحروب في مستهلّ الرواية “ما عدتُ أذكر شيئًا، أنا غير قادرة على سرد حكايتي في تسلسلها الزمني، إلى أين وصلتُ بالكلام.. أضغط على رسغي بيديّ باستمرار كما لو أنّي أريد ألا تنزلق من رأسي ذاكرتي بفعل الأدوية والمهدّئات”، هذا هو جسد علوية وهذه هي المدائن العربية، وهي تبرّر عبر عباراتها تلك أنها لا تكتب روايتها كرونولوجيًا بل تعمد إلى استذكار حدث ثم استرجاع آخر بسلاسة وحب، فندخل مناطقها السردية دون وحشة. لقد دخلنا معها حيث تحاول دفن تلك الآلام الجسدية والنفسية الناجمة عن مرضها العصبي عبر راويتها بسمة التي اختارتها أن تكون معلمة رقص، أما حبيبها فهو أحمد “الروائي” ثم زوجها يوسف “الرسام” قبل أن تلتقي بحبها الافتراضي حبيب. لدى بسمة صديقتان، أنيسة “الروائية” التي تكافح لأجل حضانة أولادها أمام محاكم شرعية شيعية ذكورية، وأمينة التي تمرّ صبح عبرها على أجساد نساء عازبات من العالم العربي غير متصالحات مع أجسادهنّ، خائفات من الله وفتاوى الجحيم يعشن عزلة الجسد وجحيم الأرض بفعل ذلك. هي رواية أجساد منهكة ومنهوبة بفعل جرعات متفاوتة من التطرّف الدينيّ والحروب.

الحروب العربية
تُفرغ “شهرزاد العالم العربي” مخزونها من قبح العالم وتواجه بشاعته بالجمال وبكسر التابوهات.. الديكتاتور، الحراك العربي، الإرهاب الداعشي، مشهديات الرعب والدم، إرضاع الكبير، جهاد النكاح، “يحق للرجل ممارسة الجنس مع زوجته الميتة”، “ذبح الكافر غير المسلم بطريقة تؤلمه”، ستتكرّر هذه المشاهد في الرواية وكأن جسد علوية صبح هو الذي يحكي ويذكّرنا بأن هذه الحروب وما سبقها من حروب هي مسبّبات أمراضنا؛ “أعتقد أن هناك أمراضًا نفسية نتيجة الحروب العربية ما زالت بلا أسماء.. بتنا كلنا مرضى، مستبدّين كنا أو مستبدًا بهم، قتلة أو ضحايا، مغتصِبين أو مغتصَبات، صامتين أو أبواقًا لمعتقداتنا المتحجّرة وهوياتنا المريضة”.
ستحكي صاحبة “دنيا” عن مجتمعاتنا من الداخل، تلك الأجزاء التي عمّرت طفولتها مع أم تنبّه ابنتها لكل التفاصيل “اكسري عتبة البيت كي تتخلصي من سوء طالعك.. قولي يخزي العين.. لا تطبخي كبة باللحمة أثناء الدورة الشهرية لأن اللبن سيفسد.. المشدّ حول الصدر كي لا يلفت أنظار الرجال.. ثقب الأنوثة الذي كانت أمي وجدّتي تخيفانني منه”؛ لبسمة أم قاسية تحبها في الليل، فلم تكن تشعر بالأمان إلا حين يلتصق جسدها الصغير بلحم والدتها “في تلك الليالي النادرة لم أكن أبوّل تحتي، كان التبوّل اللإرادي يرافقني، وكنت أخاف من أمي فلم يكن لديّ سوى كيلوتين بسبب الفقر، وحين أبلّلهما تحبسني في الغرفة”. ولبسمة أب حنون شجّعها على دراسة الرقص رغم فقره الشديد الذي كان يؤلم بسمة “كان الفقر يقضي على كل رغباتي”. والد بسمة يحب المسيحيين وينتقد الوصاية الفلسطينية على لبنان أيام الحرب الأهلية لكن مجزرة صبرا وشاتيلا أصابته بالبكم وبالحزن، ولم يعد ينتقد الفلسطينيين، وصار يميل إلى العزلة التي بلغ أقصاها بعد أن اخترقت قذيفة جدران البيت فأُصيب بشظايا كبيرة واضطر الطبيب إلى قطع ساقيه، سيؤلمه ذلك وسيؤلم الأم التي ستُرهق من حمله إلى الحمام، فلم تكن تحبه وكان كلما نام معها شعرت بالاغتصاب الزوجي وطلبت من ربها أن يُصاب بالعجز الجنسي كي لا يقترب منها. لا تحبه لأنه كان رقيقًا، وكانت رقّته تشير إلى ضعفه في نظرها؛ هي حكاية امرأة أخرى من بلادنا تسرّب إلى خلايا لاوعيها أن الرجولة تتجسّد بالعنف وأن تعنيفها من حق الرجل ويشير إلى قدرته على حمايتها. ستنقلنا صبح إلى مشهدية بصرية مؤلمة تحرّضنا على البكاء، تتسارع وتيرة القذائف فتهرع الأم كما كل سكان البناية للنزول إلى الملجأ لكنها تنكفئ عائدة إليه مع شحنة غضب كاملة، ستكون الأم وحيدة مع زوجها المُقعد بين أصوات القذائف القريبة من العمارة التي فرغت من سكانها المرعوبين، تحاول دفعه إلى الأرض فيتمسّك بالقضبان الحديدية للسرير، نحن أمام حقل لا متناهٍ من الغضب والفزع، تحمله إلى الحمام وتأخذ من برازه وتضعه في فمه “تاكل سمّ هاري، ولك شو بدّي أعمل تأخلص منك”.. لكن الأم ستنهار بكاءً وتندم بعد لحظات وستأكل من برازه وكأنها تعاقب نفسها. أيام قليلة وسيفضي هذا الحدث إلى انتحار الأب بقطع شرايين معصميه.. انتحار أشعر بسمة أنها تعرّضت للخديعة؛ “كم يخدعنا الأحباء حين يرحلون.. كيف لأب حنون وغير عنيف أن يمارس العنف على نفسه”.. تدخلنا علوية صبح معها في تحليل الطبقات الجوانية للمنتحر “شهوة النوم الأبدي.. الراحة.. الغياب.. هل كان أنانيًا للمرة الأولى في حياته؟”، لكنه كان فقط يفتش عن حياة أقل موتًا..
حكايات أخرى تستقرّ في حضن علوية صبح، ربما هي أوجاع أخرى تسردها لنا علّها تكفّ عن وخز قلبها. سنشعر وكأن السرد لا ينتهي مع علوية صبح التي تريد
أن تُفرغ مخزونها من تراجيديا الأوطان العربية. تحوّل صبح شخصيات قصصها
إلى كائنات كونية، تفحص هوياتهم وتدوّنها في فعل مضادّ للموت
انتحار الأب ليس وحده الانتحار الوحيد في الرواية، ثمة انتحار من نوع آخر، أنيسة متزوّجة من رجل يريد جسدها ويطمع بمدخولها المالي من دون أي مقابل عاطفي ومعنوي، ستحب موسى لكن خوفها من فعل “الزنا” منعها من ممارسة الحب معه، فهي تلتزم بأمر الله وتخشى إن خالفته أن تدفع ضريبة الخطيئة من صحة أحد أبنائها، وبقيت مع زوجها لأنها خافت من أن يحرمها الطلاق من ولديها “ففي شرع المذهب الشيعي يحق ّ للأب أن يأخذ من الأم الصبي في عمر السنتين والبنت حتى تصل إلى عمر السبع سنوات. ما هذا الظلم؟”. ستضيء صبح في حكايتها هذه على واقع مرير تتناسل منه أوجاع أمهات وأطفال في بقعة شيعية في لبنان، “يا بسمة لو بتشوفي النسوان المطلّقات كيف عم يبكوا بالمحكمة”. ستكتب صبح عن بصمة القاتل ولن تشفع له حين تسمع بسمة نائب الأمين العام لحزب الله يقول: “إن المطلقة لا يحقّ لها أن تربّي أولادها، أو أن تكون معلمة في مدرسة، فأي نموذج ستكون لهم”، إنها سردية من ذلك الذي يأتي إلينا بالواقع كما هو ويفضح لينتبه العالم وليؤلم لا ليحوم فقط فوق المكان. أما أمينة التي لم تتزوج وتحتفظ بعذريّتها، فحديثها الدائم عن حاجتها لرفيق، عن جوعها العاطفي الذي يربكها ولا تعرف كيف تشبعه فتشبعه بالشوكولا والتسوّق “جسدي يرشح عرقًا له نداء الجوع العاطفي.. كل جسدي صراخ.. له رائحة الوحدة.. أنا المرأة التي لا تريد أن تموت قبل أن يعرف جسدها ما تنتظره أجساد البشر من لقاء بالآخر”.

أوجاع أخرى
حكايات أخرى تستقرّ في حضن علوية صبح، ربما هي أوجاع أخرى تسردها لنا علّها تكفّ عن وخز قلبها. سنشعر وكأن السرد لا ينتهي مع صبح التي تريد أن تُفرغ مخزونها من تراجيديا الأوطان العربية. إنها تحوّل شخصيات قصصها إلى كائنات كونية، تفحص هوياتهم وتدوّنها في فعل مضادّ للموت. عيسى هو شخصية ثانوية في الرواية لكنه أحد هواجس الكاتبة التي تتواتر في داخلها، هو الذي كان طفلًا يعيش قرب مخيم النبطية للفلسطينيين، فَقَد أهله باكرًا، فعاش بحماية زعيم المخيّم أبو الغضب منذ طفولته “أنا بحب زعيمي كتير بس حوّلني لفأر”. التزم عيسى بخط التنظيم الفلسطيني اليساري الذي ينتمي إليه أبو الغضب وذلك كان قبل أن يكفر بالمنظّمات كلها وبنضال ما يُسمّى الحركة الوطنية. لجأ عيسى إلى مخيّم برج البراجنة مع زعيمه إثر الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في عام 1982، وعاش معه حتى مقتل الأخير أثناء حصار حركة أمل للمخيم في الثمانينيات. ستجسّد لنا صبح مشاعر تامة من الأنين الداخلي لكثيرين عايشوا تلك المرحلة على لسان عيسى الذي سيعتذر من فلسطين ومن الشهداء إثر نوبة بكاء ألمّت به “كنا نحاكم الخونة والعملاء ونطلق النار عليهم، كان لازم نحاكم أنفسنا بالأول، كلنا عملاء على بعضنا البعض، نحنا للي خسرنا فلسطين، تصرّفنا مثل أصحاب الدكاكين، كل زعيم صار يدافع عن فصيلته أو دكانه، ارتكبنا جرائم بحق بعضنا البعض، الفصائل الفلسطينية بلبنان ما خدمت القضية الفلسطينية، بالعكس ضرّتها، الصراعات، الاستفراد بالقرار ومركز السلطة والفساد وهدر الأموال وأشياء كثيرة صارت هي القضية”.
كائن آخر من عالم عربي يتنقّل بين قوارب الموت، هو نزار الذي شغف بزعيم فلسطيني في بداية مراهقته ولم تكن الكوفية الفلسطينية تفارق كتفيه، وحين خاب أمله انتسب إلى حزب البعث السوري “مقلّدًا تسريحة حافظ الأسد”، ثم انتقل إلى الجبهة الخمينية، ثم بات رافضًا للخطاب الإسلامي في لبنان. تحوّلات فجائية ليست غريبة عن مجتمعاتنا المريضة، لم يستطع نزار أن يثبت على ضفة واحدة فكلهم “عشاق سلطة ومزوّرون”. تحاول صبح تفكيك هذا الكائن المنهزم داخليًا “الحروب والهزائم واليأس والديكتاتوريات والطوائف عطبوا البشر، كأن نزار صار يعيش تحت الأرض لا فوقها”.
بين أحمد، حبيب بسمة الأول في الرواية، الذي سيموت بداء السرطان، ويوسف، زوجها الذي سيعرف موتًا من نوع آخر، مسافة محمّلة بالحب والأمان والاحتضان “هل يمكنني أن أستمرّ في الحفرة وحدي بدون أحمد؟”.. يشجّعها أحمد قبل موته على الحب من بعده. ستتعرّف على يوسف، الرسام العلماني المنفتح المتعلّق بثديي والدته ويرسمهما بأشكال مختلفة. على الحدود اللبنانية السورية ستلتقطه الأجهزة الأمنية السورية لتشابه في الاسم مع شخص مطلوب. خطأ متكرّر على الحدود، بسيط بالنسبة للأجهزة السورية، لكنه يوجعنا ولا نُشفى منه. سيلقى يوسف التعذيب في السجون السورية لمدة ستة أشهر قبل أن يظهر أنه ليس المشتبه به. تعرّض يوسف للصدمة جرّاء ذلك لكن صدمته الأكبر كانت من الجهة الأخرى، فأثناء عدوان تموز/ يوليو 2006 سيصيب صاروخ اسرائيلي منزلهم في الجنوب وستُحرق أمه.. الفعل الأول بعد ذلك أنه سيرسم أمه وكأنها منحوتة من رماد، أما الفعل الثاني فهو دخوله في قلق وجودي أصابه في العمق. لم يهمل يوسف بسمة فقط، لقد أهمل جسده وشعره ومرسمه، وذهب في اتجاه آخر، سيغضب على بسمة حين تعترض على خطاب نائب الأمين العام لحزب اللـه أمام الفتيات الصغيرات أن عليهن ارتداء الحجاب باللون الأسود لعدم لفت نظر الرجال، ثم سيعنّفها عندما تعترض على اقتنائه كتاب “تحرير الوسيلة” للخميني الذي يحتوي على جواز مداعبة الرجل للفتاة قبل عمر التسع سنوات على أن لا يفضّها. سيطلب يوسف من بسمة أن تتوقّف عن الرقص وتتنقّب إذا أرادت أن تبقى معه، سترحل بسمة وهي تفتش عن الضوء الذي اختفى من وجه يوسف. بعد فترة سيكلّمها نزار لزيارة مرسم يوسف وهناك سترى أن كل الأجساد في اللوحات باتت مطلية بالأسود.
كم هي القصص التي سردتها لنا علوية صبح! ليس غريبًا أن تصفها الناقدة الألمانية سوزانا
شاندا بـ”شهرزاد الحديثة”، ولكن صبح تريد هنا فقط أن تصفّي حسابها مع
رجال الدين الذين حوّلوا نساء كثيرات إلى موؤودات في عالمنا العربي حيث
“الأقفال التي صُنعت خصيصًا للنساء” وتم دفنهنّ أحياء.
سيمرّ جسد علوية صبح على كل فصول الرواية، ستحكي معاناتها منذ سنوات على لسان بسمة: “هل أنا مسؤولة عن مرضي؟ هل قاصصتُ نفسي فقاصصني جسدي؟ هل أمرضتُ نفسي أم أمرضتني بلادي؟ جسدي يفاجئني بغربته عني، وفي غربته أشعر أني كسيحة.. سقط جسدي مني وأسقطني وتركني”. تصف لنا صبح تفاصيل المرض الذي هو محصّلة طبيعية لحكايا العنف بكل أشكاله، شفتاها اللتان ترتجفان، قدماها اللتان لا تقويان على الحركة، ارتجاجات الصدر تحت القميص.. تذكر بسمة أن تشخيص مرضها بدأ مع ظهور الدم في سورية “هل كانت مؤشّرات المرض التي ظننتها عابرة قبل بداية الحراك العربي مؤشّرًا لي لأنتبه؟ هل عنّفت الحروب جسدي”. يخيّل لبسمة أن كل أوساخ الأهل والمجتمع والحروب وفراق الأحبّة بل كل أوساخ الزمن وربما التاريخ تُرمى على الجسد، وكل الخيانات. إنها حكاية الجسد الذي يحاول أن يقاوم انتكاساته بالرقص، هناك فقط يتحرّر جسدها فحين ترقص تشعر بأنها تحلّق فوق أزمنة الحروب والخراب.
بسمة هي نموذج ذلك الإنسان العربي الذي تغذّى على الدم لكن بسمة عالجت نفسها بالفن “ما الفارق بين أن تكون عنيفًا قاتلًا أو أن تتشرّب مشاهد العنف والقتل وتعيد صناعة مشاعرك وسلوكك على شاكلتها”. ستأخذنا صبح معها إلى هذه الألوان الداكنة لاحقًا، فلكثرة ما تغذّت من الدم على الشاشات شعرت برغبة في أن تخنق قطتها المسالمة في مشهدية هائلة أخرى لم تبلغ قسوة الأولى لأن بسمة انتبهت في اللحظة الأخيرة أنها استدعت كوابيس الدم حيث الأجساد بلا رؤوس وبقع دمائهم داخل مسامات جلدها.
“حبيب اليوسفي” هو حبيب بسمة الذي كانت تسرد له حكايتها عبر موجات التواصل الاجتماعي. منذ أن بدأت تحبّه نسيت أن تكبر، وهو الذي شجّعها على عملها الاستعراضي “رقصة الشفاء” رغم مرضها “ساورني الاحساس أن الحب الافتراضي الذي عشته هو الحب الحقيقي وكل ما عداه مجرّد أوهام.. أيمكن أن يتحوّل حب افتراضي إلى واقعي؟”. أعاد حبيب جسد بسمة إليها “لجسدي رائحة حديقة.. على الرغم من كل ثقل هذا الزمن المريض”، تقول بسمة بعد إسدال الستارة.

“شهرزاد الحديثة”
كم هي القصص التي سردتها لنا علوية صبح! ليس غريبًا أن تصفها الناقدة الألمانية سوزانا شاندا بـ”شهرزاد الحديثة”، ولكن صبح تريد هنا فقط أن تصفّي حسابها مع رجال الدين الذين حوّلوا نساء كثيرات إلى موؤودات في عالمنا العربي حيث “الأقفال التي صُنعت خصيصًا للنساء” وتم دفنهنّ أحياء. تريد أيضًا أن تصفّي حساباتها مع مفتعلي الحروب حيث الخراب المتراكم والأمراض الذاتية، وهي تكتب روايتها بصوت شعري عالٍ من المكان الذي يصير فيه الأدب تأريخًا وإنصاتًا لهذه المرحلة الزمنية المطوّبة بالآلام. تدمل صبح المسافة بين غربة الجسد وعشقه للحياة عبر أجساد بسمة وأنيسة وأمينة والأم وأخريات شوّهتهن شراسة الشرائع الدينية وقساوة المجتمع حيث الرمال المتحرّكة واحتمالات السقوط في هوّة يصعب دملها. تترك صبح لنا أصوات جدّاتها اللاتي أتينها في المنام “لا تقتلي جسدكِ مثلما قُتلت أجسادنا. نحن عشنا أجسادنا في قبور ودُفنت في قبور مرة أخرى”.

عنوان الكتاب: أن تعشق الحياة المؤلف: علوية صبح

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This