من دمشق إلى باريس:
المثقّف العربي والمغامرة الأوروبيّة:
ذكريات عامّة وشخصيّة
كثيرا ما أطرح على نفسي هذا السّؤال: لو لم أسافر إلى فرنسا يوما ما ماذا كان حصل لي؟ بمعنى آخر: لو أنّي بقيت في الدّاخل ولم تتح لي فرصة السّفر إلى الخارج والتعرّف على أوروبا وثقافتها وحرياتها هل كنت سأبقى نفس الشّخص؟
بالتّأكيد لا. بل وربّما ما كنت موجودا على قيد الحياة بكلّ بساطة. ربّما كان الاختناق الدّاخلي قد قتلني. ولا أقصد به الاختناق السّياسي فقط وإنّما أيضا الاختناق الاجتماعي والدّيني والكبت الجنسي الخ… نعم إنّ تجربة أوروبا، وفرنسا تحديدا، كانت حاسمة بالنّسبة إليّ. لقد أتاحت لي إتقان لغة أجنبيّة حديثة تحتوي على كافّة العلوم والمعارف والفلسفات. لو أنّي بقيت محصورا باللّغة العربيّة وحدها لظلت ثقافتي محدودة بالضرورة، بل وسطحيّة. وهذا بحدّ ذاته أكبر دليل على مدى الخطر الذي يتهدّدنا حاليا أو قل يتهدّد لغتنا وثقافتنا. اللغة الفرنسيّة هي التي أتاحت لي التعرّف على الفكر الحديث كله.
لولاها لما قرأت جان جاك روسو بالنصّ الأصلي،
ولا فولتير،
ولا ديكارت ولا جميع فلاسفة التّنوير الأوروبي. كم كنت سأخسر عندئذ؟ بل وما كنت قرأت حتّى فلاسفة التّنوير الألماني ككانط وهيغل ونيتشه وسواهم. ما كان أتيح لي أن أتعرّف عليهم من خلال التّرجمات الفرنسيّة الممتازة. وقل الأمر ذاته عن فلاسفة الأنكليز وأدبائهم وشعرائهم من جون لوك إلى برتراند رسل، ومن شكسبير إلى ووردزوورث…
وبصراحة ليس عندي أيّ ثقة بالتّرجمات العربيّة، هذا إذا ما وجدت… أرجو ألا أكون ظالما أكثر من اللزوم. وأعتقد أنّي ظالم إلى حدّ ما. فهناك حتما بعض التّرجمات الجيّدة. ولكن بالإضافة إلّا أنّها قليلة العدد بالقياس إلى التّرجمات الرّديئة فإن أمّهات الكتب لم تترجم بعد. كم من السّاعات الممتعة أمضيتها مع روسو وكل هؤلاء العباقرة الكبار؟ ولا أزال حتّى الآن أستمتع بكتبهم وأستضيء بنورهم2…
ينبغي الاعتراف بالحقيقة: أنا شخص يقرأ بالفرنسي ويكتب بالعربي! نقطة على السّطر. بالطبع يحصل لي أحيانا كثيرة أن أقرأ الكتابات العربية. بل وأبتدئ صباحي بها عن طريق تصفح الجرائد العربيّة على الانترنيت كما كان يفعل هيغل في زمانه حيث كان يعتبر قراءة الجرائد بمثابة صلاة الصبح… ولكن في وقته لم يكن هناك أنترنيت ولا كل هذه التسهيلات الضخمة التي أمنتها لنا ثورة المعلوماتيّة الحديثة. وكثيرا ما أستفيد من بعضها. ولكنّي في الواقع أقرأ بعضها الآخر من أجل الاستئناس والتّسلية بالدّرجة الأولى وليس من أجل الاستنارة أو الاطلاع على فكر جديد أو عميق… عندما أريد العمق الفلسفي أنتقل مباشرة إلى مطالعة الكتب الفرنسيّة وتصفح مواقع الانترنيت الأجنبيّة. ما أقوله هنا كلام مزعج جدا وأكاد أعتذر عنه. ولكن هذه هي الحقيقة: إنّها جارحة… لا يوجد فكر عميق في اللغة العربيّة حتّى الآن إلّا مع بعض الاستثناءات القليلة. قبل خروجي من سوريا لم ألتق بالفكر العميق إلّا نادرا. الفكر المؤدلج كان يسيطر على السّاحة كليا تقريبا. وبالتّالي فلو أنّي بقيت في الداخل لفاتتني أشياء وأشياء… كنت قد عشت ومت دون أن أفهم شيئا يذكر. كلّ الفتوحات العلميّة والفلسفيّة للحداثة كنت قد مررت عليها مرور الكرام، أو قل كانت هي قد مرّت علي مرور الكرام… كنت بقيت بالضّرورة ذا عقليّة محدودة وضيقة علميا ودينيا وسياسيا. نعم إنّ تجربة أوروبا أو المغامرة فيها تشكل حظا ما بعده حظ بالنّسبة إلى المثقّف العربي. هل كان طه حسين سيصبح طه حسين لولا أنه ذهب في بعثة إلى أوروبا وفرنسا تحديدا؟ وقل الأمر ذاته عن محمد مندور وزكي نجيب محمود وعشرات الآخرين من المغرب والمشرق على حدّ سواء. وبالتّالي فجميعنا نتاج ثقافتين في الواقع لا ثقافة واحدة: الثقافة العربيّة الاسلاميّة الأصيلة من جهة، والثّقافة الاوروبيّة الحديثة من جهة أخرى.
ولكن لا تستغربوا هذا الكلام على الإطلاق. هل تعلمون بأنّ كلّ مفكري العالم كانوا يحجون إلى بغداد أو قرطبة 3 والأندلس عندما كانت عندنا حضارة،عندما كنّا نعيش العصر الذّهبي الذي أطل على العالم بكل أنواره؟ هذه هي سنة الله في خلقه: الحضارات دوّارة تتنقل من مكان إلى مكان طبقا للعصور والظروف والمنعطفات التّاريخيّة. الحضارة لا تدوم لأحد: من سرّه زمن ساءته أزمان… ولكن أما آن أن تعود إلينا بعد طول غياب؟ لقد اشتقنا إليها… ذلك أنّ الحضارة عندما تحط برحالها في مكان ما فان الكون يبتسم ويتوهّج العالم… الحضارة، كالغادة الحسناء، عندما تدخل البيت تضيئه وتشتعل الدّنيا…
هل نعلم بأنّ مفكري أوروبا المسيحيّة كانوا يبحثون عن مخطوطاتنا ويتعلّمون لغتنا ويترجمون كتبنا بغية الاطلاع على العلم والفكر والفلسفة؟ بل وكانوا يفتخرون بأنّهم قرؤوا الفارابي أو البيروني أو ابن سينا أو ابن رشد مثلما نفتخر نحن اليوم بأنّنا قرأنا ديكارت أو كانط أو هيغل… هذه هي سنّة الدّنيا: يوم لك ويوم عليك… من يعبأ بنا الآن؟ لا أحد. بل ومن يعبأ باليونانيين اليوم؟ لا أحد أيضا. في السّابق، أيّام سقراط وأرسطو وأفلاطون، كانوا منارة العالم علما وحضارة. كانوا يشعون على العالم. والآن أصبحوا دولة صغيرة لا حول لها ولا طول. ومحل أثينا حلت باريس، أو لندن، أو نيويورك… ولهذا السّبب فنحن نشترك مع اليونانيين بصفة واحدة: ماض عملاق وحاضر هزيل. ولا نزال نبكي على الأطلال ونفتخر بالآباء والأجداد…
ولهذا السّبب اعتبرت سفري إلى فرنسا بمثابة الولادة الثّانية: أي الولادة على الفكر والحريّة. ما معنى الحياة دون فكر وحريّة؟ ما معنى الحياة إذا لم يتح لك أن تجرب نفسك في هذا العالم بكلّ حرية فتعرف إمكانياتك ومحدودياتك؟ ما معنى الحياة إذا ما قبرت حيّا عن طريق الامتثالية الاجتماعية؟ قبل أن أدخل في صلب الموضوع أحبّ أن أروي بعض الذكريات الشخصيّة. عندما غادرت مطار دمشق بتاريخ 8.10.1976 لم أكد أصدق أنّي ذاهب إلى باريس، عاصمة الحضارة والنّور، والأدب والفن، والجمال والحب، والسينما والمسرح، الخ… كنت كمعظم النّاس أنتمي إلى بيئة تقليديّة محافظة. وعندما يكون عمرك خمسة وعشرين عاما فقط فإنّك بحاجة إلى التحرر والانطلاق، إلى كسر القيود التي تكبلك. إنّك كالطائر المهاجر الذي ينطلق من عشه لأوّل مرة. وما هي البيئة المناسبة لذلك أكثر من باريس؟
فرنسا كانت في ذروة حضارتها آنذاك ولا تزال. الحضارة الفرنسيّة أنيقة جدّا. والحريّات الشخصيّة (وبالأخص حريّة التواصل بين الجنسين) تحتل فيها مكانة مركزيّة. ومعلوم أن هذا الموضوع كان شغلنا الشّاغل نحن الطلبة العرب المبعوثين إلى الخارج. ينبغي الاعتراف بصراحة: في تلك الأيّام ما كان بإمكانك أن تتحرّر من نفسك وعقدك ومشاكلك إذا ما بقيت في سوريا أو العالم العربي والاسلامي كله. كان ينبغي أن تخرج إلى أوروبا لكي تأخذ كل أبعادك، لكي تجرب حالك، لكي تقذف بنفسك في مجهول المغامرة الخلاقة.
وهنا نصطدم بمشكلة الحريّة: نعم الحريّة بالمعنى الحرفي للكلمة. صحيح أنّ الحريّة يمكن أن تستخدم في الطريق الخطأ وصحيح أنّ الغرب نفسه مشى فيها إلى حد التطرّف الأقصى بل والأعمى، إلى حدّ الإباحيّة المطلقة وانتهاك كل المحظورات والممنوعات. أمّا نحن فقد سرنا في الاتجاه المعاكس، أي الكبت والقمع، إلى حده الأقصى أيضا. تطرف وتطرف معاكس. خير الأمور أوسطها. ولكن نواقص الغرب أو شطط حضارته وانحرافاتها كلها أشياء لم أكتشفها في الواقع إلّا لاحقا وبعد سنوات طويلة من العيش في فرنسا. ينبغي العلم بأن الغرب معقد وحضارته ضخمة ناتجة عن تراكم أربعة قرون متواصلة. وبالتّالي فلا يكفيك سنة أو سنتان أو خمس سنوات لكي تدرك أبعاد حضارته. لكي تفهمه على حقيقته يلزمك على الأقل عشر سنوات أو حتّى عشرون أو ثلاثون سنة. نعم هناك أشياء لم أفهمها جيّدا إلّا بعد إقامة ثلاثين سنة متواصلة. في البداية تبهرك حضارة الغرب بجمالها وأضوائها ومفاتنها. إنّها تصعقك تماما وتدوّخك. ويلزمك عندئذ وقت طويل لكي ترى النواقص خلف كل هذه الأنوار السّاطعة والبهرجات. يلزمك وقت طويل لكي تستوعب الأمور وتميّز بين الأشياء… ولكن الغرب ليس كله نواقص وانحرافات وماديات إباحيّة. الغرب هو أيضا فتوحات معرفيّة وأنوار فلسفيّة قلّ نظيرها. وهذا هو الشّيء الذي يهمني هنا والذي سأتوقّف عنده بالدّرجة الأولى. أمّا الحديث عن انحرافات الحضارة الغربيّة وأنانيتها ونفاقها وعبادتها للعجل الذهبي وخيانتها للمبادئ التنويرية – الانسانية فيتطلب وقفة خاصة. لا أستطيع أن أفعل كل شيء دفعة واحدة!
بعد ذلك مباشرة ما كنت أصدق أنّي سأتعلّم هذه اللّغة الأجنبيّة التي ستفتح لي الآفاق الواسعة: آفاق الأدب والفكر على مصراعيها. صحيح أنّي كنت توّاقا إلى إشباع الحريّات الشخصيّة كبقيّة الشّباب الذين عاشوا في مجتمع تقليدي مكبوت، مجتمع مليء بالممنوعات والمحظورات. ولكنّي كنت جائعا إلى الفكر أيضا. كنت أريد أن أفهم كل شيء، أن أسبر كنه الأشياء. وأصلا استكشاف جماليات الحياة واستكشاف مجاهيل الفكر كانا نابعين من نفس الأصل. كنت مدفوعا برغبة عارمة إلى المعرفة، بجوع لا يكاد يصدق إلى المعرفة والحريّة. كنت أريد أن أفهم العالم كله وبالأخص العالم العربي الاسلامي الذي أنتمي إليه. كنت أعلم علم اليقين بأنّي لن أفهمه على حقيقته إلّا بعد أن أبتعد عنه، بل وأنفصل عنه. هذا هو ثمن المعرفة، ثمن الحريّة.
لكي تقترب ينبغي أن تبتعد، لكي تتجدّد ينبغي أن تتغرّب. لكي تفهم حالك ينبغي أن تخرج من حالك. صدق أبو تمّام. كيف يمكن أن تتجدّد وأنت باق في سوريا أو في العالم العربي أو حتّى في العالم الاسلامي كله؟ مستحيل. كان يلزمك سماء أخرى غير السماء اللاهوتية القروسطيّة. وقد تغربت إلى أقصى حدود التغرّب، وعشت أجمل لحظات حياتي في المنافي ولا أزال. وإن كنت لا أعتبر الإقامة في المغرب حاليّا منفى لأن الجو الإسلامي المحبّب يحيط بك من كل الجهات. والشّعب شعبك. هذا بالإضافة إلى تسهيلات الحداثة. ولكن هل شبعت من الحريّة؟ هل مللت؟ لا أعتقد. كنت من شدّة تلهفي للاطلاع على روائع الأدب الفرنسي لا أستطيع أن أنتظر إتقان اللغة الفرنسيّة لكي أستكشف كنوز أدبيّة “كمدام بوفاري” لفلوبير أو “كالأحمر والأسود” لستندال، أو “كزنابق في الوادي” لبلزاك، الخ… وماذا عن أزهار الشرّ لبودلير، أو الاشراقات لرامبو؟ ماذا عن فيكتور هيغو؟ الخ، الخ…
كنت أقول لنفسي: عجل، عجل وأتقن اللغة الفرنسيّة لكي تستطيع التهام هذه الرّوائع… فما العمل؟ لا تستطيع إتقان لغة أدبيّة كبرى بين عشيّة وضحاها. يمكن أن تتقن لغة الحياة اليوميّة وتدبر حالك أمّا إتقان لغة الرّوائع؟ ولذا رحت أشتري هذه الرّوايات والكتب في طبعاتها المبسطة والميسرة. وفوجئت بأنّها موجودة. كل شيء موجود في أوروبا على عكس مجتمعاتنا التي لا تزال في بداية نموّها وتطورها. فبما أنها تستعصي عليّ في لغتها الأصلية العالية فلماذا لا أحتال على الأمر وأقرؤها في الملخصات التبسيطيّة؟ بانتظار أن أتقن الفرنسيّة لا يوجد حلّ آخر… نفس الشّيء فيما يخصّ دروس أركون في السّوربون عن الفكر الاسلامي. كانت تفوتنا أشياء كثيرة في السّنوات الأولى بسبب عائق اللغة. بعدئذ ابتدأنا نفهمه عن جد. نعم إنّ اتقان لغة أجنبيّة ما ليس بالأمر السّهل. أقصد إتقانها إلى درجة أنك تصبح قادرا على فهم فلاسفتها وتذوق دواوين شعرائها، وليس فقط مجرّد التحدّث بها في الحياة الجارية.
كم كنت توّاقا لقراءة ستندال وفلوبير وبودلير وفولتير وبلزاك وجان جاك روسو وعشرات غيرهم بلغتهم الأصلية! كم كنت أحلم بذلك حتّى وأنا لا أزال في سوريا قبل الخروج! كان ذلك يعتبر حلما طوباويا لا يكاد يصدق. وعندما حلقت الطائرة بنا فوق فرنسا ونظرت إلى أسفل من النّافذة الصّغيرة صرخت قائلا: يا الهي! ما أجمل هذه البلاد! إنّها جنة الله على الأرض. وهمست بيني وبين نفسي: لم يبق الا الحور العين! لم تكن ترى تحتك الا المساحات الخضراء. لم تكن ترى الا الحدائق المتناسقة المحيطة بالمنازل القرميديّة الحمراء. فرنسا كلها كانت بساطا من العشب الأخضر على مدّ النظر. البلاد كلها حديقة واحدة:غابات وأشجار، مياه وبحيرات…
نقول ذلك على الرّغم من أنّنا وصلنا إلى هناك في أكثر الأصياف جفافا في تاريخ فرنسا: صيف1976. وعندما وصلت إلى باريس: قلت بيني وبين نفسي: مش معقول أن أكون في نفس المدينة التي يعيش فيها جان بول سارتر! سارتر لم يكن قد مات بعد. سوف يموت بعد أربع سنوات فقط عام 1980. كان أسطورة في ذلك الزّمان بفضل ترجمته عن دار الآداب. وكنت أريد التعرّف على “الحي اللاتيني” بعد أن قرأت رواية سهيل ادريس الجميلة التي تحمل نفس العنوان. قرأتها وأنا في سوريا بالطبع. ورحت أحلم بنفس المغامرات… كانت بطلة القصة “جانين” على ما أعتقد… باختصار: رحت أحلم بجانين أخرى… كنت أشعر فعلا بأني أولد على العالم من جديد، أني أصبحت في مركز العالم، أنا الآتي من قرية صغيرة على هامش التاريخ. بل وحتى دمشق بدت لي قرية كبيرة أو “خرابة” عندما عدت إليها من باريس زائرا بعد سنتين فقط من الغياب. وهذا إحساس غريب لن أنساه في حياتي كلها. قلت بيني وبين نفسي: مش معقول: أهذه هي دمشق العظيمة؟ بحياتي كلها لم أرها هكذا. وشعرت بالحزن العميق. شعرت بالهوان والذل. ثم تذكرت نظرية النسبية! وعرفت عندئذ أن الأشياء فعلا نسبية. لأول مرّة أفهم نظريّة النسبيّة لانشتاين! فعندما كنت أزور دمشق انطلاقا من قريتي الصغيرة أو حتّى من جبلة واللاذقيّة فإنّي كنت أراها مدينة عملاقة، عاصمة ضخمة وحقيقيّة. ولكن عندما عدت إليها من عاصمة أكبر وأضخم وجدتها لا شيء تقريبا. وزهدت فيها. وقد فاجأني هذا الإحساس في الواقع وقتها بل وصدمني بعنف. فيما بعد حصل لي أن تحدثت مع بعض الأصدقاء عن هذا الموضوع فضحكوا وقالوا لي: اذهب إلى نيويورك وعش فيها سنتين أو ثلاثة ثم عد إلى باريس تجدها وكأنّها قرية صغيرة. نعم يا صديقي كلّ شيء نسبي في هذا العالم…
المهم: كنت أشعر بعد وصولي إلى هناك وكأني نفضت غبار الشرق عن كاهلي وابتدأت حياة المغامرة الحقيقية. ما أجمل الانطلاقة! ما أجمل الحريّة! ما أجمل المجاهيل الاستكشافيّة! لا أحد يعرفك ولا تعرف أحدا. مدينة ضخمة يضيع فيها الفيل! هذه هي باريس. لا أحد يراقبك ولا تراقب أحدا. هذه هي الحريّة. لا أحد يهتم حتّى بمجرد وجودك. من يستطيع أن يهتم بوجود عشرة ملايين شخص حوله أو أكثر. يضاف إلى ذلك أن الحريّة الفرديّة هنا مقدّسة. وبالتّالي فلا أحد يتدخل في شؤون أحد. وهذا كل ما كنت أطلبه آنذاك. يصعب علي أن أصف كل مشاعري والغليان الداخلي الذي كان يتملكني آنذاك. كنت أعتبر هذا الحظ بمثابة معجزة حقيقية. كل صباح كنت أستيقظ وأنا أردد قائلا: هل صحيح أني في فرنسا؟ وفي باريس؟ هل صحيح أني بعيد عن المشاكل السوريّة والعربيّة؟ هل صحيح أني هجرت الشّرق الذي هجرته الحضارة منذ قرون فأصبح خرابا بلقعا؟ هل صحيح أني أصبحت في مركز الحضارة؟ كنت أستمتع بذلك بكل أنانيّة. ورحت أخاطب نفسي: أنت الآن في أوروبا،عرين الحضارة، أوروبا التي حطت فيها الروح كما يقول هيغل: أي روح الفكر ونسمة الحرية. هل يعقل أن أكون في بلاد الفلسفة والفلاسفة؟ هل يعقل أن أكون في بلاد المشاهير: بريجيت باردو وكاترين دونيف وآلان ديلون ورومي شنيدر وايف مونتان، الخ، الخ… ذلك أن الفنّ كان مهما جدا أيضا بالنسبة إلي وليس فقط الفكر والدّراسات الأكاديميّة. وقد لعب دورا كبيرا في حياتي ولا يزال. الفنّ والحبّ. الغناء والسّنما. وحتّى الآن عندما أسمع أغنية “الأوراق الذابلة” بصوت ايف مونتان أكاد أخرج عن طوري.4 فأنا أتيت إلى الفكر من خلال الأدب والشّعر في الواقع وليس العكس. كنت أحلم بأن أصبح شاعرا لا مفكّرا. بحياتي كلّها لم أحب الفكر النّاشف المنقطع عن روح الأدب ونسغ الحياة. هذه “العلوم الجافة اللا إنسانية” كما كان يقول روجيه غارودي لا تعنيني كثيرا. ولهذا السّبب فان أقرب المفكرين إلى قلبي هم أولئك الذين جمعوا بين الفكر والأدب: كالجاحظ والتّوحيدي والمعري وطه حسين وميخائيل نعيمة وجبران وسواهم عندنا نحن العرب. ومعلوم أن التّوحيدي كان يدعى: أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، والمعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشّعراء. ولكن الهمّ الفكري فرض نفسه في البداية كضرورة قصوى.
ولذا كنت أتساءل: هل يعقل أن أكون في بلاد تتجرأ على نقد اللاهوت الديني المقدس بل والخروج من نطاقه كليا دون أن تنطبق السّماء على الأرض؟ هل يعقل أن أكون في بلاد يمكن أن تطرح فيها أسئلة نقديّة حتّى على أقدس الأقداس؟ هنا كان الاطلاع على فلاسفة التنوير ومن تلاهم حدثا أساسيّا في حياتي. وكذلك الأمر فيما يخص الاطلاع على فكر أركون وترجمته إلى العربية. هناك أولويات قاهرة فرضت نفسها علي فرضا.
خاص: الأوان
الهوامش:
1- أحيانا يحلو لي أن أصور الأمور على النّحو التّالي: المسافة بين دمشق وباريس أربع ساعات بالطائرة، ولكنّها في حساب الزّمن والتطوّر التّاريخي أربعة قرون! ربما لم يعد ذلك صحيحا فيما يخص مظاهر الحياة اليومية أو المادية الاستهلاكية بعد أن عمّمت العولمة شركاتها ومخازن السوبر ماركيت الحديث على زوايا العالم الأربع. ولكنّه صحيح إلى حدّ كبير فيما يخصّ الحياة العقليّة أو الدينيّة. فنحن لم نتجاوز بعد مرحلة الوعي الأوروبي المسيحي ابان عصر النهضة: أي قبل أربعة قرون. بل ولم نتجاوز بعد مرحلة القرون الوسطى فيما يخص فهمنا للدّين أو تفسيرنا له. وبالتالي فلم نصل بعد إلى مستوى عصر النّهضة الاوروبية. هيهات! من هذه الناحية فإنّ الفكر الأوروبي متقدّم على الفكر العربي بما لا يقاس. هذا ما اكتشفته في فرنسا ولمسته لمس اليد. وهنا تكمن الأنوار السّاطعة التي أضاءت لي الطريق وساعدتني على حلّ الاشكاليات والهموم التي حملتها معي من سوريا والتي كانت تثقل ظهري… من هذه الناحية فإنّ الثقافة الفرنسيّة والأوروبية عموما كان لها فضل حاسم علي. إنّها هي التي صنعتني. هذا من جهة. وأمّا من جهة أخرى فإنّ كل ما فعلته منذ ثلاثين سنة (كتابات أو ترجمات) لم يكن الا استباقا على الانفجار الكبير الحاصل حاليا في سوريا. كنت أعرف أن هذه اللحظة آتية لا ريب فيها، وكنت أضع يدي على قلبي…
2- كاملا آخر كتاب قرأته أو قرأت فيه هو القاموس الفلسفي لفولتير. ولكن قبله مباشرة كنت قد قرأت كتاب ريمون تروسون عن حياة جان جاك روسو
غريبة قصتي مع روسو! لقد قرأت عنه عشرات الكتب وأحببته أكثر من أي مفكر آخر في العالم. بل وعشت معه بكل جوارحي طيلة ربع قرن ولا أزال. ولكن حتى الآن لم أكتب عنه الا قليلا جدا. هذا لا يعني أني لا أحب غريمه اللدود فولتير! على العكس تماما: ان قراءته احدى سعاداتي، بهجة حياتي…
3- الاسلام في الغرب. قرطبة عاصمة الروح والفكر. منشورات لارماتان. باريس.2000 . أحيل هنا الى كتاب روجيه غارودي الذي غادرنا مؤخرا:
Roger Garaudy :L’Islam en Occident, Cordoue capitale de l’esprit.L’Harmattan, 2000
4- أقول ذلك وبخاصة عندما يلقيها في قاعة الاولمبيا الشهيرة المليئة بالمعجبين والمعجبات. وهي نفس القاعة التي غنت فيها فيروز وأم كلثوم عندما جاءتا الى باريس.عندئذ يشعرك وكأنه يعيش لواعج القطيعة الغرامية بكل جوارحه. عندئذ يأخذ كل أبعاده كفنان من أعلى رأسه الى أخمص قدميه… كيف انتهى الحب وذبل ذبول الاوراق المتساقطة في فصل الخريف؟ كيف انكسر الدف وتفرق العشاق؟ كيف يمكن أن ننسى ما لاينسى: قطعة من قلبنا، من حياتنا، من عمرنا؟ حبنا الأول والأخير… نعم انها ذروة الفن! القصيدة من تأليف الشاعر جاك بريفير الذي يشبه نزار قباني عندنا الى حد ما. يمكن لأي قارئ يعرف الفرنسية أن يستمع الى هذه الأغنية عن طريق الانترنيت بكل بساطة. أنا كثيرا ما أقطع أبحاثي وترجماتي المرهقة لكي أستمع اليها وأخفف عن نفسي وعثاء السفر… وكذلك أستمع الى أغنية أخرى لا تقل عنها شهرة لجاك بريل: لا تتركني! لا تفارقني! وهي أيضا مقطوعة عبقرية لا تضاهى. انها تمزقك تمزيقا. اذا جنّ الليل، وكنت وحيداً، لا أستطيع الاستماع الى هاتين الأغنيتين. هذا أكبر من طاقتي على التحمل. تعصف بك الذكريات وتهيج الهوائج…
المهم أن كلتا الأغنيتين تتحدثان عن صعوبات القطيعة مع الماضي، مع الحب المنصرم… في بعض مقالاتي كنت قد عالجت مشكلة العلاقة بين القطيعة الغرامية والقطيعة الفكرية الابيستمولوجية وطرحت السؤال التالي: هل تمكن المقارنة بينهما؟ ما أصعب القطيعة العاطفية وما أمرها! ولكن ما أصعب القطيعة الفكرية أيضا. بمعنى: كيف يمكن أن نتخلى عن ايديولوجيا عشنا عليها ردحا من الزمن وننتقل الى ايديولوجيا أخرى؟ وكذلك الأمر: كيف يمكن أن ننتقل من حب سابق الى حب لاحق؟ أليس النزيف واحدا في كلتا الحالتين؟ ما أصعب الوداع، ما أمر الفراق! ولكن بالمقابل: ما أحلى التغيير والعروس الجديدة! والله زهقنا، طلعت روحنا! أكاد أقول: ما أجمل “الخيانة” والقطيعة الابيستمولوجية! متى ستطل علينا “الفرفورة الأمّورة” لكي تقلب حياتنا رأسا على عقب؟ هكذا تلاحظون أني أتخبثن وأتشيطن عن قصد بغية توضيح الاشكالية الى أقصى حد ممكن. سمعت بأن بعض الشيوعيين انتحروا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. لم يعد من السهل عليهم أن يعيشوا بعد سقوط المثال الأعلى الذي عاشوا عليه طيلة شبابهم وحياتهم كلها. بعضهم كان قد تجاوز الستين أو السبعين… ولكن بعضهم تأقلم مع الوضع الجديد وأصبح اشتراكيا ديمقراطيا مثلا.بل ان بعضهم التحق بالأيديولوجيات الدينيّة كتعويض عن فقدان الشيوعية… كل واحد يبحث عن معنى يملأ حياته. وكذلك فيما يخص الحب: لا ينسيك الحب السابق الا الحب اللاحق. لا يفل الحديد الا الحديد!.. هنا أتخبثن أيضا.. ولكن هذه هي الحقيقة: الحب، كبنية أساسية، يستمر، فقط صورة الحبيبة التي تشغل مخيلتك تتغير…”ولكن كل من أحببت قبلك ما أحبوني”… مسكين بدر شاكر السياب!


خاص: الأوان
