الثورة الذكيّة ومكر البرتقال

كانت سنة 2010 ترفع أوتادها وتطوي خيمتها استعدادا للرحيل إلى التاريخ وأوجاع المخاض تضنيها. ولم تغادر مكانها حتى وضعت ثورتها بين يدي سنة 2011. سنة حبلت، ووضعت، ثمّ مضت. وسنة أخرى احتضنت، وصمّمت، ثمّ أطلقت الثورات في الدرب العربيّ المعاصر لتسير فيه بالسرعة القصوى تائقة إلى الإطلالة على كلّ منعطفاته. بين البداية والنهاية ولدت الثورة التونسيّة، بين شهري ديسمبر 2010 وجانفي 2011. إنّها ثورة ذكيّة مكرت بكلّ من لا يحبّها؛ من لا يحبّ اسمها ولا حالها. إنّها ثورة ذكيّة إذ اختارت تاريخ ولادتها.

ففي شتاء تونس البارد جاءت الثورة مدفوعة بطاقة الفيتامين ج (vitamine C) التي هي من هِبات البرتقال. وفي نهاية السنة الميلاديّة عشر وألفين، حيث كانت الطبقتان الثريّة والوسطى تتخاطفان الحلويّات انتظارا لساعة الصفر للشروع في الاحتفال، هلّت الثورة على أحبّائها من العاطلين والحالمين والنقابيّين المتشوّقين إليها القابعين في هوامش البلد الغربيّة والجنوبيّة وفي ما بينهما وفي أحزمة العاصمة والمدن الكبرى. وعلى مشارف رأس السنة الميلاديّة، حيث كانت العصابة النوفمبريّة الحاكمة في تونس وفي برتقالها قد حجزت في عواصم البذخ والدعارة لإهدار أكثر ما يمكن إهداره من أموال البرتقال بالعملة الصعبة، أطلّت الثورة على أحبّائها التونسيّين شيبا وشبابا، فتيانا وفتيات.

وكان البرتقال يُعِدّ للمكر بالعصابة إذ أنّه لا ينتصر إلاّ لسواعد منتجيه من الفلاّحين والعمّال والمزارعين وكلّ أحبّة الأرض الذائبين وجْدا في لونه البرتقاليّ اللمّاع، ينتصر لهم على اللصوص المرابين العملاء. يمكر بهم البرتقال حتى يتيح للتونسيّ أن ينظر إلى ظلّه ولا يخشاه، وأن يرفع رأسه فخرا بعد أن طأطأه خجلا حين كان يعجز عن أن يفسّر للعالم كيف أنّه كان محكوما من قبل حشّاش مسطول. كيف يبلّغ العالم أنّ هذا الحاكم لم يكن يمثّله ولا يعنيه؟ ولم يكن هناك من سبيل إلى أن يتسلّل صوته إلى الخارج دون أن تقبض عليه وكالة الحراسة الإعلاميّة النوفمبريّة الشهيرة؛ وكالة الاتّصال الخارجيّ.

هذا الحشّاش المسطول أو الحاكم الهوويّ، كما سمّاه فتحي المسكيني(1)، هو ذاك الذي ما إن تسرّب حبّه للّون البنفسجيّ حتى تلوّنت به الجسور والرايات وربطات أعناق المبندرين.. هذا الحشّاش المسطول نفسه، الذي كان قد نصّب نفسه حاكما على تونس بعد اغتصاب السلطة من اليد المرتعشة صباح سبت يوم 7 نوفمبر سنة 1987، هو من قال عنه صحفيّ تونسيّ معروف في برنامج قارّ، قبل الثورة وبعدها، يبثّ مساء الأحد على فضائيّة حنّبعل التونسيّة في شهر نوفمبر سنة 2010، وثورة البرتقال تعيش مراحل المخاض الأخيرة قبل شرارة الاندلاع، أثناء تعليقه على مسألة رسالة وجّهها وفد اتّحاد الكتّاب المشارك في الاحتفال بمائويّة الشاعر التونسيّ مصطفى خريّف بتوزر إلى المسطول؛ قال الصحفيّ المعروف بالحرف: “إنّ للرجل (يقصد الحشّاش المخلوع المستولي على السلطة فجر السبت 7 نوفمبر 1987) مشاغل كبرى أكبر من مشاغلكم أيّها المثقّفين، هي مشاغل الدولة. إنّه يعمل بمعدّل أربع عشرة ساعة في اليوم!! فكفاكم مهاترات، أنتم المثقّفين، واتركوا الرّجل يعمل لصالح الدولة وللصالح العامّ، ولا تزعجوه بمشاكلكم وبخلافاتكم التافهة”. هكذا قال الصحفيّ المعروف وكان البرتقال والتاريخ يراقبان بمنتهى الأسى والسخرية أيضا.
والحقيقة أنّ هذا الموقف الصّادر عن هذا الصحفيّ المعروف لم يكن مفاجئا ولا صادما للمثقّفين التونسيّين بحكم ما ألفوه عن النظام النّوفمبريّ المخلوع وعن خلاّنه الأنظمة العربيّة الأخرى من منهج استبداديّ إقصائيّ ترهيبيّ ترغيبيّ في التعامل أهل الفكر والفنّ والثقافة. ﻓ “قد تميّزت السلطة في العالم العربيّ بقدرة عالية على تدجين المجتمع المدنيّ والنخب، فيه تعتبر الثقافة ورقتها الرّابحة في إضفاء مسحة جماليّة على وفكريّة على نظامها القمعي. وكما يقول عالم الاجتماع البريطانيّ ستيوارت هال Stuart Hall “إنّ هدف الثقافة الساسيّ والجوهريّ هو السياسة(2).”(3)

ونظرا لطبيعة السلطة السياسيّة الاستبداديّة القاهرة، ﻓ “لقد عجز أغلب المثقّفين العرب عن مواكبة العالم المسطّح، فقد بقوا سجناء الحواجز الإيديولوجيّة والتصنيفات الفكريّة المتعالية، منشغلين بصراعاتهم ومماحكاتهم الجدليّة العقيمة. أمّا من شذّ منهم فقد وجد نفسه إمّا في السّجن ومنافي الغربة أو خارج السياق ضمن طروحات عفا عليها الزمن. وأمام تراجع صورتهم وابتعاد الشباب عنهم وتهاوي قيمهم، انخرط الجميع تقريبا في مشروع السلطة بغية اللهث وراء المغانم والمناصب لينحدر بعضهم إلى مجرّد مخبرين للأمن والبوليس السياسيّ.”(4)

غير أنّ البرتقال لم يعبأ ببندرة الصحفيّ المعروف الذي صار اليوم من أكبر المثقّفين الثوريّين في نفس البرنامج وعلى نفس القناة!! ولم تنطل على البرتقال خطابات الصحفيّين والكتّاب والمتعلّمين والمتسلّقين المغلّفة بغلاف المدح والثناء والغمز للحشّاش المسطول الحاكم، وهم يفركون أكفّ الطمع وشيء ما كاللّعاب يقطر من ألسنتهم الطويلة. فالبرتقال قرّر أن يمنح طاقته للثورة على الجميع؛ على الأشخاص كما على الخطاب. فمنح الطاقة الناريّة للشعب التونسيّ، حتى إنّ هذا الشعب، واثقا، واجه نار القنّاصة بنار البرتقال. البرتقال للثائرين المتّحدين المتحدّين الحشّاشَ. والبرتقال للثكالى المكلومات. والبرتقال للأرامل الباكيات. والبرتقال لليتامى الذاهلين. فالمجد كلّه للبرتقال.

في هذا الواقع الشتويّ البرتقاليّ الثوريّ التونسيّ، هل كان للإيديولوجيا بصورها البراغماتيّة مكان؟ وهل مازال مكانها بعد الثورة محفوظا؟ ألا تحتاج الإيديولوجيات الناشطة في المجتمع التونسيّ الثائر إلى مراجعات نقديّة، على الأقلّ، لتصحيح المفاهيم ولاسترداد ما استلب منها ولتجنّب إعادة إنتاج الواقع الذي أثمر دولة العائلات المافيوزيّة المستبدّة المعادية لمجتمعها؟ ما هو خطر البراغماتيّة السياسيّة على الإيديولوجيا، وبالتالي، على المجتمع؟

في مقام التقديم هذا، نرى أنّه من الضروريّ أن ننبّه إلى الفارق الكبير الفاصل بين مصطلحات “البراغماتيّة” من جهة، و”الانتهازيّة” و”الوصولويّة” من جهة أخرى. ولن نخوض، هنا، في جدل مفاهيميّ لا يستدعيه المقام الذي يتنزّل فيه هذا الكتاب، ولا يحتمله. وإنّما نشير إلى أنّ المقصود ﺒ “البراغماتيّة”، هنا، إنّما هو ذلك الفهم للممارسة السياسيّة الذي يصل الخلفيّة الإيديولوجيّة بما يسمّى بمتطلّبات المرحلة وما تقتضيه من تكتيكات وتحالفات واستراتيجيّات سياسيّة.

وتبقى “البراغماتيّة” مصطلحا إيجابيّا متحرّكا في دائرة ما يسمّى “المنفعة العامّة”. أمّا “الانتهازيّة” و”الوصوليّة” فهما مصطلحان سلبيّان يسمان الممارسة السياسيّة التي تغلّب المصلحة الذاتيّة الفرديّة على المصلحة العامّة أو توظيف المصلحة العامّة لتحقيق مآرب ومكاسب شخصيّة. بعبارة أخرى “البراغماتيّة” مفهوم فكريّ، و”الانتهازيّة” و”الوصوليّة” سلوكان اجتماعيّان. وهذا الكتاب في الفكر لا في الأخلاق. وهذا يعني أنّ “البراغماتيّة” مجالها الفكر، وهو مدار يقع في دائرة ما نستطيع محاولته ومحاورته. أمّا “الانتهازيّة” و”الوصوليّة” فمجالهما الأخلاق والقضاء، وهما مجالان لا يقعان بشكل مباشر في الدّائرة نفسها التي تعني هذا الكتاب. غير أنّهما في مرمى التحليل بشكل عامّ.

هذا الكتاب استوى منهجه مع غايته؛ إذ هما النقد.. النقد الإجرائيّ.. نقد الممارسات السياسيّة لا نقد المفاهيم، إلاّ فيما ندر. إنّه كتاب يدور أغلبه في نقد البراغماتيّة السياسيّة، يهدف إلى تحريك التأسيس النقديّ الساكن في الممارسة السياسيّة بفعل الولاء أو الانتماء أو اللبس الإيديولوجيّ. فالأحزاب السياسيّة ذات المرجعيّات الإيديولوجيّة الموجودة في المشهد السياسيّ التونسيّ اليوم والسّاعية إلى الفعل في المجتمع تغلب عليها الممارسة البراغماتيّة التي تطمح إلى الوصول إلى السلطة، وهو طموح آنيّ ظرفيّ عابر، فيما يغيب الفعل النقديّ التنظيريّ عنها جميعا أو يكاد، وهو بناء للمستقبل البعيد. هذا الغياب النقديّ هو الذي مثّل الاستفزاز المنتج لهذا الكتاب.
ولابدّ من الإشارة إلى ظاهرة بدأت تسم المشهد السياسيّ في تونس، مفادها أنّ هناك أحزابا سياسيّة ناشئة لا تتّكئ على إحدى المرجعيّات الأربع المعروفة (الماركسيّة/ الليبراليّة/ الإسلاميّة/ القوميّة). وهي غالبا ما تصف نفسها بالوسطيّة أو بالاعتدال بعيدا عن المغالاة في الالتزام بمنطوق الإيديولوجيا. هذه الأحزاب يمكن أن نصفها بالميوعة الإيديولوجيّة. فهي تغالب المرجع. وتمتنع عن التأصيل. ولا تحتفي بالأساس. فمنها من يعمل بالتلوّن حسب الإطار والظرف. ومنها من يأخذ من كلّ إيديولوجيا بطرف. ومنها من اختار شعارات اتّخذها بديلا عن الإيديولوجيا كشعار التنمية وشعار العدالة وشعار المجد وشعار الإصلاح وشعار الوفاق، وشعار السلم وغيرها… وكثيرا ما يتمّ الجمع بين شعارين أو حتى أكثر بالنسبة إلى حزب واحد.
وعلى كلّ حال، سيرصد هذا الكتاب في مقاله الأوّل المظاهر الأولى للبراغماتيّة السياسيّة التي بدأت تتعالى رؤوسها في المجتمع التونسيّ. وسيناقش في مقاليه الثاني الثالث، الممارسة السياسيّة ذات الخلفيّة الإيديولوجيّة، تلك الممارسة التي سلّمنا بأنّها براغماتيّة، من خلال النموذجين الكبيرين المتعارضين اليساريّ واليمينيّ. أمّا تلك الممارسات السياسيّة الحزبيّة الشعاراتيّة التي تفتقر إلى المرجعيّة الإيديولوجيّة فمجال الحديث فيها ليس هذا الكتاب. كما سيرصد هذا الكتاب نماذج من ملفّات الجدل والتجاذب الإيديولوجيّ التي كانت لها تجلّيات في الشارع التونسيّ محاولا قراءة الخفيّ فيها وتفكيك أبعادها والمستفيدين منها.

وسيستفيد من ترجمة بعض النّصوص المرجعيّة التي قد يكون الاطّلاع عليها مفيدا في هذه المرحلة. بقي أنّه لابدّ من التذكير بثراء المشهد التونسيّ بما يمكن أن ينقال، بعد الثورة. وفي هذا الكتاب، سأبدي الرّأي في بعض ما أتاحه هذا الثراء. وهي أفكاري التي رغبت في أن أتشاركها مع النّاس لتعميق النقاش فيها.

يتكوّن هذا الكتاب من تقديم وثلاثة عشر نصّا. وقد كتب التقديم والنصوص الخمسة الأولى بعد الثورة. وجميعها موجّه لنقد البراغماتيّة السياسيّة بشكل صريح. أمّا باقي النصوص فقد كتبت قبلها بزمن قصير. وأقدمها يعود إلى سنة 2008، وهو التّاسع؛ نصّ “الرّيف والعولمة.. هجرة النمل احتجاجا”. وجميعها يلامس البراغماتيّة بصورة أعمّ. وكلّ النّصوص الإثني عشر المشكّلة مادّة لهذا الكتاب منشورة في تونس وخارجها، في مجلاّت ورقيّة وإلكترونيّة وملاحق ثقافيّة كمجلّة الكلمة الإلكترونيّة اللندنيّة ومجلّة الأوان الإلكترونيّة وموقع رابطة العقلانيّين العرب وجريدة الغاوون البيروتيّة وملحق “منارات” الثقافي في جريدة الشعب وغيرها. والقارئ يمكنه أن يعثر عليها بيسر.

الهوامش:
*  هذه مقدّمة كتاب لي معدّ للنشر يحمل عنوان “الثورة الذكية ومكر البرتقال: ما لا تحبّه البراغماتيّة السياسيّة” ومازال يبحث عن ناشر.
1-  يقول فتحي المسكيني في مقاله الشيّق عن الحاكم الهوويّ: “إنّه صنم أو يريد أن يصبح صنما.وهكذا نحن نخطئ كثيرا عندما نرغب في محاسبة الحكام بواسطة القضاء، ونطنب في الحديث عن ضرورة توفير المحاكمة العادلة لهم. هم وُجدوا وحكموا وسقطوا، وهم يتصوّرون أنفسهم فوق القانون أو هم القانون. ليس ثمة شيء قانوني فيما هو هووي. بل كلّ ما في الحاكم الهووي هي توقيعات شخصية تجعل القوانين نافذة. ولا أقول مشروعة. فهو في قراره لا يؤمن بالشرعية أبدا. إنّها العدوّ اللدود لكل حاكم هووي. الشرعية هي العلامة الكبرى على الإرادة المشتركة للجمهور الذي انتخب أو اختار أو فرض رأيه بكل حرية في ما هو مدني. وهذا بحدّ ذاته جريمة لدى الحاكم الهووي. ليس ثمة في عرفه جريمة أخطر وأفظع من حرية الناس المدنية في الحديث عن أنفسهم، من دون توقيع الحاكم الهووي. أن تصبح لهم أشخاص وشخصيات مدنية حرة خاصة بهم، فهذا خيانة “وطنية”. ولا بدّ أننا عرفنا أنّ الحاكم الهووي لا يعرف معنى مدنيا للوطن إلاّ المضمون الهووي الشخصي الذي يمنحه إياه. الوطن صنم هووي في يد الحاكم الهووي، يفعل به ما يشاء، فهو ملكية خاصة به وبأبنائه أو زوجته أو أعوانه. إنّ الحاكم الهووي هو أكبر علامة على أنّنا ما زلنا لم نخرج من براديغم “القبيلة”، وإن كنّا قد مررنا من قبيلة الدم إلى قبيلة الهوية. وهذا أمر لا يتنافى أبدا مع الإرادة الوثنية للحاكم الهووي: إنّه يقترح على الشعوب برنامجا وطنيا لعبادة الشخصية. وهذا ما كان في مختلف بلداننا، تحت معاجم هووية مختلفة.
وعلينا أن نسأل: لماذا لا يشبع الحاكم الهووي من الحكم ؟ ثمّ كيف تحمّلت الشعوب هؤلاء الحكام الهوويين كل هذه المدة؟ ربما ثمة توصيفات متداولة كثيرة لفهم شخصية الحاكم الهووي. فهي ظاهرة تستحق الدراسة. قد قلنا إنّه ليس حاكما عاديا، لا طاغية ولا دكتاتورا ولا مستبدا، بالمعاني التقنية لهذه المصطلحات. إنّ الحاكم الهووي هو بمعنى ما ضحيّة هووية. إنّه سليل الدولة القومية الحديثة، ولكنه سليل هجين وشخصية بارا-تاريخية، ولقيط ما بعد كولونيالي. ولذلك ينبغي أن نسأل: هل هو مجنون سياسي، نعني هل هو قد جُنّ من الحكم؟ أم مريض نفساني يحمل باتولوجيا هووية من نوع خاص؟ أم هو عرّاف وثني مزيّف؟.. كل هذه التوصيفات لا تعبّر إلاّ عن حيرة. ولا تفي بالغرض.
الحاكم الهووي لا يسمع ما يُقال له، خاصة قبل سقوطه الوشيك. بل ربما (كما في ليبيا)، حتى بعد سقوطه هو لا يستطيع أن يرى. وكل العالم يتعجب من صمم وعمى هذا النوع الغريب من الحكام الذين ابتُلينا بهم. يُقال عنهم من قبل إنّهم براغماتيون وهم حيوانات سياسية خطيرة، وأنّهم زعماء محنكون وقيادات طويلة الأمد. واكتشفنا أنّهم لا يتوفّرون على أدنى ذرائعية سياسية. هم فاشلون في إدارة أزمات حكمهم بشكل لا يُصدّق. ويقعون بسرعة فريسة أعوانهم الهوويين أو بعض أفراد أسرهم. ما يقتلهم هو دوما الهووي والشخصي. الحاكم الهووي لا يشبع من الحكم الهووي. نعني بذلك أنّه في الحقيقة لا يحكم بالمعنى العادي. هو لا يشعر أنّه مكلّف بخطة وطنية أو بوظيفة رئاسية، مضبوطة بوقت قانوني معلوم، يُحاسب عليها أمام برلمان أو شعب مراقب وقادر على محاكمته. بل هو يشعر أنّه هو ضمير هذا الشعب وعقله العمومي وشخصيته العميقة، ومن ثمّ أنّه مادام هذا الشعب موجودا، فإنّه سوف يبقى هو حاكما هوويّا له. هو لا يشعر بأيّ فرق بين وجوده ووجود ذلك الشعب. وهذا التماهي الحادّ المفترض بين شخص الحاكم وضمير الشعب هو السّبب الأكبر في الطابع الهووي لهذا النوع من الحكام. إنّ المشكل في أبدية الحكم في أذهان الحكام متأتّ من التصوّر الهووي للعلاقة بينهم وبين شعوبهم. وهل تريد الهوية بما هي هوية إلاّ المزيد من التماهي مع ذاتها؟”
انظر: فتحي المسكيني: حين خرج الثوّار لصيد الحاكم الهوويّ، مجلّة الأوان الإلكترونيّة، 25 آب/ أغسطس، 2011.
2-  Hall (Stuart) : Representation : Cultural Representation and Siegnifying Practices, Paperback, 1997, p 56. (نقلا عن المرجع الموالي) 
3-  سامي الشايب: من العالم المسطّح إلى العالم المكشوف: قراءة في الثورة التونسيّة والمصريّة، مجلّة الحياة الثقافيّة، عدد خاصّ: الثورة التونسيّة وإعادة التأسيس، العدد 220، فيفري/ مارس، 2011، ص 33.
4-  نفسه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This