“راقص الحبل”

“إنه العشق، مملوء بالرقّة بيد أنه بلا أمل. لكنه العشق الذي يجب أن تمنحه للحبل وذلك سيمنحه القوة ويجعله كحبل من معدن يحمل عبئك. أنا أعرف دهاء الأشياء، أعرف قسوتها، وأعرف شكرها أيضاً، وكأن الحبل ميتٌ، إن أردت أعمى أو أصمّ ـ فتظهر أنت: إنه يحيا ويتكلم، ستعشقه..” بهذه الكلمات يأخذنا جان جنيه في “راقص الحبل” وهو ينثر شعراً عن صديق غادره منتحراً في نصّ ترجمه علي شاكر العبادي عن الألمانية، وهو المترجم الذي يقول “اختلطت شوارع الضياع التي تشرّدتُ فيها مع شوارع جنيه حتى لم أعد أميز بين الإثنين”. جنيه الذي سمح لنفسه بالثورة، فحمل نزق الثوار ومشاغباتهم واعتراضاتهم. ووقف إلى جانب الحقّ الفلسطيني وناصر قضايا الزنوج واقترب من عالمهم وكانت تربطه علاقات صداقة مع منظمة الفهود السود. وخرج على التقاليد الأوروبية والمفاهيم الجامدة وتنقل بين الخروج على القانون وحفلات البذخ النادرة التي كان يسمح بها لنفسه (حين كان يحلّ في فنادق من الدرجة الأولى). وفيما عدا ذلك، فإنّ حجرة الشاعر كانت صغيرة جداً وبلا أمتعة. لا تضمّ سوى سرير وكرسيين، وطاولة للكتابة، ومنفضة دائمة الامتلاء بأعقاب سكائر هولندية، وحقيبة صغيرة وصولجان أصبح جنيه يسير متكئاً عليه بشيء من الغنج ويتفادى المرور بالأحياء التي يعرفه بها الآخرون. جنيه الطفل الذي تخلت عنه أمه الفقيرة وغير المتزوجة وهجرته وهو في الأسبوع الثلاثين، وتبنّته عائلة في مقاطعة “مورفان”. والصبي اللص السجين في إصلاحية “ميتري” بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة والنصف، والمتشرد والفار من الجيش، الذي أصبح كاتبا مشهورا ولم يتوقف عن السرقة. لقد انتمى جان جنيه إلى”لا”ءاته حتى إننا نستطيع القول بأن جنيه هو عبارة عن ردّ فعل رافض لكل من ساهم في جعل ذلك الشيطان يكبر في داخله”. حياة جنيه القاسية المتقلبة وعلى الأخص في فترة الصبا والشباب جعلت منه متمردا رافضا يلبس زي الثوار ويُعجب بما يقومون به، ويأخذ مفهوم الثورة عنده بُعداً وجوديا يؤكد به ذاته عبر لاءاته. فمفهوم الثورة عنده يقترب من مفهوم الرفض، فنستطيع تسمية ثورته بأنها رغبة في التغيير ورغبة عنيفة في الرفض، وهو مفهوم يختلف عن مفهوم الثورة المتعارف عليه، فثورته هي الجانب الرومانسي في الثورة، لكن الثورة كفعل كامل يحتوي على جوانب أخرى غير الرومانسية، تلك الجوانب التي لا تستطيع ثورة ما الاستغناء عنها لأنها نتائج حتمية للفعل هي ما كان جنيه يرفضه بشدة. أتذكر هنا حواراً في سيناريو بين شخصين عن الحبّ والكراهية ينتهي بقول أحدهما “هناك ذئبان يتصارعان في قلب الإنسان، ذئب الحبّ وذئب الكراهية” فيسأله الآخر “أيهما سينتصر” فيجيبه: “منْ تطعمه أكثر هو من ينتصر في النهاية”. وهكذا انتصر لدى جنيه الجانب الرومانسي للثورة. توفّي جان جنيه في باريس في 15/4/1986 ودفن في المغرب بعد حياة صاخبة متمرداً على الجمود والمفاهيم التقليدية التي تحنّط الحياة وتغلق أبواب الأمل بالتغيير. وصف الراحل سعد الله ونّوس “جنيه” قائلاً: ” إنه شديد الثراء، متعدّد الآفاق والمستويات، صاحب عقل متوقد، لا يكفّ عن تأمّل ذاته، وتأمّل العالم حوله”. وفي هذه الرحلة الجديدة من التأمّل يأخذنا جنيه إلى نصين في الكتاب الجديد الذي صدر عن دار كنعان في دمشق مؤخراً بعنوان (راقص الحبل الصبيّ المجرم، وعنوان فرعي يحمل طابع التعليق: تعلمتُ أن أهين من يُهين). النص الأول “راقص الحبل” وهو تجربة شخصية لجنيه مع “عبد الله”، وهو فنان السيرك من أب جزائري وأم ألمانية وقد أنهى حياته منتحراً، وهو ما ترك جرحاً غائراً في أعماق جنيه، أما النص الثاني “الصبي المجرم” فهو حديث كان يراد له أن يذاع في الإذاعة الفرنسية ويتناول قضية المشردين أو من فقدوا ذويهم والإصلاحيات التي تؤويهم، وموقف جنيه من الصبيان أنفسهم ومن معاناتهم وما يعتمل في أنفسهم من آمال وقنوط ومشاعر ورغبات وعذاب. كتب جنيه “راقص الحبل” في الشهر الأول من عام 1957 وهو نص يفيض بالمشاعر الكامنة (يُعدّ نص راقص الحبل إلى جانب جياكوميتي أهمّ نص مباشر كتبه جنيه وتناول فيه الوحدة المميتة والمناطق المظلمة التي يعمل بها الفنان)”1″. يصنّف بعض الكتاب والنقاد “راقص الحبل” ضمن خانة النصوص القصصية رغم أنه لا يحتوي من مقوّمات النص القصصي سوى عنصر السرد فقط. بل إنه يقترب في لغته من لغة الشعر. يقول المترجم في مقدمته “إنها حالة نص أراد لها كاتبها أن تظهر بهذا الشكل وربما هي حالة نص قلقة ومضطربة تستمد قلقها واضطرابها من تلك العلاقة القلقة والمضطربة بين جنيه وعبد الله ونهايتها الأليمة” أو كما قال فريشتمان لصديقته ميشيلسون بأنه متأكد بأن ليس هناك علاقة ممكن لها أن تدوم مع جنيه”2″. وقد كثّف جنيه نصه هذا ليقدمه على أنه نص تجلّي شعوري وُلد نتيجة تجارب حياتية، وتقديمه كنص أدبي تتداخل فيه الأصوات. تتعدد هذه الأصوات فهناك صوت “جنيه” ممثلاً بصوت الراوي وممارسة أناه في ذلك وهو صوت واضح، مشاغب، رافض، فاعل، ثم صوت “عبد الله” الراقص وهو صوت مستلب واقع عليه الفعل. لكنه في الوقت نفسه صوت من يخوض الصراع مع صوت الجمهورـ الآخرـ المجتمع. الذي يحقق للفنان كينونته عبر الاعتراف بإنجازه ولكن الفنان يعلن رفضه له رغم ذلك كما في حالة جان جنيه آنذاك، في رفضه لكل من يحاول أن يتقرب إليه، دفاعاً عن فضاء له يراه بعين التملك من جهة وبدافع من التمرد على الآخر من جهة أخرى. يخاطب جنيه بلسان الراوي “راقص الحبل” فيقول له: ” إذا كان لعشقك ولمهارتك ولذكائك القوة الكافية أن تكشف قدرات الحبل السرية، إذا كانت حركتك كاملة الدقة ومكشوفة فسيجنّ الحبل ليرى قدمك (الملفوفة بالجلد): لست أنت من سيرقص وإنما الحبل ولكن، عندما يكون هذا في كينونته، حبلاً وفي لا حركته يرقص وتكون هذه صورتك القائمة بكل القفزات، فأين تكون أنت؟ إن الموت – هذا الذي أتحدث عنه هنا – ليس هو الموت الذي يتبع سقوطك وإنما هو ذلك الموت الذي يسبق استعراضك. أنت ميت قبل أن ترتقي الحبل. إنه الراقص الميت.” وفي موقع آخر من النص يوجّه الراوي للراقص تحذيراً من (الجمهور): الجمهورـ هذا الذي أوجدك وبدونه لن تمتلك تلك الوحدة التي حدثتك عنهاـ الجمهور هو الثور الذي ستطعنه في النهاية وستمزقه قدرتك الكامنة وشجاعتك طالما أنك تستعرض لا أخلاقية الجمهور؛ في إغلاقه للأعين وأنت تقوم بالحركات الخطرة إنه يغلق الأعين كي يعمى وأنت تلامس الموت”. يقول جان: تعال لينتحر الجسد في الجسد. تعال وابحث عن اغترابك في اغترابي، تعال لننثر الورد على الحبل ونعلقه على الطريق. تعال لنجد في الحبل، الوطن، الوطن، الحبل ما تبقى منك، مني، ولنموء ونيء ذاكرة الراقص. الكاتب. وقبل أن يصل بنا إلى نهاية النص بقليل لا ينسى الراوي أن يسجل تقديره لصورة أبطال السيرك فيقول:”إنكم البقية الباقية من الزمن القديم الرائع، لقد بُعثتم من البعيد جداً، لقد أكل أسلافكم هشيم الزجاج والنار وسحروا الثعابين ودجّنوا اليمام، وبهلوّنوا بالبيض، وكانوا حدثاً لجمع الخيول من أجل التسلية”.
ختاماً، يمضي بنا جنيه في نصه الثاني “الصبي المجرم” إلى تأمل حالة أخرى جديرة بأن تخاض من أجلها بحار العالم، وهي رحلة في تأمل “الشرّ” عبر نص كان جنيه يأمل أن يقرأه عبر برنامج “كارت بلانش” الذي تبثه الإذاعة الفرنسية. لكنه رُفض بعد أن كان مقبولاً في بادئ الأمر. يقول جنيه في مقدمته للنص : كم تمنيت لو سُمع صوت الشرّ؛ وذلك ليس من أجل أن يُلعن الشرّ، وإنما من أجل التعريف به، ولكن لا فائدة من حسن نيتي، وحسن النية تلك ليست من أجل دقة الواقعة وإنما لشيء أكثر من ذلك. إنها من أجل إطاعة اللغة الفجة إلى حدّ ما لأنها وحدها تمنحني إمكانية التعبير عن فورة شعوري وحقيقتي، وفورة شعور أصدقائي وحقيقتهم.     
   
“1” حوار مع ديرياز 1989. حياة جان جنيه ادموند وايت. الطبعة الألمانية.
“2” المصدر السابق ص559.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This