الإسلاميون ومجتمع الخراب (4)

1 . “نهضة” ضد النهضة والتنوير والعقلانية

 من المفارقات العجيبة أن الاسم الذي ارتآه الاسلاميون التونسيون لحزبهم الديني، هو النهضة، بعد أن كان يُسمى في فترة ما: الإتجاه الإسلامي. وهذه التسمية، التي حُذف منها الإسلام تبدو، لمن لا دراية له ببرامج تلك الحركة، ومن لم يطّلع على خطابات مؤسسيها، وكأنها حركة تنويرية عقلانية، وربما علمانية. فالنهضة الأوروبية التي برزت في القرن الخامس عشر، والتي انتشرت من إيطاليا إلى أرجاء أوروبا، كان محرّكها الأساسي فكرة التحرّر الشخصي، وإرادة التخلّص من ضغط سلطة الدين ومنظومته التشريعية على المجتمع والسياسة. إنها القطيعة مع النظام القروسطي، أو ما أسماه أهل النهضة الإيطاليون “القرون المظلمة (secoli bui)” من حيث النظرة للعالم والتصوّر للإنسان[1]. ولقد رفع النهضويون الايطاليون شعار أن الإنسان هو صانع مصيره الذاتي، حسب قولة لاتينية شهيرة (“homo faber ipsius fortunae“)، والتي أصبحت مانيفستو فكر النهضة ومحرّكها الأساسي آنذاك. نجدها مثلا في خطاب بيكو ديلا ميراندولا (P. della Mirandola 1494 – 1463) “في كرامة الإنسان”، حيث قال إن الإنسان هو حرّ، سيّد ذاته وصانع مصيره، بخلاف الكائنات الأخرى التي تقرّر مصيرها منذ الأزل أو بقيت في حالة سكون: «فالحيوانات تستمدّ من بطن أمها ما يلزمها، والأرواح العليا هي من البداية ما ستكونه إلى الأبد. أما أنت، أيها الإنسان، فلَك تطوّر، إنك تنمو وتنبسط حسب إرادتك الحرّة، إنك تحمل في ذاتك بذور الحياة التي لا حصر لها[2]».

الإنسان وحده هو الذي يتحمّل مسؤوليته في تسيير شؤونه الحياتية باستقلال عن أية قوة متعالية. لقد وُضِع «في وسط العالم لكي يرى على نحو أفضل ما يجري فيه … العالم لم يُخلق من أجل الإنسان … الشياطين التي كان يَخافها إنسان العصور الوسطى ألقت بنفسها في الجحيم ومعها الصليب الذي كان مكرّسا لحمايتها. العالم أضحى من جديد عالما وثنيّا، الإنسان استعاد كرامته الإغريقية، تَرَكَ وضعيّة التّائب المُستغفِر، لم يعد يَعيش جاثيا على رُكبتيه[3]». ولقد تولّدت عن هذه الحركة قفزة علمية جديدة وإعادة إحياء لكنوز العالم الكلاسيكي التي غالبا ما تجاهلها أو كفّرها اللاهوت القروسطى، فازدهرت البحوث الفيلولوجية وفنون الطباعة التي أتاحت للجميع الإطلاع على تلك الذخائر واستكشاف مخزونها الانسانوي العظيم[4]. وقد ذهب أحد مؤرخي الفلسفة الإيطاليين (كوادري “G. Quadri“) أن هذه النظرة التحرّرية اللائكية (قبل الكلمة) والتي قَطَعت مع التصور الديني القروسطي للكون والإنسان، كان من بين المساهمين فيها فيلسوف قرطبة الكبير: ابن رشد. قال بأن فكر ابن رشد كان مثالا رائدا لهذا الفصل بين المجال الديني والمجال العملي السياسي، والمتصفّح لكتاب التهافت، وكتاب التلخيص على جمهورية أفلاطون وشَرحه على أخلاق أرسطو، يستطيع أن يحدس تلك النزعة التحررية. فابن رشد على حدّ قوله «لم تكن لديه ولو نظريّة واحدة تتوافق مع التعاليم اللاهوتية لمختلف الأديان المُنزّلة: عالَمُه قديم خالد. إلهه ليس هو بالتأكيد إله الأديان، وإنما استكمال خالص للحياة الكونية. فكرة خلود النفس هي بالنسبة إليه مجرّد رمز، لأن النفس، بما هي فردية، والعقل بما هو شخصي، يَفنَيان بِفَناء الجسد. قيامة الجسد هي استعارة رمزية. العِنياة الإلهية هي شيء مشكوك فيه. النبوة يفسرها بأسباب طبيعية. وبالأخص فهو لا يؤمن بقدرة الله المطلقة[5]». 

ومع ذلك فإن ابن رشد، في رأي كوادري، لا يحتقر الإيمان الشعبي، فرغم اسناده للدين محتوى رمزيا يرى أن هذا المحتوى يمكن أن يمثّل أحيانا، آخر حبل خلاص يلجأ إليه الإنسان للحصول على شيء من اليقين[6].

إن الإنسانوية الرشدية تتمظهر، حسب هذا المؤرخ، في قولة شهيرة لابن رشد ـ كثيرا ما استشهد بها روّاد النهضة الأوروبية ـ وردت في كتاب “تلخيص الحس والمحسوس”: « يا قوم! إني لستُ أقول إن حِكمَتكم هذه الإلهية أمر باطل؛ ولكن أقول إني حكيم بحكمة إنسانية[7]» وقد علّق هذا المؤرخ قائلا: « إن الإنسانية الجديدة، التي أيْنَعت في عصر النهضة، وُلِدَت مِن هنا[8]».

 النظام الديمقراطي الغربي المعمول به حاليا، هو في رأي الغنوشي، مُتولّد من « ذلك التصوّر الإنساني (Humaniste) الذي قدّمته فلسفة عصر النهضة والإصلاح الديني[9]». إلاّ أن هذه النهضة، بكل أبعادها الإنسانوية العميقة وبكل استتباعاتها السياسية، لم تُحقق أي شيء يُعتدّ به، ولم تُحرّر الإنسان من أغلاله أو تُقدّم به نحو الإزدهار والرخاء. لقد بَقِيت دائما قاصرة، وقصورها، لم يكن متولدا جراء أساباب مادية واجتماعية، بل لأسباب دينية ميتافيزيقية. فالنهضة الأوروبية أخلّت، حسب زعمه، بالتوازن «في شخصية الفرد بين مطالبه الروحية والمادية، وفي تحقيق التوازن بين مصالح الفرد والجماعة». والسبب في ذلك، كي نعود إلى ما بدأنا منه ونكرّر نفس الفكرة، يَكْمن تحديدا في فلسفة النهضة، أي في روح تلك الثورة وفي حامِلها الإيديولوجي. إذن، الفكرة مستقرة والإدانة ثابتة: الغرب لا قيمة له، وابداعات عصر النهضة التي يَتَباهى بها فاسدة، وعقلانيته وتنويره مرفوضان من الأساس. إن خلل النهضة الأساسي، في رأي الغنوشي، مُتأتّ «من تصوّر تلك الفلسفة سواء في صيغتها الإصلاحية الدينية التي كرّست الفصل بين العقل والرّوح، والروح والمادة، الدين والحياة ومحاولة المحافظة على توزيع السلطة بين الله وقيصر[10]». يجب التنبيه، على أية حال أن ما يورده الغنوشي هنا بخصوص الاصلاح البروتستانتي، لا يعتمد على أي توثيق ولا يَذكر صاحبه أي استشهاد بأي مرجع تاريخي أو لاهوتي، وأظن أن رأيه هذا خاطئ ولاتاريخي.

إن دأب الإسلاميين هو هكذا: رَمي الكلمات وإلقاء التّهم دون دليل أو حجة، وكأن القرّاء العرب مصابون بداء الجهل، أو أنهم عاجزون عن التثبت من أقوالهم وإجرائها على محك العقل والتاريخ. لم يكتف الغنوشي بهذه الفكرة العمومية الغير مدعّمة، بل إنه أسند أيضا جملة تلك المساوئ إلى أعز ما تفتخر به البشرية، أعني عصر التنوير. فالنهضة تبقى دائما قاصرة لأنها بصيغتها التنويرية «ألّهت العقل وخلقت دينا ماديا فرديا». وهذا في نظر الرجعيّين والمتديّنين من جميع الملل، هو أعظم المخاطر، لأن العقل مهما عَظمت قدراته الاستكشافية ومهما غاص في أغوار الكون واستجلى قوانينه، يبقى بالنسبة إليهم قاصرا على ادراك جوهر الأشياء، ويجب لجمه كي لا يتعدّى الحدود التي رسموها إليه. إن ابداعات الحداثة التي انتجتها العقلانية والتنوير، علاوة على نقصانها واخلالها بالدين، فهي شيطانية لأنها حينما أطلقت «العقل من عقاله يجوب الآفاق ويستكمل مسيرة المعرفة ليوظفها في كثير من الأحيان توظيفا إبليسيّا في إشباع أهواء التسلّط والمتعة الآثمة … فقد أطلق في الآن ذاته الغرائز المحمومة دون ضابط ولا رادع ..أو في صيغتها المادية الماركسية أو النازية التي كفرت بالله والكنيسة والحرية لتحلّ محلها آلهة جديدة هي الإنتاج والطبقة والحزب والزعيم والدولة[11]».

افتحوا أي كتاب اسلاموي، واختاروا أي اسم يتبادر في ذهنكم (البنّا، المودودي، الندوي، سيد قطب، عمارة، القرضاوي، البوطي) فستجدوا نفس البضاعة، وكلٌّ يُقلّبها ويُلوّنها ويَجترّها بحسب أسلوبه وطبقا لطاقته التعبيرية، لكن الفكرة (الاختزالية جدا) قارّة لا تتبدّل. إلاّ أن الإسلاميين قد فاتهم أن هذا الارتكاس ضد العقلانية والتنوير، ضد الماركسية والمادية، كان قد سبقهم إليه الفاشستيون النازيون، وورثتهم من اليمينين المتطرّفين المحدثين. ويكفي الإطلاع على أدبيات الفاشستيين ومُنظّري النازية منذ الثلاثينات من القرن العشرين حتى نَتثبّت من أن ردّة الفعل الرجعية ضد العقلانية أتت من أكثر الناس عنصرية وأشدّهم حقدا على الحرية، وأكثرهم مَقتا للطبقة الشغيلة. إن الموقف المعارض العقلانية التنويرية والمناهض للمثقفين الكونيين (intellectuels universalistes) لم يكن موقفا منعزلا في أوروبا ما بعد الحرب الأولى (خصوصا في ألمانيا وإيطاليا) بل كان خيطا واصلا بين جميع التيارات الرجعية المعادية للشيوعية والموالية للإمبريالية وللإكليروس. فيلسوف النازية، آلفريد روزمبرغ (A. Rosenberg)، قال إن الروح الآرية الجرمانية على عكس الشعوب الأوروبية الأخرى، لم يُصبها الوهن والفساد جرّاء تلك النزعة العقلانية المجرّدة، الجافّة والمخرِّبة. إن الروح، بمعنى العقلانية الكلية، أصبحت مع هتلر أمرا بائدا[12]. وتقريبا على نفس هذه الوتيرة، يتهم توماس مان (T. Mann) القوى الديمقراطية الغربية أثناء الحرب العالمية الأولى، بأنها عقلانية « معادية للميتافيزيقا»، ولا تملك إلاّ « محض ثقافة ذرائعية»؛ إن تنوير أوروبا الغربية ـ هكذا يقول توماس مان ـ وسياسة العقل والتقدّم الليبرالي هي من جوهر عدمي[13]. كارل ياسبرس نفسه، بعد الحرب اعتبر الليبرالية الغربية « لاميتافيزيقية». أحد المفكرين الموالين للنازية سومبرت (Sombert) يقول بأن « الروح الألماني روح ميتافيزيقي»، في مقابل العماء أمام بُعد “التعالي” والتحجّر العقلاني الذي يُميّز الأنجلوسكسونيين واللاّتين. وهذا الإدعاء بالتفرّد الميتافيزيقي ليس بغريب عن زعيمهم نيتشه، الذي كتب في مولد التراجيديا، أن الفكر الألماني هو فكر ميتافيزيقي بالأساس واتهم المفكّرين الأحرار بأنهم ينشرون « التصوّر الليبيرالي المتفائل الذي له جذور في تعاليم التنوير والثورة الفرنسيّة، أي في فلسفة ليست هي بألمانيّة على الإطلاق، بل لاتينيّة أصلا، سطحيّة ومناهضة للميتافيزيقا[14]».

الثابت هو أن هؤلاء المفكرين يحقدون على فكرة “العالمية”، “الشيوعية”، أو “الفكر الإلحادي الحرّ”. هايدغر نفسه يرى في الشيوعية وفي إلحادها، قمة صيرورة الحداثة التي قضت على الخصوصات التاريخانية للشعب نظرا لأن «دون إله، دون آلهة لا يمكن أن يُوجَد دازاين تاريخي». وفي أواخر الثلاثينات كتب “الفيلسوف” الفاشستي الإيطالي، يوليوس إيفولا (J. Evola) كتابا جمع فيه هذه الأفكار الرجعية أسماه “التمرد على العالم الحديث”، وحمّل فيه العقل والتنوير المسؤولية على انحطاط الحضارة، في الوقت الذي كان سيّده، موسليني الذي يرفع في بلاده شعار “الله والوطن والأسرة (Dio, patria, famiglia)”، وهو شعار ليس بِغَريب عن النزعة الدينية ككلّ، يُنكّل بالليبيّين ويُقتّلهم بالجملة. إن ايديولوجيي الاسلام السياسي لا يختلفون قيد أنملة عن اليمينيّين المتدينين العنصريّين في الغرب من حيث نقدهم للعقلانية والتنوير وتهجّمهم على الحداثة والدولة المدنية. لقد جَلبت النهضة الأوروبية والعقلانية التنويرية، حسب الغنوشي، كل أشكال الطغيان والتسلط الداخلي والخارجي، وهي في أساسها وبالا على البشرية (رغم بعض النجاحات الطفيفة) وأكثر وبالا في العالم الميتافيزيقي الوهمي الذي يؤمن به الإسلاميون ويُرعبون به الناس، أي على حد عباراتهم التجريحيّة «النار وبأس القرار، العذاب الخالد في الجحيم». كيف لا وتلك الحداثة هي، كما يقول الغنوشي بِلُغَتِه الخطابية الدينية: «الثمرة الطبيعية للإنسان المتمرّد على الله الطامح للحلول محلّه. قد تَستعيد البشرية في ظلّه يوما سعادة المُخدَّر المخمور لتَشقَى دهرا، وقد تَعرف الابتسامة طريقها في ظلّه إلى فرد أو آحاد أو حتى شعب ليَنوح مئات الملايين .. قد تُضيء أسلاكه بعض الطرقات لتمتلي القلوب ظلمة وتعاسة .. قد تَعبُر نفاثاته القارات وصلا لتُغِير عليه نفاثاته وصواريخه الناقلة للدمار قطيعة محقة .. إنه النبات المسموم الذي تحدث عنه القرآن (كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما، وفي الآخرة عذاب شديد) أو هو شجرة الزقوم التي ولئن كثرت ثمارها وأزينت فما تزيد الجائعين إلاّ عذابا ونكدا[15]». أنا أرى أن هذا الخطاب، علاوة على خوائه الفكري وسطحيّته النظرية المفزعة، فهو لا يَرقى إلى خطاب المُنظِّر السياسي الرصين بل هو خليط من التهديد والوعيد، وخطابة دينية جوفاء، ليس لها أدنى علاقة بالحريات ولا بالديمقراطية المُزمَع البحث فيها.

 2. كلّنا كفار. كلّنا سابحون في الزندقة

 لقد أعرب المفكّر التونسي محمد الطالبي، في مقابلة تلفزيّة مُوزّعة منذ مدّة في عديد مواقع انترنت، على رأي أذهل التونسيين في صراحته وحدّته. نبّه الغنوشي في البداية من الدعوة إلى العنف وقال بالحرف «إيّاك إياك والدعوة إلى العنف. قُل ما شئتَ لكن العنف لا مُبرّر له». هذا الرجل ـ أضاف الطالبي ـ يقال إنه تطوّر من الرفض الكلي للديمقراطية إلى الدعوة إلى الديمقراطية. لكن الطالبي يشك في ذلك، لأنه يعتبر “دعوته إلى الديمقراطية غير صادقة”. ما السبب في ذلك؟ يُجيب: لأن الغنوشي «سلفيّ والسلفية والديمقراطية لا يلتقيان أبدا». أرى أن الطالبي لم يكن مُجحفا تماما في حكمه هذا وربما لديه اطّلاع على أطروحات الغنوشي والتيار الإسلامي، وعلى معتقدات السلفية عموما، وهو الرجل ذو الثمانين ونيف. أين الأدلة على سلفية الغنوشي؟ هل من دليل واحد؟

هناك عشرون دليلا. فلو عدنا إلى البداية، أي إلى أكثر من ثلاثين سنة إلى الوراء لوجدنا السّلفية تَفعل مفعولها في تصوّره لمناهج التعليم، وفي كيفية تكوين ذهنية المتعلمين الشبان في المعاهد التونسية. لقد دعا صراحة إلى مَحو مادّة الفلسفة من التعليم، لأنها مخالفة لتعاليم الإسلام وتُلقّن الشباب الكفر والزندقة[16]. ففي مقال له بعنوان “برامج الفلسفة وجيل الضياع” نُشر في مجلة “المعرفة” سنة 1973، شنّ حملة على المادة التي تخصّص فيها ويُدرّسها آنذاك في المعاهد، أعني الفلسفة، على الشكل الوهابي السلفي، مُطالبا بمحوها وتعويض نصوص أعلامها بنصوص السلفيين التكفيريين من أمثال المودودي والندوي وسيد قطب. قال إن «درس الفلسفة ليغدو ـ إذا لم نُحدّد انتماءنا الثقافي ـ ليس عديم الفائدة في علاج ما نُعانيه من مشكلات فحسب، بل عنصر تخريب وتدمير وتشتيت في ميدان النفس والمجتمع[17]». أي أن طالب الفلسفة لا ينبغي عليه أن يكون دافعه الأول هو حبّ الإطلاع والغوص في الاشكالات الفلسفة وتاريخها والإلمام بمختلف تعاليم الفلاسفة؛ لا يجب عليه أن يُروّض فكره على فنّ الجدل والنقد العلمي وأن يتمعّن في مفارقات زينون الإيلي، هذه أمور فاضلة ولا معنى لها. ينبغي على الطالب، على العكس من ذلك، أن يُموقع نفسه منذ البداية بِثِقَل موروثه الديني ثم يبحث عن حلول وفقط عن حلول عملية، وتلك الحلول، مهما كان الأمر، يجب أن تُقيَّد في إطار مرجعي خاص، وتَلتزم بما يسمح به الدين الإسلامي. إن هوس الرجل هو الدين ولا شيء آخر غير الدين (الدين الإسلامي في لونه السلفي الوهابي طبعا)، أما باقي الابداعات البشرية فلتذهب إلى الجحيم. ولو أن هذه الهجمة الشرسة على الفلسفة بقيت محصورة في إطار النقاش العلمي بين أهل الإختصاص فإن الأمر سيكون هيّنا، لكن ككل الإسلاميين أنزلوها إلى الساحة العامة، وساحتهم العامة هي المساجد فحرّضوا أتباعهم ومواليهم من الأيمة لكي يشنّوا حملة مسجدية «تركزت سواء في الحلقات التي تديرها جماعة التنظيم أو في الخطب الجمعية للتشهير بالفلسفة التي “تُهوّد وتُنصّر جيل أبنائنا”[18]».

كيف لا يَنضمّ السلفيون إلى هذه الحملة والفلسفة ممنوعة في وكر الوهابية التي تسير على هدي فتاوى ابن تيمية الذي كفّر الفلاسفة وقذفهم بالجهل والوثنية واعتبرهم أشد كفرا من عرب الجاهلية. إن درس الفلسفة، حسب الغنوشي، «ليس عديم الفائدة في علاج ما نُعانيه من مشكلات فحسب، بل عنصر تخريب وتدمير وتشتيت في ميدان النفس والمجتمع، وهذا هو الحال الذي عليه نحن الآن». الفلسفة الغربية كلّها فاسدة ولا يمكن أن نُنجّي ولو فكرة واحدة منها. قولة ماركس بأن الدين هو أفيون الشعوب، تَصدُق على كل الأديان ما عدا الإسلام. فعلا قولة ماركس تلك، حسب الغنوشي، خاطئة وصادقة، خاطئة بالنسبة للإسلام وصادقة في حق كل الأديان الأخرى، لأنها « وليدة وضع معين للدين في المجتمعات الأوروبية حيث كانت الكنيسة تتعامل مع الاقطاع وتَصرِف الشعب عن الثورة على الظلم[19]». أما نظرية التحليل النفسي الفرويدية فأمرها هيّن للغاية، إذ يَكفي معرفة أصل وفصل مَن ابتدعها حتى يَتجلّى فسادها بالكامل. التحليل النفسي هو مجرّد «انعكاس لنفسيّة يهودي مضطهَد في مجتمع مسيحي يَنظُر باحتقار إلى الغريزة الجنسية». تدريس الفلسفة كما هو معمول به في جميع المعاهد التونسية، بالنسبة للغنوشي، هو زجّ بتلاميذنا «في واد الضياع والحيرة والتبعية الثقافية[20]». إن حقد الغنوشي على الفلسفة ـ أعظم انتاجات العقل البشري ـ أدّاه، كما أدّى التّيميّين الوهابيين، إلى نَفي وجود فلسفة اسلامية، بحيث إنه لا يَذكرها إلاّ لكي يردفها بعبارة الفلسفة “المدعوّة إسلامية”، ومختارات النصوص الواردة في الكتاب المدرسي التونسي هي حسب عباراته التحقيرية «لا تصلح إلاّ أن تكون أكفانا يُكفن بها الأموات[21]».

والسبب في ذلك هو أنها مجرد نظريات متشعّبة ومجموعة من الاشكلات التي لا يصلح بنا أن نطّلع عليها لأنها من باب العلم الذي لا ينفع، قاعدة في الفقه الإسلامي. «لست أدري ـ يتساءل الغنوشي ـ ما الهدف من دراسة المادة، فهل هو مجرّد جَعْل تلامذتنا يعرفون المشكلات التي كانت تشغل المسلمين في القرن الثالث والرابع والخامس؟ … ما الذي يهمّنا نحن المسلمون المُتخلّفون المهزومون… أن نعرف موقف المعتزلة من صفات الله هل هي قائمة بذاته أم هي شيء زائد عن الذات، ثم موقف ابن رشد من الكون هل هو قديم أم محدث ورأي ابن سينا في النفس وخلودها». إن هذه المسائل، حسب النظرة السلفية الوهابية، لا تُفيد في شيء لأنها “جدل عقيم” لم يأت الإسلام ليُذكِيه، بل، وهذا رأيي، لإخماده ولتكميم الأفواه، وزجر العقول عن التفكير مرّة واحدة وإلى الأبد، لأن الوهابية السلفية قدّمت الحلول لكل المشاكل. فعلا «ألم يأت الاسلام ليُقدّم للناس حلولا عَمَلية لما يتخبّطون فيه من مشكلات؟ فأين هذه الحلول فيما دُعي جورا الفلسفة الإسلامية؟». إن هذه السلفية تترائى كما قلت من بعيد، منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، فالرجل ينصح بالقضاء على أعزّ ما أنتجته الحضارة العربية، التي يسميها بعباراته التحقيرية “أكفان”، ويقترح «أن تُعاد هذه الأكفان إلى قبورها ويُوارى التراب على هذه المشكلات الزائفة وكفاها ما أحدثته في تاريخنا من اضطرابات وفِتن وحروب وتشتّت[22]».

البديل الذي يقترحه الغنوشي، على أنقاض الفلسفة، هو التربية الاسلامية، وليس كل تربية إسلامية بل السلفية الوهابية في أشرس معانيها. بَدَل نصوص فلاسفة الإسلام العظماء، بدل نصوص الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والقاضي عبد الجبار، يجب إدخال نصوص «محمد إقبال وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي والشيخ حسن البنا وسيد قطب ومحمد قطب ومالك بن نبيّ[23]». مَن كانت له ذرة ريب في سلفية الغنوشي، فإن هذا النص والأفكار الواردة فيه، قادرة أن تُقشع شكوكه بلا رجعة. ولقد اعترف في التسعينات بأن السلفية هي منهجية حزبه السياسي، وتتمثل في أمرين «الأوّل: اعتبار أن الملزم بالنسبة إلى المسلم هو نصوص الكتاب والسنة من دون تأويل متعسف أو تعطيل جائر. واعتبار العقل ليس منشئا للحكم الشرعي، وإنما كاشف عنه.

الثاني: الإيمان بشمولية الإسلام: طولا: كل زمان، وعرضا: كل البشر، وعمقا: كل خاصيات الإنسان وطموحاته في عالمي الغيب والشهادة. ضرورة العمل المنظم من أجل تحويل المنهج الإسلامي إلى نظام فعلي للحياة والحضارة[24]». ليس هناك من سلفي لم يقل كلاما من هذا القبيل. قد يكون محمد الطالبي قد اطلع أيضا على مقاطع من كتابات الغنوشي، واضحة وصريحة في إشادتها وتمجيدها للسلفية، لا بل إن الغنوشي ادّعى، قياسا على مثالين أو ثلاث ناشزين، أن حتى أعداء السلفيّة أنفسهم: «لا يكادون يعثرون خلال تنقيبهم في التراث على مواقف تحرّرية في مجال الاقتصاد أو المرأة والفن وغيرها أعمق وأجلى وأغزر من مواقف الموغلين في السلفية أمثال ابن تيمية وابن القيّم، وابن حزم، وهو زعيم المنهج السلفي بامتياز … وكان على هؤلاء أن يُذعنوا للحقيقة التي كشف عنها تاريخ الحضارة الاسلامية، تلك التي أعلن عنها الفكر الإسلامي المعاصر، ألا وهي أنه لا تجديد إلاّ في إطار السلفية[25]».

3. السلفية في السياسة

الغاية الأساسية التي يرمي إليها جَمهرة الإسلاميين، بمختلف أطيافهم، هي الاستحواذ على السلطة والتفرّد بالحكم، والاستمساك به والعظ عليه بالنواذج. وفي هذا الإطار فإن تصريح الطالبي ينطبق على مشروع الغنوشي السياسي ونموذج الحكم الذي يطوقه. الدولة الإسلامية المنشودة، ليس لها دستور مكتوب ومُقنّن من طرف هيئة مختصة ومنتخبة ديمقراطيا: دستورها هو القرآن والسنة، «أي نص الوحي ـ كتابا وسنة ـ قطعي الورود والدلالة .. وهي الدستور الأعلى للدولة الاسلامية[26]». الحاكم في هذه الدولة التي يرغب إنزالها الغنوشي وجماعته في مجتمع القرن الواحد والعشرين بتونس الثورة، لا يستمدّ مشروعيته من صناديق الاقتراع ولا من برنامجه السياسي والاقتصادي بل «من قبوله الكامل الاحتكام إلى شرع الله بلا أدنى منازعة ولا رغبة في مشاركة[27]».

وعلى هذا الأساس فإن الحاكم ليس هو بحاكم في حقيقة الأمر، الحاكم الرئيسي هو «النص الاسلامي كتابا وسنة»، أو مَن يتكلمون باسمه من فقهاء ومنظّرين اسلاميين. النصّ القرآني مبدئيا هو الحَكم الأعلى وهو بالفعل السلطة «التي لا تعلوها سلطة وهو القاعدة الكبرى التي قام عليها المجتمع الاسلامي، بل هو السلطة المؤسسة والمنظمة للجماعة والدولة والحضارة .. منه يستمد الحكم الاسلامي فلسفته وقيمه وأشكاله وتشريعاته وغاياته ومقاصده .. فهو الحَكم الأعلى وكل من سواه محكوم به وتابع له. إن النص هو الشريعة الثابتة التي لا تتبدّل[28]». لماذا نُضني أنفسنا، إذن، ولأي شيء نُتعِب أذهاننا ونَهدر طاقاتنا لتحرير دستور عام وشامل تلتزم به مؤسسات الدولة ومختلف سلطاتها؟ إن إنشاء دستور مدني مُلزِم، هو حسب طرح الغنوشي، هرطقة، إن لم يكن كفرا وخروجا عن الدين. الدستور في حدّ ذاته، هو أمر فاضل ولا لزوم له لأن نصّ الوحي كتابا وسنة هو دستور البلاد، ويعلو «على كل سلطة أخرى تشريعية أو تنفيذية، وهو سند كل سلطة ومبرر كل طاعة يطلبها الحاكم[29]».

الحاكم في هذا المجتمع اللادستوري لا يُحاسَب على أي شيء يصدر منه ولا يُنظَر إلى ما حققه من انجازات مدنية، ولا إلى كيفية تسييره دواليب الحكم وترسيخ الحريات ونشر العلم والثقافة، بل كل ما يهمّ هو أنه يُطبّق ما نص عليه الفقهاء من أحكام شريعة العذاب والتنكيل. ويمكن لهذا الحاكم أن يستمرّ على سدّة الحكم مدى الحياة، وأن يُولّي ابنه أو أخاه كوليّ عهد بعده، إذا ما التزم بتعاليم الفقهاء وعذب الناس بالقصاص الهمجي الانتقامي. ولا يَحقّ لأي أحد، لا حتى الفقهاء أو الشعب (الأمة بلغة الإسلاميين) أن يُحوّروا ولو حرفا واحدا من الشريعة عملا بالقاعدة الفقهية: «لا اجتهاد في مورد النص[30]». وكل ما خالف النص يجب أن يُرمى به “عرض الحائط”. المجتمع ومؤسسات الدولة (إن كانت هناك دولة) يجب أن تتحوّل إلى كتلة هلامية من السلفية الوهابية ومن طالبان، وواجب الجميع هو الخضوع للقرآن والسنة، أي تنفيذ الشريعة بحذافيرها «ووضع المتعالي في سياق التاريخ ووصل الالهي بالبشري، وصبغ الحياة بصبغة الله[31]». الدولة الاسلامية، بكل سلطها التنفيذية والتشريعية والقضائية، المنشودة التي كانت قد أبرمت عقد الولاء مع الله وطاعته لا يُسمح لها «بأن تخرج قيد أنملة عن نطاق الشريعة، لأن الشريعة، بلغة القانون الدستوري، هي السلطة التأسيسية الأصلية للجماعة والحكومة، فلا يمكن لغيرها أن يتناولها بالإلغاء أو التعديل .. بل إن أوامر الحاكم إنما تستمد شرعية الخضوع لها من موافقتها لتلك الشريعة[32]».

هذا تحذير آخر من بين التحذيرات المتعددة التي يطلقها الغنوشي في خطاباته للحكّام والمحكومين على حد سواء: الحكّام كافرون أو فاسقون إن لم يلتزموا بالشريعة، والمَحكومون آثمون إن تمرّدوا «على تلك الأوامر الملتزمة بدستور الدولة (الشريعة)[33]». وعلى الرغم من هذه الديكتاتورية الدينية الخانقة، فإن الغنوشي، وجموع الإسلاميين، لا يتورّعون عن التحدث على سيادة الشعب واعتباره مصدرا للقانون. كيف لمن أحكم القبضة على الحكام والمحكومين أن يتحدّث عن سيادة الشعب وهو الذي سحب من الجميع أي دور في التشريع، وحظر عليهم تقرير مصيرهم بأنفسهم ولفّ على عنقهم حَبل الشريعة؟ النص، كما يقول السلفيون على بكرة أبيهم، قاطع الدلالة في أن لا حكم إلاّ لله والأحاديث تأتي لتؤيد هذا التوجه[34]. أصول الحكم ليست من صنع الإنسان ولا هي ناتجة عن اجتهاده الشخصي، بل هي «صادرة عن الله، نطقت بها أو تضمّنتها نصوص القرآن والسنة .. وأن الاحتكام إليها والتسليم بها ليس واجبا وحسب بل هو حدّ فاصل بين الإيمان والكفر .. على اعتبار ذلك أثرا مباشرا للإعتقاد الإسلامي بأن الله خالق كل شيء وأنه مالك الملك بلا منازع وأنه الأعلم بما يصلح عباده، وأن الإنسان ليس صاحب حق أصيل على نفسه أو على غيره، وإنما هو مُستخلف أو وكيل. فهو ليس صاحب الأمر والسلطة العليا التي لا تنازعها سلطة وإنما هو صاحب حق في سلطة محكومة بسلطة التشريع الأعلى الصادرة عن الله[35]». مرّة أخرى مَن كان لديه شك في سَلفيّة الغنوشي فإن هذه الأفكار كفيلة بمفردها أن تُقشّع عنه بقايا شكوكه.

وكفيلة أيضا بأن تبثّ مشاعر الإحباط والرعب في قلوب أهل المجتمع المدني، وتدعوهم للحيطة مِمّن يزعم التزامه باللعبة السياسية وباحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وإذا به يتلو عليهم برنامج الثيوقراطية السلفية. لأن ما يقوله الغنوشي هنا لا يلتقي بتاتا مع الديمقراطية، وكلمة الطالبي أصابت عين الحقيقة. لقد حوّل المسألة السياسية من مسألة اختيار نظام الحكم بحرية إلى مسألة إيمان وكفر، إسلام وجاهلية. إذ ليس أمام الشخص « إلا أن يجتهد في مرضاة ربّه وعباداته وفق ما جاء في ميثاق الاستخلاف كما ورد في الوحي كتابا وسنة، فينسلك في صف المؤمنين، أو يرفض ذلك فهو في عداد الفاسقين الظالمين الكافرين[36]». كل دولة مدنية هي دولة كافرة، وحكّامها ورعاياها هم كفرة، والاسلام يعرف كيف يتعامل مع الكفار في الداخل: القتل، وفي الخارج الغزو. إنها إيديولوجيا التكفير والهجرة سيئة الصمعة التي نشرها وبثها سيّد قطب من خلال كتابه معالم في الطريق وتفسيره في ظلال القرآن. وفعلا هذا هو المرجع الأساسي الذي رجع إليه الغنوشي لكي يؤكد فكرة التكفير والهجرة. إن المسألة يقول سيد قطب ـ الذي يستشهد به الغنوشي ـ هي «مسألة إيمان وكفر أو إسلام وجاهلية أو شرع وهوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله لا يُحرّفون منه حرفا ولا يُبدّلون منه شيئا، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله .. وإنه إما أن يكون الحكّام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يأذن به الله فهم الكافرون الظالمون الفاسقون … وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله فهم مؤمنون وإلاّ فما هم بالمؤمنون ولا وسط بين هذا الطريق أو ذاك. فالله رب الناس يعلم ما يصلح الناس ويضع شرائعه لتحقيق مصالح الناس الحقيقية[37]». الغنوشي، يرى أن موقف سيد قطب، هو موقف قديم اعتمدته الخوارج، على أساس حكمهم في مرتكب الكبيرة بالكفر. لكن الازدواجية تفعل مفعولها هنا مرة أخرى كما هي دأب الإسلاميين، إذ أنه وبعد أن قرّر صراحة بأن المسألة هي مسألة صراع بين الإيمان والكفر، الإسلام والجاهلية، يحاول تخفيف هذا الخيار، وتلطيف التهمة بإرجاعها إلى الظلم والفسق، كما ذهب إلى ذلك جمهور أهل السنة، حسب زعمه.

ثم يعود ويقول إن انعدام الحكم بما أنزل الله هو ظاهرة خطيرة جدا لأنها «تمرّدٌ عن سلطة الشريعة بناء على تصور آخر للكون والإنسان والحياة يقوم على استقلالية الإنسان عن خالقه “التصوّر اللائكي” الدهري[38]». عدنا إذن إلى نفس لهجة التكفير للمخالفين والقذف بالإلحاد، وهو أمر لا يختلف فيه عن منظري الإسلام السياسي، من سلفيين ووهابيين وتكفيريّين من معتنقي أطروحات سيّد القطب التي يستشهد بها في هذا الموضع، قيد أنملة. فالشريعة تبقى هي الشريعة، بكل ما تتضمّنه من عقوبات واذلالات وتنكيل فضيع بالإنسان وحط من كرامته، وهي المنظومة الوحيدة التي يجب أن تُطبّق في الدولة الإسلامية، أما حقوق الإنسان وحرية اختياره لمنهجه السياسي، ورفضه لعذابات الشريعة، فهي أشياء مستوردة من الغرب الكافر لا ينبغي أن تكون لنا نموذجا للمدنية والحضارة.

4. ولاية الفقيه وتدمير الدولة المدنية

 إن نموذج الحكم الذي يروم تحقيقه الغنوشي يقوم على الطاعة لله ورسوله ولأولي الأمر، أي الطاعة العمياء للشريعة، وللعاملين عليها من فقهاء، وتنصيب هؤلاء كمشرّعين يختارون صوريا، وفي دائرتهم الضيّقة، مَن يحكم الرعية. إنه النموذج الإيراني لولاية الفقيه الذي دمّر ذاك الشعب وأدخله في حكم ثيوقراطي أتى على مقومات الدولة المدنية ونَشَرَ الرعب في قلوب الناس. أولِي الأمر الذي ينبغي على الشعب طاعتهم في رأي الغنوشي، وبحسب ما استقاه من التراث الفقهي العتيق، «هم الفقهاء الذين يمتازون بالحصافة وعمق الدراية والاخلاص لدين الله، وهم الذين عرفوا بالاجتهاد وسماهم الأصوليون في ما بعد بأهل الحل والعقد، وهم المقصود بجماعة المسلمين في حديث حذيفة ابن اليمان “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم”، وهم العلماء الذين وعدوا بأنهم لا يجتمعون على ضلالة “لا تجتمع أمتي على ضلالة” وإذا اجتمعوا على بيعة إمام صارت طاعة على كل المسلمين لأن شرعية طاعته متفرّعة من أهل الإجماع كمصدر من مصادر الشريعة[39]». إن ما يَتبقّى للمواطنين، في نظام فقهي نخبوي من هذا القبيل، هو الطاعة، وفقط الطاعة العمياء، لأن تقرير مصيره يتكفل به غيره: يتكفل به في الدرجة الأولى زمرة الفقهاء ووجهاء البلاد «الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إن اتفقوا على أمر وحكم وجب أن يطاعوا فيه[40]». إن هذه العصابة المدعوّة أهل الحل والعقد بمَعيّة أصحاب المناصب العليا في الدولة، طاعتهم واجبة، لا بل إنهم حسب ما يقوله الفقهاء الإيرانيون وحسب عبارات محمد عبده في تفسير المنار، هم “معصومون”، ولا يبقى للمواطنين الضعفاء (الرعية القاصرة المغلوبة على أمرها) إلاّ «طاعتهم [طاعة عصبة أهل الحل والعقد] بلا شرط[41]».

أين هي الديمقراطية، أين السيادة الشعبية، أين هو الدستور، أين الانتخابات الحرة؟ ذهبت كلها سدى. المشرّع، حسب تناقضات الغنوشي ومفارقاته، هو الأمة، ولكن بالاسم فقط، لأن التشريع الأصلي، نُعِيدها ألف مرّة «هو لإرادة الله كما تجلّت في نص الوحي كتابا وسنة … ذلك أن قصد الخلود لهذه الشريعة الخاتمة اقتضى اقتصار نص الوحي على تقرير المبادئ العامة المنظمة للعلاقات البشرية في التفاصيل والجزئيات». المواطنون، الرعايا في الدولة الإسلامية، لم يبق لهم إلاّ الحثالة من التفاصيل التافهة، هل تُحلق اللحية والشارب؟ هل تَلبس المُنقبة القفّاز في اليدين؟ هل يرتدي الرجال القميص أم السروال؟ هل يجوز للمرأة قيادة السيارة بمفردها دون محرم؟ في هذا الاطار الضيق جدا والتافه للغاية، فليتنافس المتنافسون، والكل أحرار في أن يتناقشوا وينتقدوا خصومهم ويفنّدوا آراءهم ويأتوا بكل الحجج لصالحهم. لكن الرعيّة ليس لها اطلاقا أن تتدخل في ما لا يعنيها: ممنوع عليها أن تُفَكّر يوما ما في مناقشة شريعة العذاب «كالنص على عقوبات بعض الجرائم الكبرى وبعض المسائل المتعلقة بالأسرى مما له مساهمة في وضع الإطار العام للمجتمع الإسلامي[42]». المحقق والثابت هو أن الحاكمية، يقول الغنوشي مُستَمدّا هذا المصطلح من المودودي وسيد قطب، تبقى دائما «للشريعة: للقانون: الوحي وما تسنّه الأمة من قواعد وأحكام في إطار النص ومقاصده[43]». إنها عمليات خلط للمصطلحات، وتَعتيم للمفاهيم: الحاكمية القطبيّة توازي سلطة التشريع الدستورية؛ الشريعة، أو الوحي، هي القانون المدني. لكن اللعبة تنكشف سريعا، بل الغنوشي نفسه هو الذي يكشفها. فهو يُصوّر لنا أمة عالم الإسلام الوهمي على أنها أمة متصوفة في اتصال مباشر مع الله، لا بل «تنظر بنور الله ورؤاها هي جزء من النبوة، فالحَسن ما رأته حسنا[44]». كيف لا « ومدارك الإنسان نفخة من روح الله هي الأخرى كالشريعة؟». لكن هذه النفحات الصوفية لا تسمن ولا تغني من جوع لأن الإنسان في ظل هذا الحكم الثيولوجي الخانق لا يملك من أمره شيئا، لا عقله مستقل بذاته ولا تشريعه حرّ، بل هو في قصور ذهني دائم وفي عبودية مطلقة لشريعة تُنكّل به في حياته كاملة، وينبغي عليه أن يصمت ويصبر ويتحمل العذاب والاهانات وإلاّ فإنه سيحكم عليه بالردة يعني أن يُقطع رأسه في الساحة العامة. أليست استفزازات لمشاعرنا الإنسانية أن يأتينا الغنوشي بعد كل الاتهامات التي ألقاها على الدولة المدنية وعلى حرية الإنسان، ورفضه للمواطنة، أن يقول لنا بأن «المسلمين هم أوّل أمة في التاريخ قالت إن الأمة هي مصدر السلطات» أو أن في النظام الإسلامي «خُصّص للأمة وإرادتها مكان أرقى مما يمكن أن تناله في نظام ديمقراطي مهما كمل»، أو أن المسلمين «قد قرّروا، قبل أن يظهر روسو وأمثاله ليتكلم عن الإرادة العامة ويمجّدها: أن إرادة الأمة معصومة وأنها من إرادة الله وجعلت مصدرا للتشريع[45]».

لم نسمع، ولم نقرأ أبدا في كتابات روسو أنه زعم أن الإرادة العامة معصومة وأنها ملتحقة مباشرة بإرادة الله. إن الغنوشي يذكر الفلاسفة الغربيّين من ديكارت إلى روسو وكانط، دون أن يتثبت من أقوالهم أو يستشهد بنص صريح يدعّم به أفكاره. فروسو لم يقيّد الإرادة العامة، التي هي إرادة مواطنين متساوين ولا رعية مستعبدين، بشريعة تعذّب المواطنين وبحدود انتقامية لاإنسانية. لكن عند الإسلاميين من أمثال الغنوشي فإن تلك الإرادة لها أن تتوسع في أي شيء ارتأته من الملهيات السطحية إلاّ المساس بالشريعة، إلاّ المناقشة والتشكيك في “الكتاب والسنة” أي تقريبا في كل شيء. الغنوشي يسمح مرة أخرى لنفسه بأن يلعب بالمصطلحات ويوازي بين الشورى والديمقراطية البرلمانية، أي أن ينتخب الشعب نوّابا عنه يمثلون إرادته ومشيئته. تلك النخبة البرلمانية ـ عصبة أهل الحل والعقد ـ لا ينبغي أن تتكون من كل المواطنين بل فقط من مجموعة من الرجال الفقهاء، ذكورا لأن المرأة في الإسلام لا هي مخوّلة للحكم، ولا قادرة على الفتاوى والاجتهاد. هذه الجماعة الممثلة للأمة هي بصريح عباراته «مخصوصة لا تخرج عن علماء الشريعة ممن بلغوا درجة الاجتهاد[46]».

هذه هي لبّ الازدواجية والتناقضات والمفارقات الرهيبة التي يَسبح فيها الغنوشي والاسلاميون عموما، ولا نعجب من ذلك لأن الدين نفسه مبني على المفارقات والتديّن السياسي هو مفارقات مضروبة في عشرة. إن نظرة الغنوشي السلفية للدولة ولأسس الحكم لا تخرج عن أطروحات أعلام السلفية العالمية ومنظريها، أعداء البشرية الذين لازال يعاني منهم العالم العربي الويلات إلى يومنا هذا. لقد نشروا الرعب والفساد والعنف والتخريب والتجهيل، وغسلوا أدمغة الناس وروّعوهم بعذاب القبر والجحيم، وهدّدوهم بالجلد والبتر والرجم، وأطلقوا لهم فتاوى الذباب وبول البعير ورضاعة الكبير التي جعلت العالم الإسلامي محلّ سخرية أمام الأمم المتحضرة. إن نصوص المودودي وسيد قطب وجمهرة السلفيين هي المصنفات الكبرى التي يستمد منها الغنوشي أفكاره ويَستوحي منها نظرياته. بخصوص الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الهيئة التشريعية من أهل الشورى فهو يعود إلى المودودي حيث اشترط هذا الأخير أن يكونوا كلهم مسلمين. يعني منذ البداية نحن إزاء دولة عنصرية اقصائية، بحيث إنه «لا يتولّى الأمر في الدولة الاسلامية إلاّ المسلمون الذين يوقنون أن الدستور الاسلامي هو الحق، ويؤمنون بما جاء في الإسلام من الشريعة، فأولو الأمر الذين يجب طاعتهم يجب أن يكونوا من المسلمين[47]».

الحكام والمشرّعون يجب أن يكونوا مسلمين أقحاح. وهذا أمر لا جدال فيه بالاعتماد على الآية الصريحة (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). هذا هو عماد الدولة الاسلامية ومبدؤها المؤسس أما الباقي فهو حثالة لا قيمة لها البتة، تُترك لزعماء الأحزاب والنقابات وغيرهم من “المؤسسات المدنية”، وإلى المواطنين من الدرجة الثانية من الذمّيين يمكن السماح لهم بتقلّد بعض «الوظائف في أجهزة الدولة، والتواجد في المؤسسة الشورية[48]». إلاّ أنه لا الأحزاب ولا النّقابات ولا مؤسسات المجتمع المدني، من جهة، ولا أهل الذمة من جهة أخرى مسموح لهم بالتحرك بحرية، لأن الأوّلين ملزمون باتباع النظام العام أي «الطبيعة الاسلامية للدولة»، والثانين ليس لهم من بُدّ في إعطاء الولاء الكامل (دون تردد أو تحفظ) للدولة الاسلامية وبالتالي ينغي عليهم أن «يعترفوا ويحترموا هويّتها الاسلامية». وعلى أية حال فإنهم سيكونون، قَطعاً، مهما كثُر عددهم «أقلية في حكم إسلامي يقوم على أكثرية إسلامية[49]». ومُهمّة المسلمين هي طاعة حكامهم الطغاة، وخصوصا أمير المؤمنين «ونوّابه ممّن يقومون على إنفاذ القانون الاسلامي»، ذلك لأن طاعة المسلم لحكامه هي في جوهرها طاعة لله، صاحب الشريعة، «طاعة يستحق عليها ثوابا»، أما إذا تجرّأ على التمرد على ذاك الحاكم أو الثورة ضده وضد تلك الشريعة القاسية، فهو آثم، يخاطر بحياته وبماله وعرضه[50].

 الدولة الإسلامية، على الشكل السلفي الوهابي، التي يروم تحقيقها الغنوشي هي الجحيم على وجه الأرض، إنها خليط مُركّز من مجتمع الخراب والعذاب الذي يَتمنّى المرء أن لم يوجد في هذه الدنيا لكي لا يذوق مرارته، وإذا وُجد فهو يتمنّى أن يكون مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو كنفوشيا لكي يحافظ بكدّ على حياته ويتفادى التنكيل به. المخرج الوحيد للمسلم الذي يكره شريعة الارهاب هو أن يتحوّل إلى المسيحية أو إلى أي ديانة أخرى، مهما كانت، حتى تلك التي تَعبد الحجر والشجر والثعابين والخنافس، إلا الاسلام، إلا شريعة الانتقام. لأن الغنوشي سمح في دولته للجماعات غير المسلمة «أن تحتفظ بخصوصيات تشريعية تقوم عليها محاكم خاصة بها[51]». لكن هيهات. لو كان الأمر بهذه السهولة لتحوّل المسلمون أفواجا وجماعات إلى الديانات الأخرى ولَمَا بَقي في دار الاسلام إلا مجموعة من السّاديين الذين يَحلو لهم تعذيب أنفسهم. إلاّ أنّ سيف الردة مُسلّط على الجميع، وأصحاب الضمائر والحس الانساني السليم هم حقا في “عنق الزجاجة”، ولن يبقى أمامهم من حل إلا الهجرة، إن استطاعوا إليها سبيلا، أو الإنتحار، أو الثورة المسلحة.



[1] انظر: إرنست بلوخ، فلسفة عصر النهضة، دار الحقيقة ـ بيروت 1980. حسب رأي بلوخ «لأسباب اقتصادية، تقع بدايات هذا التطوّر في إيطاليا. في هذا البلد، كان العالم القديم الوثني الذي كَبَتَه المجتمع الوسطوي لا يزال يحتفظ بما يكفي من الحضور ولا يزال يشغل حيّزا من الذاكرة بحيث أمكن عقد الصلة مع تقليد العالم الوثني، وهو عالم أرضي جوهريا». ص، 42.

انظر أيضا:

P. O. Kristeller, Renaissance Thought and the Arts. Collected Essays, Princeton University Press, Princeton (N. J) trad., it, Id, Il pensiero e le arti nel Rinascimento, Donzelli, Roma 1998, pp. 3-75.

[2] ذكره إ. بلوخ، فلسفة عصر النهضة، م. س، ص، 44.

[3] إ. بلوخ، فلسفة عصر النهضة، م. س، ن. ص.

[4] E. Garin, Medioevo e Rinascimento, Laterza, Bari-Roma 2005 (5), pp. 190-194.

[5] G. Quadri, La filosofia degli arabi nel suo fiore, Edizioni La Vita Felice, Milano 1997, p. 386 – 387.

 

[6] G. Quadri, La filosofia degli arabi nel suo fiore, ibid, p. 387.

[7] ابن رشد، ابن رشد، تلخيص الحس والمحسوس. تح. عبد الرحمان بدوي، ضمن: أرسطوطاليس في النفس، الكويت ـ لبنان 1980. ص 224. هذه القولة مأخوذة من محاورة الدفاع لأفلاطون.

 

[8] G. Quadri, La filosofia degli arabi nel suo fiore, p. 387.

[9] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 96.

[10] الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ن. ص.

[11] الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ن. ص.

[12] Cfr, D. Losurdo, La comunità, la morte, l’Occidente. Heidegger e l’ideologia della guerra, Bollati Boringhieri, Torino 1995 (rist. 2001), pp. 64-65.

[13] D. Losurdo, La comunità, la morte, l’Occidente. Heidegger e l’ideologia della guerra, p. 120.

[14] فريدريك نيتشه، مولد التراجيديا، الأعمال الكاملة، ميونيخ، 1999، ص، 773. 

[15] الغنوشي، الحريات العامة، ن. م، ص، 97.

[16] انظر، عبد الله عمامي، تنظيمات الإرهاب في العالم الإسلامي. أنموذج النهضة ، الدار التونسية للنشر، 1992، ص، 77 وما بعدها.

[17] راشد الغنوشي، مقالات، منشورات حركة الاتجاه الإسلامي، 1984، ص، 12.

[18] عبد الله عمامي، تنظيمات الإرهاب في العالم الإسلامي. أنموذج النهضة، ن. م، ن. ص.

[19] راشد الغنوشي، مقالات، منشورات حركة الاتجاه الإسلامي، ن. م، ن. ص.

[20] راشد الغنوشي، مقالات، منشورات حركة الاتجاه الإسلامي، ن. م، ص، 13.

[21] ن. م، ن. ص.

[22] ن. م، ص، 14.

[23] ن. م، ن. ص.

[24] راشد الغنوشي، العناصر الفكرية المكونة للحركة الاسلامية بتونس، ضمن، الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987، ص، 307.

[25] راشد الغنوشي، الحريات العامة، ن. م.

[26] راشد الغنوشي، الحريات العامة، م. س، ص، 97.

[27] ن. م، ص، 101.

[28] ن. م، ن. ص.

[29] ن. م، ن. ص.

[30] ن. م، ص، 102.

[31] ن. م، ص، 104.

[32] ن. م، ن. ص.

[33] ن. م، ص، 105.

[34] ن. م، ص، 98 ـ 99.

[35] ن. م، ص، 99.

[36] ن. م، ن. ص.

[37] ن. م، ص، 99 ـ 100.

[38] ن. م، ص، 100.

[39] ن. م، ص، 110.

[40] ن. م، ن. ص.

[41] ن. م، ن. ص.

[42] ن. م، ص، 119.

[43] ن. م، ص، 120.

[44] ن. م، ن. ص.

[45] ن. م، ص، 120 ـ 121.

[46] ن. م، ص، 125.

[47] ن. م، ن. ص.

[48] ن. م، ص، 26.

[49] ن. م، ص، 125.

[50] ن. م.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This