الحياة تقول لا، يا أدونيس!
المقدّس..
كلّما قوي إصرارنا على رفضه وإعلان الكفر في وجهه إلا تلبس خطابنا بصورة فيها الكثير من السخرية والاستهزاء معلنا عبوديتنا لسطوة السماء . انظر أيها الشاعر العظيم كيف يغمز بعينه من نافذة الرسالة شامتا مبتسما بوقاحة من استدرج خصمه لعشق التوحد النادر في الوحي والإلهام، ضاحكا ملء صوته ومقهقها بلفظ الرسالة ..رسالة أدونيس . وقد تساءل الخبثاء كشأن أهل قريش أنه شاعر أو ساحر أو مجنون .
لماذا نفكر النهايات والموت والعدم بلغة الرسالات . كثيرا ما يتساءل الناس حين يكتشفون أن أحدا منهم انتحر هل ترك رسالة. ماذا قال وكيف تصرف قبل موته أو انتحاره . تراث هائل لسبر أغوار الموت . معتقدات وتصورات غاية في العجيب المدهش والساحر الخلاب وهم يكتشفون حدسه أو تستره على موت كان قاب قوسين أو … البارحة زار كل العائلة وتسامح مع الأعداء قبل الأصدقاء . صفّى حساباته المادية والمعنوية …وفي الصباح مات أو انتحر …الجميع مصر على البحث في كل الزوايا لجمع ما يمكن أن يعتبر رسالة . وحتى لو كتب رسالة فلابد أن يتكلف الآخرون وهم دائما لمثل هذه الأمور مستعدون لإضافة رسائل توضح المحكم والمتشابه.
إنهم في الحقيقة يحاولون إثبات قدرتهم على فك شفرة الموت بمعنى قدرتهم على إدراك الأسرار التي تجعلهم في نظر الآخرين فئة خاصة اصطفتها قوى علوية وألهمتها بما يعجز عنه الإنسان العادي. وقد نتساءل لماذا هذا الاهتمام بالسقوط أو الموت عوض التفرغ للحياة أو الثورة والتفكير في عيشها بصخب جنوني في عيش الفرح والحب والمتعة واللذة والجمال والتحرر من أسر الموت الاستبدادي أو ما شاكله . إنهم يبحثون عن نبوّتهم في موت الآخرين على تخوم النهايات وينشغل الجميع بالبحث عن جمل أو عبارات في رسالات –كتب ومقالات …- سابقة تلمح من قريب أو بعيد بنبوءة الثورات العربية إشارة من هنا ومن هناك تبين حجم الخسارة التي عشناها لأننا لم ننتبه إلى إشارات أنبيائنا الجدد.
هكذا هي أنظمة الاستبداد التي تراهن على القتل والموت لكي تستمر وتحيا . وكثير من المثقفين العرب فكروا أو كتبوا رسائل إلى المستبد العربي والمواقع الالكترونية تشهد على الكم الهائل من الرسائل إلى مبارك أو القذافي وبشار وصالح … .انظروا كيف أصبحنا أمة الرسائل المسكونة بوهم أو حلم المعجزات. أولياؤنا هؤلاء يتحسسون بركاتهم وقدرتهم على المس والصد والتشبه بالغزال أو بالطائر الأسود في إرجاع الشمس واستحضار الموتى ودفع الرئيس إلى الرحيل .هل يكفي أن نعلن كفرنا بهذا الإرث الميت الثقيل حتى نستحق شرعية الدفن والحداد .ما الذي جعل محمد يعلن رسالة عيسى وباقي الأنبياء دون أن يكتفي بها ويوحد الشعوب . والشيء نفسه لم يفعله عيسى ولا غيره .فكيف لبشار أن يعتزل النبوة ويأخذ برسالة أدونيس التي كانت موجهة إلينا أكثر مما قصد صاحبه( أسلم تسلم) . وهو يقول – الرئيس – بعد قراءة الرسالة ربنا إننا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا لا يغفر الذنوب إلا أنت … .ثقافة الولي تنسي الشاعر حكيه حول عسر ولادة الديمقراطية التي تتطلب شروطا تاريخية واجتماعية اقتصادية وإرادة سياسية واعية بفاعلية الإنسان في صنع تاريخه الأرضي بما يحقق سعادته في عيش إنسانيته .
تأتي الرسالة بلغة الرسالات حلما بقصب السبق في وضع اليد على التحول النوعي والتغيير الديمقراطي .. تأتي الرسالة كأسطورة عصا موسى لتقلب أو تشق صدر الحاكم العربي وتعظه بحجم الخسارة والعذاب وسيل الدماء لعله يكفر برسالة البعث الاشتراكي ويأخذ برسالة البعث بملاك رقمي هو أدرى بالمفرد بصيغة الجمع كأنه ينسخ الخمر من الاجتناب إلى النهي والتحريم . ليس سرا أن يفكر الغرب في لغة عالم التخويف والشياطين والشر والإرهاب حيث أبدع المستبد العربي في لغة المتآمرين والمندسين فهو يعلم أكثر من غيره بعقلية ثقافة المعجزات أو ما سماه عن حق طرابشي عقلية سبات العقل.
يمكن للأضرحة والكهوف والينابيع المائية وبعض القبور ورسائل الكتاب والشعراء والسياسيين …أن تأتي العجائب والخوارق وأن تطوي الأرض والسماء وتكسر الزمان بنوع من التجريب السردي الواقعي عكس متخيل الرواية الفني . ثقافة دينية تضمر الجهل والعجز وتبحث لتفسير واقعها و فعلها خارج إرادتها .حيث يمكن لرسالة أو للعاب ولي معتوه أو دعاء في أخر الليل أن يضمن الصحة والمال والفرح والسلطة والجاه ونجاح التغيير والديمقراطية وحيث يمكن أيضا لطائر أجرب أو حيوان أعضب القرن أو لمرور امرأة …أن يزيح الإنسان من فئة المحظوظ ويزج به في فئة المنحوس.
ثقافة المنقذ المنتظر والأشباح والشياطين والجن والمندسين والمتآمرين أعداء الله ونساء السحر و القبور أخوات الشياطين في فتنة المؤمن الذي يقسم صباحا ومساء بالنفس اللوامة والأمارة بالسوء …الذي كلمته في كلمة الله وهي العلا. والذي وضعه هكذا بعد أن يقرا الرسالة لن يقول أكثر من( ادونيس…) متذكرا مسيلمة الكذاب الذي أتاه الوحي من تحت جبل الضعف بعيدا عن كعبة القوة للات والعزى و منات الثالثة الأخرى.
ورسالة أدونيس لا تختلف عن الرسالة الدينية فهي مليئة بالوعد والوعيد والشتم والتهديد بإنزال أقسى وأقصى العذاب وأشكال مختلفة من اللعنات والسخط إلى درجة التبرؤ من الآخرين ووصمهم باقدح الأسماء الموجبة للقتل أو الهدر إنهم أهل شرك وكفر ودار حرب حل فيهم الجهاد ولا شان لهم بالصراط المستقيم أو الديمقراطية بلغة رسالة ادونيس( أليس هكذا ينسج الغرب شرقه في وصفنا بأننا أعداء الديمقراطية والعالم الحر ممتطيا صهوة سطوته وسيطرته وهيمنته في تدمير أروع الحضارات والملايين من بني الإنسان …) .رئيس ابتلاه الله بحزب البعث وبشعب أناسه في تخلفهم أو غيهم يعمهون. وفي ثنايا الرسالة يبشر أدونيس بنبي سيأتي بعده ويملأ الدنيا عدلا وحبا وقصيدة جماعية بلا رأس.
