غرباء في ساحة حقوق الإنسان!

في طريق العودة من لقاء مع الأصدقاء نهاية الأسبوع 25 جوان الجاري، وعند مفترق شارع محمد الخامس (بالعاصمة التونسيّة) توقّفت بدافع حب الاستطلاع لرؤية ما يدور في الاعتصام السلمي الذي انطلق منذ الخامس عشر من الشهر نفسه بـ”ساحة حقوق الإنسان” تحت شعار “اعتصام المصير”.

تجوّلت بين مجموعات مختلفة من الشبان والشابات والكهول لم يتجاوز عددهم الخمسين فردا تقريبا، بينهم أطفال. كان بعضهم وسط خيام صغيرة من ذلك النوع العائلي الذي يستعمل في الشواطئ. طالعت عددا من الشعارات والفقرات المكتوبة بخطوط بارزة. كانت معظمها شبيهة في مضمونها بالشعارات التي رفعت خلال اعتصامي “القصبة” الأول والثاني. استقلال القضاء ومحاكمة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق التونسيين أثناء الثورة، تحرير الإعلام و التمسك بتاريخ الانتخابات والمطالبة بتقديم ضمانات في ذلك. طبعا توجد مطالب جديدة من قبيل الدعوة لإقالة وزيري الداخلية والعدل في الحكومة المؤقتة الحالية.

أثناء هذه الزيارة الفجئية القصيرة بلغتني أصداء شعارات وأغان تنبعث من وسط حلقة كبيرة من الشبان. اقتربت للإنصات متوقّعا مشاركة المجموعة شيئا من المتعة في ليلة صيفية رائقة، غير أنّني سرعان ما تراجعت إلى الوراء وتسمّرت في مكاني من المفاجأة، مكتفيا بوضع يدي خلف ظهري، ومتأمّلا باستغراب ملامح الشباب الذين تخمّروا عند ترديد أنشودة “غرباء”.

كانت الأجساد والأصوات تتجاوب في انسجام بما جعل المشهد أشبه بحلقة من المتصوّفة وبدت علامات الانتشاء والرضا على وجوه الشباب وهم يردّدون الأنشودة بإيقاعها الحزين حتّى لا أقول الجنائزي:

 غرباء غرباء غرباء غرباء /
غرباء ولغير الله لا نحنى الجباه /
غرباء وارتضيناها شعارا للحياة /
إن تسأل عنّا فإنّا لا نبال بالطغاة /
نحن جند الله دوما دربنا درب الأباة /
لن نبال للقيود بل سنمضى للخلود /
فلنجاهد ونناضل ونقاتل من جديد /
غرباء … هكذا الأحرار في دنيا العبيد /
كم تذاكرنا زمانا نحن يوم كنّا سعداء /
بكتاب الله نتلوه صباحا أو مساء.

تورد الكثير من المواقع أنّ المنشد الأوّل لهذه الأنشودة الشهيرة هو واحد من الشباب السلفيين الجهاديين الذين حوكموا في قضايا لها صلة بأمن الدولة المصرية. ويعرض فيديو نادر موجود على موقع “يوتيوب” كيف انطلق ذلك الشاب بعد سماع حكم الإعدام في ترديد هذه الأنشودة من داخل القفص. يقدّم الفيديو تحت عناوين من قبيل مشهد مؤثر، مشهد أبكى المسلمين، إلخ وغالبا ما يكون مصحوبا بالدعاء “أن تكون حياتنا مثل حياة هؤلاء الغرباء وذلك تيمّنا بالحديث النبوي الذي يقول ” بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا مثلما بدأ فطوبى للغرباء”.

قلت أنّني ووقفت مستغربا رؤية أولئك الشباب وهم يردّدون تلك الأنشودة والحقيقة أنّني تألمت جدّا لحالهم. فهم في مقتبل عمر يفترض فيه أن يقبلوا على الحياة بشغف وسعادة. أن يعيشوا عصرهم بانفتاح وتحدّ. أن يؤمنوا بالاختلاف والتنوّع. أن يمتلكوا رؤية حديثة متطوّرة لتدبير شؤونهم في اعتصام المصير الذي هبوا له، أن يكونوا أعلم بأمور دنياهم كما جاء في الحديث النبوي، لا أن يردّدوا بشغف وحماس والتذاذ أنّهم غرباء. ليستنسخوا بعقلية سلفية، جامدة صورة النبي وصحابته في بداية الدعوة للإسلام.

كنت أتمنى أن أتوسّط حلقتهم لأسألهم بمرارة: هل تدركون حقيقة معاني وخلفيات وأبعاد هذه الأنشودة الدّينية؟ غرباء أنتم؟ بين من؟ غرباء وسط كفار قريش كما كان النبي محمد في بداية الدعوة؟ غرباء في جاهلية القرن العشرين وفي مجتمع الكفر الذي ينكر الحاكمية للّه بعبارة “سيد قطب”؟ كيف لهؤلاء الغرباء الذين يباهون بفضلهم وتفوّقهم العقائدي عن بقية الناس أن يدافعوا حقا عن استقلالية القضاء؟ أي قضاء؟ القضاء المدني أم محاكم تطبيق الشريعة؟ لو دافع من سبقهم من السلفيين المتشدّدين على مبادئ حقوق الإنسان ومنظومات التشريع الوضعي ومن بينها رفض عقوبة الإعدام لما أعدموا أصلا ولعوّضت لهم العدالة الانتقالية التي جاءت بها الثورات العربية في تونس ومصر حقوقهم التي سلبت منهم.

كنت مندهشا حقا ومتألّما، كيف تنقلب المعاني والقيم داخل هذا التفكير السلفي المنغلق. فالغربة التي يسعى الإنسان المتوازن لتجنّب آلامها تصبح مطلبا وغاية ومتعة لدى هؤلاء، بل إنّهم هم الغرباء/الأحرار في دنيا العبيد كما تقول الأنشودة. لا تتساءل هذه الأقلية، وهي كذلك من حسن الحظّ عن الأسباب الموضوعية لعزلة تفكيرها وتخلّفها التاريخي عن زمانها وعزوف الناس عن خطابها، لأنّها تعتبر أن وجودها القليل دليل نبوي ورباني على أنها على الطريق الصائب والصحيح.

ينسى هؤلاء الشباب السلفيون أن الساحة التي يعتصمون فيها تسمّى “ساحة حقوق الإنسان”، أي إنسان مهما كان دينه ولونه وفكره، لا ساحة الغرباء وحدهم.
ولا أظنّهم يعرفون أن هذه الحديقة تسمّى بين الشباب التونسي “حديقة الحبّ” حيث يتلاقى المحبّون صباحا مساء ويوم الأحد في ظلال الأشجار الوارفة. حديقة للحبّ وليست حديقة لتغذية نوازع الكره والعنف. حديقة للائتلاف والتقارب والتحابب لا حديقة للنبذ والكره والتلذّذ المريض بالاغتراب داخل الوطن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This