فلسطين كمشكلة فلسفية

1-

 ولذا قررت أن أضحي بنفسي من أجل الحقيقة..

 “جان جاك روسو”

أكاد أراهن على أنّ مسألة فلسطين هي مسألة فلسفية قبل أن تكون سياسية. إذا كانت الفلسفة تعني بالدرجة الأولى البحث عن الحقيقة والاعتراف بها بل والغرام بها، فإن فلسطين هي بدون أدنى شك مشكلة فلسفية. كل الفلاسفة الكبار كانوا مولعين بالحقيقة إلى حدّ الوله، كلهم كانوا مستعدّين لأن يموتوا من أجلها، من أجل أن يلمحوا شعاعها، وجهها الساطع..إنها عشيقة العشيقات، حبيبة الحبيبات..ومشكلة فلسطين والحقيقة صنوان. بهذا المعنى أعتقد بأنها مشكلة فلسفية قبل أن تكون سياسية. وأنا أقولها بالفم الملآن : إذا كانت فلسطين قد شغلت العالم كله رغم أن مساحتها لا تتجاوز الخمسة وعشرين ألف كيلو متر مربع فذلك لأن الحقيقة هي التي اغتصبت فيها قبل الأرض. أو قل إن ما اغتصب فيها كان أهم من الأرض ذاتها : إنه مفهوم الحق والعدل. أقصد المفهوم المقدس الذي يمسك الكون والذي إذا ما انتهك بشكل صارخ فان ذلك يؤدي مباشرة إلى اختلال العالم. .من هنا خطورة المسألة الفلسطينية وديمومتها. ورغم أن اليهود هم من أذكى شعوب الأرض وأكثرهم دهاء ومكرا، ورغم أنهم يعيشون الآن عصرهم الذهبي ويتربعون على عرش العالم، رغم أنهم يصولون ويجولون وتنحني أمامهم الرؤوس والهامات، إلا أنهم فشلوا في اغتصاب الحقيقة ونجحوا في اغتصاب الأرض! والدليل على ذلك أن مشروعية دولة إسرائيل مهزوزة حتى في نظر المتعاطفين معها. الجميع يعلمون أنها دولة غير شرعية حتى ولو تظاهروا بالعكس. وهنا تكمن مشكلتهم أصلا. ولن يكتسبوا الشرعية أو المشروعية إلا إذا رضيت ضحيتهم عنهم. هنا تكمن قوة الضعيف! هنا تكمن قوة الحقيقة المستباحة. أميركا بكل عظمتها وجبروتها عاجزة أن تفعل لهم شيئا فيما يخص هذه النقطة. لا كنغرس ولا من يحزنون..وحده شعب فلسطين المغلوب على أمره قادر على أن يمنحهم صكوك الغفران…حتى عباقرتهم عاجزون عن طمس الحقيقة الفلسطينية رغم كل براعتهم في اللف والدوران، والتخريجات والاستنتاجات… وهنا يكمن العزاء الوحيد ليس فقط للفلسطينيين والعرب وإنما أيضا لكل محبي الحقيقة في العالم. فالحقيقة قد تطمس قليلا، قد تحجب كثيرا، قد تدكها وسائل الإعلام الجبارة دكا، لكنها لا تموت. القوة قادرة على كل شيء ما عدا قتل الحقيقة. كلما قتلتها نبتت من تحت الأنقاض كطائر الفينيق.. هل هناك عزاء أجمل من هذا العزاء؟ هناك حقيقة في هذا العالم! نعم هناك حقيقة، وصامدة صمود الجبال! وكل قوى البغي والعدوان عاجزة عن محوها. جان جاك روسو عندما كانت تحتدم المؤامرات حوله وكل عمليات التشويه أو محاولات القتل المعنوي والجسدي كان يستنجد قائلا : يا إله الحق والعدل! وكان يشعر بالارتياح. كان يعتقد بأنه يوجد شيء اسمه حق أو عدل في هذا العالم رغم كل شيء.. كان يعتقد بأن الأجيال القادمة سوف تنتصف له من كل الاضطهادات والملاحقات المتواصلة التي تعرض لها. ولم يكن مخطئا. فقد انتقمت له أجيال الثورة الفرنسية وما تلاها أجمل انتقام. ولا تزال ذكراه حية حتى هذه اللحظة. لا يزال اسمه محفوفا بأشعة من نور..
ولكن مأساة فلسطين تطرح قضية أخرى لا أستطيع تعميقها هنا رغم أهميتها وخطورتها. وهي تتلخص في السؤال البسيط التالي : لماذا يوجد الشر في العالم؟ لماذا عندما نكون عائشين هانئين بين أهلنا وذوينا تنزل على رأسنا فجأة صاعقة أو مصيبة؟ ثم لماذا تنزل على رأسنا وليس على رأس غيرنا؟ كان يمكن لدولة اليهود أن تقام في أوغندا أو الأرجنتين.. لماذا ينتصر الشرّ أحيانا على الخير، والباطل على الحقّ؟ ثم لماذا ينتصر الحقّ في نهاية المطاف؟

 2-

برنار هنري ليفي:

فيلسوف حقيقي، أم سياسي محترف؟

كثيرا ما يتحدثون في الغرب عن بعض التحريفيين الذين ينكرون مجزرة اليهود على يد النازية ويستنكرون ذلك بقوة، ومعهم الحقّ. لا ينبغي الاستهانة بما حصل لليهود من مجازر وملاحقات على يد النازيين والفاشيين. ولكن لا أحد يتحدث عن التحريفيين اليهود أو غير اليهود الذين ينكرون اغتصاب فلسطين شبراً، شبرا، وتشريد شعبها منذ عام 1948 وحتى اليوم. والآن عندما تقرأ الجرائد الأوروبية تجد أحياناً في الباب المخصص للشرق الأوسط العنوان التالي : الأراضي. فتتساءل: أراضي من؟ ثم تفهم من خلال قراءة المقال أنهم يتحدثون عن الضفة الغربية! ولكن لماذا لم يقولوا: الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ لأنهم لا يعتبرونها فلسطينية بكل بساطة.. ولا محتلة!… أليس هذا تحريفاً؟ أليس هذا إنكاراً للحقيقة والتاريخ؟ فلماذا لا يسن البرلمان الفرنسي قانوناً يمنع إنكار الحقيقة الفلسطينية مثلما سن قانوناً يعاقب كل من تسول له نفسه إنكار المحرقة اليهودية؟

بل وصلت الأمور برئيس فرنسي سابق (هو فرانسوا ميتران) إلى حد وصف الضفة والقطاع بأنها أراض متنازع عليها!… بمعنى أنها ليست للفلسطينيين ولا للإسرائيليين وإنما للطرفين…فليتفاوضوا عليها إذن وليقتسموها فيما بينهم : هذا نصف وهذا نصف. ثم يأتي اليهودي بعدئذ لكي ينازع الفلسطيني على نصفه فيأخذ منه النصف أيضا ولا يبقى له إلا الربع، ثم ينافسه على الربع أيضا لكي يأخذ نصفه، وهكذا من نصف إلى نصف حتى لا يتبقى لك في نهاية المطاف أي شيء.. على هذا النحو راح ميتران يمارس نوعاً من التمييع والتزوير للحقيقة الموضوعية والتاريخية الواضحة وضوح الشمس. وأما الفيلسوف برنار هنري ليفي الذي “يحرر” ليبيا حاليا متوهما بأنه سيقدمها لقمة سائغة لإسرائيل فإنه يضع عبارة الأراضي المحتلة بين قوسين! لماذا بين قوسين أيها “الفيلسوف العظيم”؟ أليست للفلسطينيين أباً عن جد منذ مئات السنين؟ وهل هناك من عاقل يشك في انتمائها لهم؟ عيب، وألف عيب!… هذا شيء لا يليق بفلاسفة. ولكن هل هو فيلسوف أصلا؟ أقصد هل هو فيلسوف بالمعنى السقراطي للكلمة : أي مولع بحب الحقيقة ومستعد لأن يضحي من اجلها بالغالي والرخيص؟ مستحيل. إنه يعبد إسرائيل فقط، لا الحقيقة. إنه أغنى مثقف في العالم : ثلاثمائة مليون دولار! وآخر عبارة أصابته تماما وأعجبتني جدا هي للفيلسوف لوك فيري نقلا عن صديقه اندريه كونت سبونفيل : “بالطبع إنه موهوب! بالطبع إنه ثانوي!”. لا أجد عبارة أرقى من هذه العبارة التي قد تبدو تناقضية ولكن فقط ظاهريا. إنها تلخص برنار هنري ليفي من أوله إلى آخره.الرجل موهوب بدون شك. يكفي أن تسمعه على شاشات التلفزيون يتحدث بكل فصاحة دون تلعثم أو تلكؤ لكي تدرك ذلك. إنه يبهرك. يكفي أن تقرأه أيضا : إنه كاتب ذو أسلوب جميل وغير ممل على الإطلاق. يكفي أن تراه ينط من مكان إلى آخر، من أقصى الأرض إلى أقصاها، ويتصل برؤساء الدول من تلفونه الخلوي الاخطبوطي لكي تدرك مدى خطورته وأهميته. ولكنه على مستوى العمق الفلسفي لاشيء تقريبا. إنه سطحي، ثانوي. إنه يأخذ من كل علم بطرف كما يقول القدماء. إنه “يعرف كل شيء عن اللاشيء أو اللاشيء عن كل شيء” كما يقول بيير بورديو عدوه اللدود. (أبالغ قليلا لتوضيح الصورة وربما ظلمته، ولكن…). أصلا ليس عنده وقت لكي يقرأ كتابا واحدا بهدوء..انه مشغول بمستقبل إسرائيل أكثر من نتنياهو. ورغم ذلك فإنه يسيطر الآن على الساحة الفرنسية ويكسف كل المثقفين الآخرين وبخاصة بعد القصة الليبية..لقد حقق هنا أكبر فتوحاته وانتصاراته. وينبغي الاعتراف بأن عمله لم يكن سلبيا أبدا ولكن بشرط واحد : ألا يجيره لصالح إسرائيل اليمينية المتطرفة التي لا تقل طغيانا وإرهابا عن القذافي هذا إن لم تزد أضعافا مضاعفة.

لكن لنعد إلى صلب الموضوع بعد كل هذا الاستطراد..في الواقع إنه يضع كلمة “المحتلة” بين قوسين لكي يوهم ضمناً بأنها ليست محتلة وإنما للإسرائيليين الحق فيها مثل الفلسطينيين وربما أكثر. ثم يتساءل برنار هنري ليفي بعدئذ: لماذا يكره العرب اليهود؟ يتساءل بنوع من القلق والخوف. فهو يتمنى لو يحبه العرب، لقد ولد في بلادهم وعاش فيها طفولته الأولى(المغرب). لكنه ينسى السبب أو يحاول طمسه. (بين قوسين قلت “يحرر” ليبيا تجاوزا وأعتذر مسبقا عن هذه العبارة. فالذي يحرر ليبيا هم أبطالها، رجالها ونساؤها، وليس برنار هنري ليفي. ولا يستطيع أن يضحك على قادتها الجدد مهما بلغ من دهاء ومكر وألمعية. وربما كانوا هم الذين يضحكون عليه ويستفيدون من علاقاته الدولية إلى أقصى حد ممكن. أقول ذلك وهم يعيشون وضعا حرجا، صعبا، ويواجهون اكبر محنة شهدها الشعب الليبي على مدار تاريخه كله..).
 

 3-

ديغول وبن غوريون

كيف يمكن أن يحصل الوئام بين العرب واليهود في مثل هذا الجو؟ كيف يمكن أن تستقر المنطقة أو تحصل فيها تنمية حقيقية وأنظمة ديمقراطية راسخة؟ كيف يمكن أن تصفو القلوب إذا كان كبار القادة السياسيين والثقافيين الغربيين يشوهون الحقائق التاريخية الأكثر رسوخاً إلى مثل هذا الحد. رحم الله الجنرال ديغول الذي كان يعترف بالحقيقة والعدالة والذي قال لبن غوريون مرة أولى عام 1960 ومرة أخرى عام 1961: حاولوا أن تتصالحوا مع العرب يا بن غوريون ولا تتغولوا في أراضيهم أكثر مما تغولتم. لقد نجحتم في الضربة الأولى وأسستم دولتكم بقدرة قادر وما كانت الأمور مضمونة العواقب سلفاً..فاعتبروا أنفسكم سعداء بل وأكثر من سعداء إذ نجحتم في تحقيق شيء يشبه المعجزة الخارقة.. فيكفيكم إذن ما حصلتم عليه والذي تجاوز كل التوقعات والأمنيات. ولكن إذا ما فكرتم في بلع ما تبقى وحرمان الفلسطينيين من كل أرضهم التاريخية فإن الشرق الأوسط سوف ينفجر بالزلازل والبراكين. ولن تعيشوا مطمئنين مدى الحياة..
هذا ما قاله الجنرال ديغول قبل خمسين سنة أو أكثر وقد صدقت الأيام نبوءته. ولا عجب في ذلك فهو القائد التاريخي الرؤيوي الذي لا يشق له غبار. فالشرق الأوسط يقف على كف عفريت الآن ويمكن أن ينفجر في أي لحظة. بل إنه منفجر في عدة مواضع، ولكن الانفجار قد يتوسع أكثر فأكثر لكي يشمل المنطقة بأسرها. وكل ذلك بسبب السياسة التوسعية الإسرائيلية التي لا تعرف كيف تتوقف عند حد. كل ذلك بسبب المحافظين الجدد واليمين الإسرائيلي المتطرف.والانتفاضات العربية الجارية حاليا ليست موجهة فقط ضد الطغيان الداخلي وإنما أيضا ضد الطغيان الخارجي المتمثل بأخطر دولة على وجه الأرض. (بين قوسين أهم شيء فضحته الانتفاضات العربية الأخيرة هو هذا الترابط المحكم بين الاستبداد الداخلي والاستبداد الخارجي. لقد انحسرت الأقنعة وانكشفت الوجوه..أهم شيء أسقطته هو هذه الأكذوبة الكبرى التي تقول بأن على الشعب أن يتحمل نير الديكتاتورية البوليسية إلى ما لا نهاية لأن الأنظمة مشغولة بمحاربة إسرائيل!..اسكتوا حتى نحرر فلسطين! لا ديمقراطية ولا حرية ولا حتى تنفس قبل أن نحرر القدس..يا لطيف! كيف انطلت هذه الأكذوبة على الناس؟لا أعرف. كل ما أعرفه هو أن المشروع اليهودي في فلسطين هو الذي أسس الطغيان وأنظمة الطغيان والانقلابات العسكرية وقضى على التجربة الليبرالية البرلمانية الوليدة بعد الاستقلال مباشرة. لقد قصم ظهر النهضة العربية. لقد أوقف مسيرة شعوبنا التي كانت صاعدة نحو التقدم والحقيقة والنور منذ القرن التاسع عشر. والآن تنفجر الأمور بعد أن طفح الكيل. لم تعد هذه الشعوب بقادرة على أن تتحمل طغيانا فوق طغيان : طغيان الداخل وطغيان الخارج..لقد انكسر ظهرها،”انهد حيلها” كما يقال بالعامية. ولذا فإنها تنفجر في انتفاضات عارمة. لم تعد تثق بالوعود الكاذبة ولا حتى بالايدولوجيا القديمة الجامعة التي أخذت تتساقط اليوم. ولكن المشكلة هي أنه لا يوجد أي بديل جاهز لها اللهم إلا العودة إلى القبيلة والطائفة والعشيرة. من هنا الخوف والرعب من المجهول: مجهول الحروب الأهلية والمجازر وربما التقسيم. لاحظ كيف أن هذه الايدولوجيا الطموحة التي ما كنت ترضى بأقل من تحقيق الوحدة العربية انتهت اليوم إلى تقسيم المقسم، والدويلات..وهذا دليل على أن العواطف النبيلة والنوايا الصادقة لا تكفي وحدها لإنجاح المشاريع الكبرى. لاحظ الاتحاد الأوروبي : قام على العقلانية لا العواطف الملتهبة فنجح..لا أريد التقليل من أهمية المشاعر العروبية فهي أغلى علي من الذهب. ولكن ينقصنا منطق ومنهج ونزعة إنسانية وحرية واحترام لخصوصيات الأقوام الأخرى العائشة بين ظهرانينا، الخ..قومية عربية دون نزعة إنسانية أو ديمقراطية وحرية لا تساوي شيئا. إنها قد تتحول إلى نزعة فاشية شوفينية. وقل الأمر ذاته عن الدين: التفسير السلفي المنغلق يقتله، والتفسير المستنير السمح يحييه.

من يستطيع أن يصف آلام الشعوب العربية حاليا؟ من يستطيع أن يقدر قيمة الدم المراق من أجل الحرية ومواجهة الدبابات بالصدور العارية؟ وتلك العائلات المتشردة على الطرقات والدروب.. هل دخلنا مرحلة الفوضى الخلاقة ام الفوضى المدمرة؟ لا أعرف. أخشى ألا نكون على مستوى الأولى بعد. حتى الفوضى الخلاقة كثيرة علينا. وذلك لأنها تنجلي عن نظام جديد وتحريري في نهاية المطاف. واكبر مثال على ذلك الثورة الفرنسية.أما نحن فقد دخلنا في مرحلة الضياع والتيه والفوضى الانشطارية. لم يُحضّر لثوراتنا من قبل فكر جديد لا يكون أقل ثورية منها كما حصل للثورة الفرنسية مع التنوير الديني والفلسفي الذي سبقها مباشرة.من هنا قلقي. ربما كنت مخطئا. أتمنى أن أكون مخطئا. أتمنى ان تفاجئني الشعوب.. ولكن هذه الانتفاضات تظل على الرغم من كل شيء أفضل من حالة الانسداد الخانق والمستنقع الآسن التي لم تعد تحتمل ولا تطاق. لتتساقط اذن كل الشعارات السابقة وليتنفس الشعب بملء رئتيه من خلال هذه الانتفاضات الربيعية.مجرد ذكر عصر الشعارات الغوغائية المتخشبة يصيبك بالغثيان. معظم كلمات المعجم السياسي العربي لم تعد قابلة للاستخدام من كثرة ما استهلكت وابتذلت. نريد كلمات جديدة، لغات جديدة، حتى ولو كانت غير واضحة المعالم والخرائط بعد. نريد أن نعود إلى مقاعد المدرسة الابتدائية لكي نتعلم من جديد شيئا آخر. نريد أن ننسى حتى النسيان..نريد أن نولد من جديد ولكن لا نستطيع.ننتظر شيئا لا يجيء..هل قرأتم مسرحية صموئيل بيكيت الشهيرة : بانتظار غودو؟ أعتقد أنها كتبت خصيصا لنا. إنها تلخص الوضع العربي بامتياز. نعم ننتظر الخلاص، الفرج. ولكن متى؟ متى يجيء غودو؟ هل سيكون ذلك في المدى المنظور؟ أعتقد أن شعوبنا دخلت صيرورة التحول والمصهر الخلاق الذي سيؤدي حتما إلى نتيجة يوما ما.ولكن كم سيكون الثمن المدفوع باهظا!.. ).

 4-

ريجيس دوبريه والحقيقة الفلسطينية

ولكن الشيء الذي أدهشني وبلبلني وحيرني أكثر من سواه هو موقف ريجيس دوبريه. فهو يقول ما معناه : مشكلتي ليست حادثة الـ 48. هذه ليست المشكلة. معظم الدول تتشكل عن طريق إزاحة الآخرين من مكانهم والجلوس محلهم!..مشكلتي هي أن الاسرائيليين أبّدوا هذه الطريقة وفاقموها اكثر فاكثر حتى وصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم..انتهى كلامه. شيء عجيب! لا أكاد أفهم ما أقرأ أو قل لا أكاد أصدّق…إذا كان يعتبر أن نكبة 48 ليست مشكلة وأنه يحق لليهود أن يفعلوا ما فعلوه فإني لا أعرف لماذا لا يحقّ لهم مواصلة نفس الطريقة بغية بلع فلسطين كلها؟ إذا كان الاغتصاب الأوّل مشروعا فلماذا لا تكون الاغتصابات التالية مشروعة أيضا؟ وهل حقا أن جميع الدول نشأت بهذه الطريقة؟ محال. لا توجد دولة في العالم بحسب علمي نشأت بهذه الطريقة الا دولة اسرائيل. إنها استثناء على التاريخ. أين هو المنطق في كلام دوبريه؟ منطق أعوج اضطر اليه اضطرارا لكيلا يقوموا بحملة صحفية عليه في قلب باريس فيكسحوه كسحا ويلعنوا أسلاف أسلافه..انهم لايناقشون وانما يقتلون، وبأساليب ناعمة لا تخطر على البال. إني أعرف عمّا أتحدث وهم يعرفون. رغم  كل هذه النواقص والتنازلات الاجبارية فاني أحب ريجيس دوبريه ولا أكرهه. إني أقدره لأنه لم يطمس الحقيقة كليا على عكس مثقفي فرنسا الصهاينة بالكامل من أمثال آلان فنكيلكروت وبرنار هنري ليفي بالذات وكلود لانزمان وعشرات الآخرين. والدليل على ذلك أنه بعد عودته من مهمته الاستكشافية في الشرق الأوسط والتي نتج عنها كتابه : “ساذج في الأرض المقدسة”، راح يواجه المراجع الفرنسية العليا التي حاولت إسكاته. بعد ان تحدث لهم عن التوسع السرطاني الاستيطاني في الضفة الغربية وقال لهم محذرا : لن يبقى هناك أي شيء لكي يتفاوضوا عليه او لكي تقوم الدولة الفلسطينية عليه أجابوه قائلين: نعرف ذلك. ولكن اخرس!اسكت!لا تتحدث عن هذه النقطة. هذا الموضوع ليس من اختصاصك. لا تحشر أنفك فيما لا يعنيك…فردّ : لا، لن أسكت. سوف أتحدث عما رأيته من عذاب الفلسطينيين تحت الاحتلال وعن عقدة المنطقة او مشكلتها الاساسية..وقد تحدث. وبالتالي فهو لم يطمس الحقيقة كليا ولم يساوم عليها الا الى درجة النصف. وكفاه ذلك فخرا! من يستطيع ان يقول ذرة حقيقة عن الصهيونية في باريس؟ من يستطيع ان يفتح فمه؟ حتى ديغول أرعبوه  أو زعزعوه لأنه قال الحقيقة أو جزءا منها. ديغول، مجد فرنسا وعظمتها، حاولوا التطاول عليه او النيل منه. فما بالك بالآخرين؟ لم تشهد فرنسا في كل تاريخها إرهابا فكريا كالذي هو حاصل اليوم اللهم الا اذا عدنا الى العصور الوسطى ومحاكم التفتيش! أقول ذلك والقلب يقطر حزنا لأني أحب حضارتها وتنويرها وأدباءها وفلاسفتها الى أقصى الحدود. نفس الشيء يمكن ان يقال عن أوروبا والغرب كله فيما يخص هذه النقطة. الحقيقة مسموح بها فيما يخص كل الموضوعات والمجالات ما عدا موضوعا واحدا فقط هو : قصة فلسطين. هناك إجماع جبار يمنعك من أن تفتح فمك مجرد فتح. انظروا الكونغرس! بامكانك ان تنتقد الانجيل ويسوع المسيح وتنكر حتى وجوده ولكن ليس بامكانك ان تنتقد العقيدة الصهيونية أو دولة اسرائيل!

لاحظ “عظمة” الديمقراطية الغربية! عندما يتعلق الأمر باسرائيل يحل الصمت المطبق، وتتوقف حدود الديمقراطية، ويتعطل القانون الدولي، وتشل الفلسفة والعقل والفكر وكل شيء.لماذا؟ لأنها هي ذاتها شذوذ على التاريخ..وبالتالي فلا ينطبق عليها أي قانون معروف. إنها فوق القوانين بعكس كل دول العالم. انها دولة شعب الله المختار!.نقطة على السطر. علقنا علقة أخت شرموطة! عفوا للتعبير الفج. أعتقد شخصيا ان بن غوريون كان أشرف من حكام الغرب الحاليين واكثر دقة وأمانة. فهو يقول بكل صراحة ووضوح : “لو كنت مكان العرب لما قبلت اطلاقا بما حصل. فالأرض أرضهم ونحن أخذناها منهم عنوة”. هذا رجل يحترم نفسه ويعترف بالحقيقة العارية كما هي على الأقل.

 5-

لماذا دفع الفلسطينيون ثمن المحرقة؟

حكم قاراقوش!

ينبغي أن يعلم مثقفو الغرب أنه إذا كانت محرقة اليهود تحتل الضمير الأوروبي – الأمريكي من أقصاه إلى أقصاه وترتفع إلى مرتبة القداسة بالنسبة لهم، فإن مأساة فلسطين تحتل نفس المكانة بالنسبة للوعي الجماعي العربي الإسلامي. فهي مقدسة أيضاً بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين. ولا نفهم لماذا لا يفهم الغربيون ذلك!..لا نفهم لماذا تكون الحقيقة الفلسطينية رخيصة الى هذا الحد بالنسبة لهم..لا نفهم لماذا يكيلون بمكيالين..اذا كانوا يعبدون اليهود فهذا من حقهم. ولكن ليس من حقهم فرض ذلك على الآخرين. اذا كانوا يتعاطفون معهم كمظلومين ومضطهدين فأنا معهم وبقوة، ولكن كيف يمكن ان نتعاطف معهم اذا كانوا هم الظالمين القامعين المعتدين؟ هنا تكمن مشكلتنا مع مثقفي الغرب، مع قادة الغرب، مع ذلك الكونغرس الأبله الذي يصفق قياما وقعودا لشخص صفيق وثقيل الظل كنتنياهو! والشيء الذي لا نفهمه أكثر هو التالي : لماذا يدفع شعب فلسطين منذ ستين سنة فاتورة جريمة كبرى ارتكبها شعب آخر على مسافة آلاف الكيلومترات منه؟! إنها جريمة لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد . بل ولم يسمع بها الا بعد سنوات طويلة. ومع ذلك فقد دفّعوه ثمنها عداً ونقداً عن طريق اغتصاب أرضه وتأسيس دولة اجنبية عليها. فهل هذا معقول؟ هل يدخل ذلك في دائرة المنطق والاخلاق والقيم الكونية؟ ام انه حكم قاراقوش، أي حكم التعسف والاعتباط الكامل؟ هذا هو السؤال الذي نتمنى أن يجيبنا عليه كبار فلاسفة الغرب من يهود أو غير يهود. ان تضحيتهم بمفهوم الحقيقة هو الذي أدى الى اختلال الثقة بالحضارة الغربية في العالم العربي. وهو الذي أدى الى الاشتباه بكل شيء اسمه تنوير او حداثة او قيم جديدة. وهذا شيء مؤسف جدا لأنها حضارة رائعة في بعض جوانبها الاساسية. أو قل انها حضارة ذات وجهين : وجه مشرق ووجه معتم، وجه تحريري ووجه قمعي، شرير، أناني. إنها لكارثة كبرى ألا يكون التقدم الأخلاقي للحضارة الغربية على مستوى تقدمها العلمي والطبي والتكنولوجي.. ونحن ندعو الى مناقشة فكرية عالمية حول الموضوع. فهل يستجيبون؟ اشك في ذلك لأنهم مغلوبون سلفا. اني مستعد لأن أشارك في أي مؤتمر عن المحرقة اليهودية وأدينها بدون أي تردد. بل ومستعد للتعاطف مع آلام اليهود وعذاباتهم على مدار التاريخ عندما كانوا محتقرين، مضطهدين، مرميين في غيتوهاتهم المحاطة بالجدران العالية..فهم ايضا تعرضوا للاضطهاد والظلم عندما كانوا أقلية في كل أنحاء العالم: أي قبل تأسيس دولة اسرائيل المدججة بالسلاح والقنابل الذرية ووصولهم الى عصرهم الذهبي الحالي حيث تتواطأ معهم معظم دول العالم وتغض الطرف عن جرائمهم وتوسعهم الاستيطاني المتواصل في فلسطين. فهل هم مستعدون للمشاركة في مؤتمر لادانة المحرقة الفلسطينية او لشرحها، للاعتراف بها، على الأقل؟ إني أعرف أن بعضهم لا يكابر ولا يمارئ في الحقيقة. وهذا شرف لهم. هناك مثقفون يهود او غير يهود يعترفون بالحقيقة الموضوعية في فلسطين. انهم يعرفون ما حصل بالضبط ولا يجادلون فيه ولا يدخلون في مماحكات سفسطائية لتمييع الأمور وطمس الحقيقة في نهاية المطاف..هناك علماء وفلاسفة كبار يستحقون الاحترام. ولكن الأكثرية لا تزال مصرة على الضلال واتباع الأكاذيب الصهيونية والأساطير الواهية التي أشاعتها من أجل تبرير قيام الدولة العبرية. وهي أساطير ابتدأت تتساقط حتى على يد المؤرخين الجدد في اسرائيل ذاتها.

 6-

أما لهذا الليل من آخر؟

يقول المؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر في أحد تصريحاته بأن ياسر عرفات رفض ترجمة كتاب زعيم التحريفيين الفرنسيين “روبير فوريسون” الذي ينكر حصول محرقة اليهود عندما عرضوه عليه في بيروت. وقال بما معناه: نحن شعب منكوب ونعرف معنى العذاب، ولا يمكن بالتالي أن ننكر آلام الآخرين حتى ولو لم تكن لنا علاقة بها، بل وحتى لو كانت آلامنا ناتجة عنهم مباشرة!.. وهذا موقف رائع لا يكاد يصدق. إنه يعني التعالي على الذات والجراح… وهو نفسه موقف ادوارد سعيد الذي لم يفهمه البعض كما ينبغي. فالاعتراف بآلام اليهود القديمة السابقة على الصراع العربي-الاسرائيلي والتعاطف معهم كبشر لا يعني اطلاقا الاعتراف بحقهم في اغتصاب فلسطين وطرد سكانها الاصليين منها! كنت أعتقد ان ذلك شيء بدهي وليس بحاجة حتى الى مجرد ذكر او شرح. أيا يكن من أمر فليكفّ قادة الغرب عن ملاحقتنا بشأن المحرقة اليهودية. وليكف الصهاينة عن استغلالها سياسيا الى درجة الغثيان. فنحن لا علاقة لنا بها، ولا يمكن أن نكون مسؤولين عن شيء لا علاقة لنا به. نحن الذين ينبغي أن نلاحقهم لأنهم ارتكبوا الجريمة مرتين: مرة أولى ضد اليهود، ومرة ثانية ضد الفلسطينيين بمساعدة متطرفي اليهود، أي الحركة الصهيونية العالمية. ولكن بعد أن حصل ما حصل، بعد ان وقعت الفاس بالراس، بعد أن أصبحت دولة اليهود أمراً واقعاً في فلسطين فإننا لا ندعو إلى تدميرها وإنما نقول لهم: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: خذوا واعطوا. تخلوا عن الأراضي التي احتلت بعد 5 حزيران ونحن مستعدون للاعتراف بكم وإنهاء القصة من أساسها وطيّ صفحة الماضي تماماً وبدء صفحة جديدة. وهذا ما أجمع عليه العرب في قمة بيروت الشهيرة عام 2002.وهذا ما فعله أوباما مؤخرا قبل ان يتراجع مدحورا. فهل هذا صعب عليكم يا ترى؟ وهل كثير علينا أن نأخذ بعض حقنا لا كله؟ لقد حذركم الجنرال ديغول قائلاً: إن دولة الفرنجة الصليبية دامت ثمانين سنة أو أكثر في القدس ثم زالت. وبالتالي فإن دولة إسرائيل قد تزول هي الأخرى أيضاً إذا ما استمرت على نهج البغي والعدوان. فما قام على الباطل بالباطل يزول..

وختاما سوف أقول لأولاد عمنا اليهود ما يلي: لقد تعايشنا مع بعضنا البعض على مدار التاريخ. بل وكنتم جزءاً لا يتجزأ من الحضارة المشتركة التي شكلناها في الأندلس الزاهرة. وعلماؤكم وفلاسفتكم اختلطوا بعلمائنا وفلاسفتنا. ونتج عن ذلك الخير الكثير. كل نهضة اوروبا الرائعة نتجت عن ترجمة الكتب العلمية والفلسفية العربية والعبرية. فلماذا لا نتعايش اليوم ونشكل أندلسا جديدة في فلسطين؟ ولكن بشرط الا تبلعوها كلها! خذوا واعطوا ايها اليهود، ولا تغتروا بقوتكم الحالية وانتصاراتكم فالدهر غدار: من سره زمن ساءته أزمان..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This