عبد النور بيدار: ومن المسلمين من يختنق..
أصدر الفيلسوف الفرنسي عبد النور بيدار كتابا جديدا خصصه للمفكر محمد إقبال، يؤكد فيه مثل شيخه الباكستاني منذ قرن، على ضرورة عصرنة الإسلام الملحة(1). في هذا الحوار أفكار عن تكلس الفكر الإسلامي ووجوب الانفتاح.
يثير الحجاب والأكل الحلال والمساجد توترات غير مسبوقة في أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية. هل أصبح الغرب مرعوبا من الإسلام؟
لا ينبغي أن يكون الإسلام مُشيطنا. ولكن يبقى من جهة أخرى مسئولا عن محاكمته. فكيف يمكن أن تقدم ديانة نفسها كمنظومة قانونية وعرفية تفرض نفسها على المجموع في عصر حرية الضمير اليوم؟ تناقض أساسي لا يريد مجابهته لا وجهاء المسلمين و لا الجماهير عموما.
كيف تفسر فشل الإسلام في الانسجام مع الحداثة إلى هذا الحد؟
عاشت أوروبا مجموعة من الثورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أثرت إيجابيا على المسيحية واليهودية إذ سمحت لهما بإدماج مثل الحرية و التفكير النقدي الجديدة. أما في الإسلام، فلم يجد المفكرون الذين كانوا من الممكن أن يطوروا العقيدة أي سند. فالنقد الفكري المطبق على المجال الديني معدوم تماما. ومن جهة أخرى فقد كانت مرحلة الاستعمار مع الأسف سببا في حبس العالم الإسلامي في موقع المدافع والضحية تجاه الغرب، إلى درجة أن جزء من المجموعة الإسلامية في فرنسا يقدمون أنفسهم كأقلية تعاني التمييز دائما و أبدا من أجل المطالبة بقوانين خاصة.

هل يمكن للديمقراطية الجمهورية أن تتجاهل الطلبات الخاصة؟
إذا كان الطلب باسم القانون الديني، فكيف يمكن للقانون الجمهوري أن يقبله دون أن يناقض متطلبات العلمانية؟ ليس لي أي اعتراض على الممارسات الدينية بالعكس : لقد عرف الدين دائما كيف يكون وسيلة لتحقيق رغبة الإنسان في السمو داخليا. و لكن على شرط أن يكون المؤمنون أحرار في تثبيت علاقتهم بالله. تكمن مشكلة الإسلام في كون الشعائر مفروضة داخل شريعة، داخل قانون خارج وعي الأفراد. و لئن كان هؤلاء لا يشعرون بالضرورة بإكراه ما، فإن الشريعة تأمرهم موضوعيا بالخضوع لتعاليمها. فبأي حق تأمرني هذه الشريعة على تأدية الصلاة خمس مرات في اليوم؟ فأنا الذي أقرر متى أصلي و لست بحاجة إلى مؤذن يصيح في مكبر صوت بل ينبغي أن أتعلم الإصغاء إلى نداء داخلي للصلاة وللتأمل. في مجال الحياة الروحية تتطلب حرية الوعي تربية باطنية معمقة جدا . ينبغي إطلالة سريعة على المكتبات الإسلامية لنقف على ما يقرأ بعض المسلمين..إنه أدب البازار. تريد فرنسا تكوين أئمتها بنفسها, هل تعتقد أن يكون ذلك حلا ؟
إنها قضية خاسرة سلفا. فكل إمام هو راعي عبادة، حارس القانون الديني ، فما جدوى تكوين هؤلاء المديرين للوعي؟ فالمسألة أوسع من ذلك إذ تم تفديس القرآن بطريقة عفا عليها الزمن و أعلن أنه غير قابل للنقد، كأن المقدس ينبغي أن يعني للبشر و إلى الأبد سيطرة المسلم به. و من المسلمين الكثير من يختنق تحت هذا التصور ويساندني و لكن لا أحد من الوجهاء الدينين المسلمين يدافع عنى وجهة نظري رسميا.
وهل تدوم هذه الحرب الإيديولوجية طويلا؟
لا أظن ذلك. يعبر التقوقع في الإسلام حسب رأيي عن انقباض أخير قبل أن يحتضر، هو تشنج بقدر ما هو عنيف بقدر ما هو آيل إلى الفشل أمام تغيرات الزمن العميقة. تجد الإنسانية اليوم نفسها في وضع وجودي لم تعرف له مثيلا : الدين في طريق الاختفاء من جهة و من جهة أخرى لا شيء آخر يعيد للوجود معنى عميقا وهذا الفراغ هو الذي يقود الدين – و ليس في الإسلام فحسب – لمحاولة الإبقاء على الأشلاء الأخيرة للعهد القديم
1- Abdennour Bidar, L’islam face à la mort de Dieu, François Bourin Editeur.
المصدر: L’express ,16 /10/2010
