الدولة بوصفها تعيناً للحق في الفلسفة الهيغلية

 يتناول هذا البحث، مفهوم الدولة عبر علاقته بالحق في النسق الفلسفي الهيغلي، وذلك من خلال، الكتاب الأكثر عرضة للانتقادات وسوء الفهم، كتاب هيغل ( مبادئ فلسفة الحق )، الذي اعتبره البعض، الحجة التي أدت إلى اختلاف الآراء، حول فلسفته وإنقسامها إلى تيارات يمينية و يسارية، أو التي دفعتهم إلى تصنيف ( هيغل )، فيلسوفاً للدولة البروسية معتبرين الكتاب وثيقة رجعية تدينه كما بين كارل ماركس في كتابه ” إسهام في نقد فلسفة الحق عند هيجل”.

حتى أن البعض قد سعى إلى إظهار التشابه مابين ( هيغل ) و( مكيافللي )  في اتفاقهما على الفصل الحاد، ما بين ( الأخلاقي والسياسي ) . فهذا وائل غالي في كتابه نهاية الفلسفة يقول  ” إن المنظرين أو الفلاسفة ورثة مكيافللي كما هو شأن هيغل يميلون نحو نقد الرؤية الأخلاقية السياسية لأنها رؤية مستقلة عن علاقات القوى الفعلية وقد دافع هيغل عن مكيافللي في صراعه مع الأخلاقيين لأن النهاية قد تقدس الوسائل أحياناً ” ، وهذا القول برأينا لا ينطبق على هيغل رغم دفاعه عن مكيافللي إلا انه لم يمدح الوسائل على حساب الغايات ولم يهمل  الجانب الأخلاقي من تعين الحق، أما إذا كان قصد المؤلف (وائل غالي) من تبرير  الوسائل فكرة هيغل في دهاء العقل ومكر التاريخ فهي تندرج بالنسبة لهيغل ضمن الضرورة التاريخية والسياسية للحق الكلي ولا يندرج في لحظة الأخلاقية.
من هنا كان سعينا لتتبع هذه المشكلة التي تناولها ( هيغل)، في مؤلفاته وصولاً إلى الشروط والمبادئ الاجتماعية والسياسية والتاريخية، التي يتعين فيها في مؤلفه العمدة، في هذا الباب، ( مبادئ فلسفة الحق).
إن من يتفحص بدقة مفهوم ( الحق ) وتعيناته المختلفة وخاصة تعين الحق في لحظة ( الأخلاقية الذاتية)، أنما ينكشف له مركزية اللحظة الأخلاقية، وأهميتها في النسق الفلسفي للحق، ذلك أن شرط تعين ( الحق) في لحظة ( الأخلاقية الموضوعية )، إنما هو تعينه أولاً في ( الأخلاقية الذاتية)،  وما تعين (الحق )، في (الأخلاقية الموضوعية)، إلا تجل للأخلاقي والقانوني في أعلى مستوياتها، في الأسرة والمجتمع المدني والقانون الدستوري في ( الدولة )، العقلي الكلي الحقيقي.

فـ ( الدولةl état  )، هي الواقعية الروحية التي يتعين فيها حقوق الأفراد وحرياتهم و واجباتهم، بوصفها علاقة وحدة جوهرية موضوعية، والفرد بعد أن كان يعي ذاته بوصفه ( شخصاً حقوقياً )، في (الحق المجرد )، و( فاعلاً أخلاقياً )، يعي واجباته وحقوقه النابعة من ضميره الأخلاقي، وعياً ذاتياً صورياً مجرداً تجريداً خالصاً، في (الأخلاقية الذاتية)، وبعد أن كان ( الفرد )،  في ( الأسرة )، و( المجتمع المدني ) تتحدد واجباته وحقوقه، تبعاً لفرديته الأنانية الخاصة، فإن تعين ( حق الفرد )، في (الدولة)، يكتسب تعيناً متمايزاً .
فمن  خلال ( الدولة )، وقوانينها ومؤسساتها الدستورية والإدارية وتنظيماتها الاجتماعية، يمارس (الفرد)، حقوقه الخاصة الجزئية ومصلحته الذاتية، كما يمارس في الآن ذاته واجباته المحددة تجاه الإرادة الكلية ( للدولة )، بوصفها واقعه الحر وماهيته الجوهرية التي يحقق فيها خيره الخاص وإرضاء ذاتيته إذ، “الإرادة التي تطيع القانون وتخضع له هي وحدها الإرادة الحرة، لأنها تطيع نفسها وتخضع لذاتها أنها مستقلة وهي لهذا حرة، وحين تشكل الدولة أو الوطن مجتمعاً موجوداً وحين تخضع إرادة الإنسان الذاتية للقوانين يتلاشى التعارض بين الحرية والضرورة “.

إن تعين (الحق )، في ( الدولة )، ضمن دائرة ( الأخلاقية الموضوعية )، إنما يتجلى في شكل (الحق السياسي الداخلي le droit politique interne   )، فالدولة بوصفها التحقق الفعلي للحرية، تتخذ من الوحدة المتمثلة ما بين المصلحة الأنانية الجزئية لإرادة الأفراد، في ( المجتمع المدني)  و(الأسرة) وما بين كلية الإرادة العامة ( للدولة)  مصدراً لشرعيتها القانونية . فالبقدر الذي تسعى فيه (الدولة)، من خلال  قوانينها ومؤسساتها وتنظيماتها، بتجسيد حرية الأفراد محققة وجودهم الموضوعي الحر، إنما تكتسب استمرارية وجودها، من هنا ( واجب )، الدولة ” التي تمثل الإرادة العامة والتي تمثل جوهر الفرد في وقت واحد، أن تفسح المجال لنمو الحرية الداخلية عند الأفراد، فهي بذلك تحقق نفسها عن طريق حريات أفرادها، ذلك أن مبدأ المنفعة الفردية يستطيع في نظام تقسيم العمل أن يحقق الفائدة العامة للشعب، وعن طريق هذا التأثير المتبادل بين الفردي والكلي، يمكن أن تحقق نوع من التوازن والانسجام بين الفرد والجماعة ”  . هذا التوازن والانسجام، المتعين في ( الحق السياسي الداخلي)، إنما يجعل من اندماج الفرد بحياة ( الدولة )، اندماجاً يعبر عن تحقق حريته اللامتناهية وماهيته الروحية الجوهرية . فتعين حرية الفرد في ( الدولة)، تعين لحرية من صنع إرادته وحق من حقوقه، إذ لاحرية للفرد خارج قوانين (الدولة )، ولا تكتمل فكرة ( الدولة )، إذا لم تعبر عن حرية الفرد . هذه العلاقة ما بين (الفرد والدولة)، تتحدد وتتجلى في ( الحق السياسي الداخلي ).

من هنا، تستمد ( الدولة )، تعين مضمونها في ( الحق السياسي الداخلي)،  عبر تحديد حقوق و واجبات الأفراد تجاه ( الدولة )، وحقوق وواجبات ( الدولة )، تجاه الأفراد، ذلك أن هذا المضمون، المتعين في ( الحق السياسي الداخلي ) ،والذي يتمثل في ( الدستور وسلطات (الدولة )، ( سلطة الأمير _ سلطة الحكومة_ السلطة التشريعية ) والمؤسسات القانونية والإدارية والتنظيمات الاجتماعية ، إنما يجسد بدوره ويشتمل على كل اللحظات السابقة، لتعين ( الحق )، في لحظة الملكية المجردة، والأخلاقية الذاتية، و الأسرة، والمجتمع المدني، فلحظة ( الحق السياسي الداخلي )، هي لحظة تعين عقلي متمايز لحق الفرد الخاص، بوصفه يعي إرادته الحرة ومصالحه وحاجاته الذاتية الخاصة ويعي في الآن ذاته صورة الحق الكلي اللامتناهي وغايته الجوهرية المتجلية في كلية  (الدولة)، وفي (حقها السياسي الداخلي )، سواءً في الدستور أو المؤسسات القانونية أو المنظمات الجمعيات  …. .
فالفرد يكتسب في ( الدولة )، ومن خلال قوانينها وعياً بحريته وبماهيته الجوهرية المتعينة بدورها في (اليقين الوطني )، أو ( العاطفة الوطنية )، بوصفها نتاج لتعين ( حق الفرد )، في المؤسسات القانونية التي يكتسب عبرها، مضموناً خاصاً، يتمثل في وعيه بأن مصلحته وحريته، أنما هي تتحقق في ( الدولة ) “فهو في الحقيقة عندما يحيا القانون بدلاً من أن يعاينه يكف القانون عن أن يكون بالنسبة إليه إكراها ً ويكتسب شكل تحرير، إذ يسير به إلى التحكم بفرديته التجريبية وأهوائه العمياء ومصالحه الأنانية ”   .
بالتالي تستند ( الدولة )، في تحققها الكلي إلى إرادة الفرد الحرة ويقينه وإيمانه بأن هذه ( الدولة)، تجسد حريته الحقيقية وحقوقه، موضوعياً في قوانينها التي تشكل بدورها مبدأ قوة الدولة وأساسها المتين ومصدر شرعيتها . ” إن الحرية هي القانون بما هو القانون المعقول بما هو يعبر عن محتوى الإرادة الفردية العاقلة بما هو يمثل مبدأ مرجوا ومتصورا والذي يمكن أن يقره ويسلم به المواطنون “.

فـ(الدولة)، بوصفها العقلي الكلي، لا تستمد وجودها من، ( التصور الديني)،  و( العاطفة الإيمانية)، كما يعتقد البعض، ذلك أن ( الدولة )، هي” الروح الضاربة بجذورها في العالم ”   قاعدتها ومبدأها العقلي، هو ( الحرية )، على خلاف (الدولة الدينية )، اللامبالية حيال العالم الدنيوي، من هنا، تتحدد العلاقة ما بين ( الدولة)،  والجماعة ( الدينية)، بواجبات (الدولة )، في ضمان حرية العبادة  للأفراد، وتوفير احتياجاتهم الدينية، دون التدخل في جزئيات التعبد وطرائقها .

إن الدولة بوصفها جوهراً كلياً موضوعياً يتجلى مضمونها القانوني والعقلي في الدستور السياسي الداخلي الذي يوزع إرادة الدولة على سلطات محددة  تجسد كل سلطة منها الفعالية الحرة لإرادة الدولة بوصفها كلاً واحداً يعبر عن الكلية الجوهرية الحرة فكل لحظة من لحظات تعين سلطة الدولة إنما تمثل حضوراً للكلي وتعيناً للعقلي المتمايز في الواقع الموضوعي .

ولما كان (الدستور )، هو التجسيد القانوني لإرادة ( الدولة )، فهو يعبر عن وعي و ثقافة (الشعب )، المتحقق في الواقع الموضوعي، لتلك ( الدولة )، من هنا، فلكل ( أمة)  دستورها الخاص الذي يلائمها.
فعبر ( سلطة الحكومة )، يتجسد (حق الأفراد )، المباشر في (الدولة )،  من خلال اندراج الأفراد في المؤسسات القانونية والإدارية والمنظمات الاجتماعية، وممارستهم لحريتهم الفعلية، عبر وعيهم الحاضر في (سلطة الحكومة )، والتي من شأنها، أن تعبر عن جوهر الأفراد ومصالحهم وغاياتهم الخاصة، من جهة، ومعبرة عن الإرادة الكلية (للدولة )، والتي بدورها تعين ( حقها الدستوري والسياسي الداخلي )، أيضاً في  (السلطة التشريعية )، بوصفها التعين الثالث، ( لحق الدولة )، والمتضمن للمبادئ القانونية الدستورية الكلية، إذ ” تتحدد هذه الموضوعات، بالنسبة إلى الأفراد في وجهين: 1- ما تفعله الدولة لصالحهم، وما يجب أن يحصلوا عليه .2- ضروب الخدمات التي تجب عليهم حيالها “.

إضافة إلى دور ( الجمعيات والمنظمات الاجتماعية )، بوصفها مساهمة فعلية في صياغة القوانين التشريعية ( للدولة )، ومشاركة في اتخاذ القرارات السياسية، إذ تستمد مشروعية (حقها )، من تمثيلها المباشر للإرادة العامة (للشعب )،  فعبر ( نواب الشعب )، في هذه ( الجمعيات )، يدافع الأفراد عن حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم الخاصة . فأهمية دور ( الجمعيات )، يكمن في دورها الضروري في التوسط المباشر، ما بين (الحكومة)، وما بين (الشعب ) .

وبالتالي، يقوم أساس ( الدولة ) العقلي  عنصره أو صورتها الديمقراطية، لا في إلغاء دور ( الشعب)، وإنما في مشاركته للشؤون السياسية والقضايا العامة، التي تتخذ صورة (التمثيل النيابي )، المعبر بدوره عن مصالح هذا ( الشعب )، وحقوقه وحرياته، فالأفراد عبر المنظمات والمؤسسات الإدارية المدنية والنقابات والبلديات والهيئات، إنما يحقق وجوده الحر، وفي ذات الوقت، يكون فكرته الصحيحة عن الكلية الجوهرية الروحية والأخلاقية (للدولة ) .

هكذا، فقوة ( الدولة ) وإرادتها الكلية، إنما تتجسد في ( حقها السياسي الداخلي)،  الذي يتضمن المبادئ والأسس العقلية والأخلاقية والقانونية، التي تنتظم عبرها علاقة (الدولة )، بأفرادها بوصفها الوسط الروحي، الذي يجسد حقوق الأفراد وحرياتهم، عالم الحرية المتحقق .

إن الروح، في حركة جدلية مستمرة، لا تهدأ ، وفي صراع وكفاح دائم ضد ذاتها، لتعي ذاتها، محققة، جوهرها الحر اللامتناهي، فغاية (الروح )، في ( الدولة )، التحقق موضوعياً في اللحظة السياسية، لتنتقل إلى التعين تاريخياً، في (حقها ) ،الكلي المطلق، بوصفه ( حقاً مطلقاً )، ( للروح المطلق )، المتحقق بدوره، في أعلى مستويات تعين الفكرة المطلقة، في الفن والدين والفلسفة .

الهوامش:

1  _ وائل غالي : نهاية الفلسفة، دراسة في فكر هيغل، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000، ص 327
2  – هيغل، جورج : محاضرات في فلسفة التاريخ، العقل في التاريخ ،ج1، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام،  مراجعة فؤاد زكريا، مصر،  دار الثقافة، 1986، ص111 .
3  –  الكسم،  بديع : الشعب وحرية الفرد في فلسفة هيغل، مجلة الثقافة، دمشق، العدد الأول، السنة الرابعة، حزيران/ يونيو، 1961 .
4  – سيررو،  رينيه : هيغل وفلسفته، ترجمة نهاد رضا، بيروت، دار الأنوار، ص 47 .
5  – وايل، اريك : هيغل والدولة، ترجمة نخلة فريغر، بيروت، دار التنوير، 1986، ص 58 .
6  – هيغل، جورج : مبادئ  فلسفة الحق، ترجمة تيسير شيخ الأرض، دمشق، وزارة الثقافة،  1974، ص 286، الفقرة ( 270 ) .
7 – مبادئ فلسفة الحق ، ص 330، الفقرة ( 299 ) .
ألبرت حوراني ,” الفكر العربي في عصر النهضة, 1789 – 1939 ” دار النهار, 1977

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This