انتفاضات العالم العربيّ (8)

أحيانا يخيل إليّ أنّ علاقة الغرب بالعرب تشبه علاقة الإقطاعيّ بالفلاحين الفقراء الذين يعيشون على "أراضيه" ويعتبرهم بمثابة أزلامه. إنّي أعرف أنّ هذا الكلام سوف يزعج بعض المثقفين الفرنسيين لو أتيح لهم الاطلاع عليه. ولكنه سوف يفرح البعض الآخر ممن تجاوزوا النزعة الكولونيالية الاستعلائية منذ زمن بعيد. فالمثقفون الفرنسيون ليسوا كتلة واحدة وإنما هم مثل المثقفين العرب ينتمون إلى مشارب شتى وحساسيات مختلفة ومتضاربة. ففيهم اليميني واليساري، الصهيوني وغير الصهيوني..فيهم المحافظون الجدد وفيهم التقدميون ذوو النزعة التنويرية الكونية الإنسانية. فيهم أيضا المحبّ الصادق، وفيهم المنافق الكاذب، وفيهم المعادي صراحة أو ضمنا.. نعم فيهم التنويريّ الذي يتمنّى للعرب ما يتمنّاه لشعبه أو لبقية شعوب الأرض، وفيهم العنصريّ الذي يعتبر أن الحضارة خلقت للعرق الأوروبي وله وحده، وفيهم بين بين. ولكن لتوضيح الصورة أكثر سوف أورد الحكاية التبسيطية التالية : يحكى أن ابراهيم الكنج، وهو إقطاعي المنطقة التي ولدتُ فيها بقضاء جبلة، سمع بأنّ الفلاحين بنوا مدرسة في أعلى الجبل لتعليم أولادهم مبادئ القراءة والكتابة. فماذا فعل؟ هل شجعهم على ذلك؟ هل دعمهم ماديا؟ على العكس تماما. لقد جنّ جنونه وأدرك فورا وجه الخطر في العملية. ولذلك أرسل رجاله لهدم المدرسة في جنح الظلام. ذلك أنّ أولاد الفلاحين إذا ما تعلموا فسوف تتفتح أعينهم ويعرفون الحق من الباطل وينتفضون على العلاقات العبودية والإقطاعية السائدة. وربما تجرؤوا وطالبوا لأولادهم بنفس حقوق أبناء الإقطاعي. وهذا شيء لا يغتفر. وبالتالي فمن مصلحته أن يبقى هؤلاء جهلة لا يفقهون شيئا. وهذه هي حالة الغرب السيد المطاع تجاهنا. فنحن أيضا إذا ما تعلمنا وتدمقرطنا وسيطرنا عل ناصية العلم والتكنولوجيا والفلسفة فسوف نصبح خطرين عليه يوما ما. سوف نصبح منافسين له بدلا من أن كنا مستهلكين لمنتوجاته وتابعين له ومؤتمرين بأوامره على طول الخط. سوف أورد مثالا آخر لتدعيم الفكرة ولكنه يخص الشيخ هذه المرة لا الزعيم الإقطاعي. يقال بأن أحد كبار الشيوخ كان يعظ  الناس وينصحهم بعدم تعليم بناتهم لأن ذلك مخالف للشرع والدين وربما أدى إلى الفسق والفجور والغرور.. ولكن الشيخ المحترم المبجل لم يكن يتردد في ذات الوقت عن إرسال ابنته إلى باريس لكي تدرس الطبّ! فمن الأفضل أن تظل ابنته الطبيبة الوحيدة في المنطقة. ثم ما علاقة هؤلاء الفلاحين الجهلة بالطبّ والعلم والثقافة؟ هذه أشياء لم تخلق لهم وإنما لأبناء الشيوخ والزعامات. من هنا العلاقة العضوية التي كانت تربط دائما بين الزعماء الإقطاعيين ورجال الدين في كل العصور وفي كل المجتمعات البشرية. وهي العلاقة التي أدانها جبران خليل جبران في بعض كتاباته الملتهبة.

هذه صورة مبسطة عن علاقة الغرب الاستعلائي بنا.
ومع ذلك فإنّ شباب العرب أصبحوا يدقّون على أبواب التاريخ! وسوف يدخلونه حتما يا سادة العالم. فيا ويلكم من اليوم الموعود! أولاد العبيد سوف يصبحون حضاريين وديمقراطيين. من يصدق ذلك؟ أولاد المستعمرين المذلولين المهانين قادمون. نعم العرب "الهمج" والمسلمون "المتعصبون" قادمون. وربما أصبحوا حضاريين ومتسامحين ومستنيرين مثلكم وأكثر. من يعلم؟ حتى الآن كان التاريخ حكرا عليكم أيها السادة تصولون فيه وتجولون. حتى الآن كنتم الأساتذة.. والآخرون، كلّ الآخرين، تلاميذ. ولكنّ عهد التلمذة ولّى أو أوشك. وما عاد بالإمكان أن تستمرّ الأمور على حالها إلى أبد الآبدين. ما عاد بالإمكان أن توصدوا أبواب التاريخ في وجوه ملايين العرب والمسلمين. لقد أوصدتموه طيلة قرون وقرون واستمتعتم بثمار الحضارة والنظافة والتقدم والرفاهية لوحدكم في نوع من الأنانية اللذيذة والتقوقع الخائف على الذات.
 
هل من مصلحة الغرب أن يصبح العرب ديمقراطيين مستنيرين؟

ظاهريا لا همّ للغرب إلا أن يخرج العرب من مرحلة الأصولية الدينية ويستنيروا ويتحضروا ويتدمقرطوا. وعندئذ لا يعودون يخيفون الآخرين عن طريق التفجيرات والكاميكاز وبخاصة تلك السيدة الناعمة المهذبة الراقية : إسرائيل! ولكن قبل هذا السؤال ينبغي أن نطرح سؤالا آخر: هل يعتقد الغرب بأن العرب أهل للديمقراطية والعقلية الحضارية فعلا؟ لن أجيب أنا شخصيا عن هذا السؤال وإنما سأترك الإجابة عليه لأحد المثقفين الفرنسيين المحترمين :  دانييل لندنبيرغ. من المعلوم أنّه كان قد خاض حربا ضروسا ضدّ المثقفين الطائفيين الفرنسيين وبخاصة اليهود الصهاينة رغم أنه يهوديّ. ولكنّه يهودي شريف يرى العيب في طائفته أيضا وليس فقط عند الآخرين وخاصة العرب والمسلمين. إنه مثقف نقدي لا عضوي : أي غير مرتبط عضويا بالطائفة وبشكل تعصبي أعمى كبرنار هنري ليفي مثلا او اندريه غلوكسمان أو بالأخص آلان فنكيلكروت. يقول في آخر تصريحاته عن الانتفاضات العربية الجارية حاليا : الكثير من المثقفين الفرنسيين يعتقدون في قرارة أنفسهم بان الشعوب العربية متخلفة بشكل أزلي أو خلقي أو وراثي فطري، أي بشكل لا مخرج منه. وبالتالي فالديمقراطية لم تخلق لهم. ولا تناسبهم إلا سياسة العصا والاستبداد.

ماذا نفهم من هذا الكلام؟ إنه واضح كل الوضوح وليس بحاجة إلى شرح. ولكنه يساعدنا على فهم السرّ في صمت هؤلاء المثقفين على الانتفاضات العربية واشتباههم بها وتعاطفهم المضمر إن لم يكن الصريح (على الأقل في البداية) مع الأنظمة البوليسية الفاسدة التي سقطت أو المرشحة للسقوط. ولكن فيما بعد، أي بعد أن أصبحت الانتفاضات المباركة كالسيل الجارف الذي يكتسح في طريقه كل شيء، ما عاد بالإمكان السكوت عنها أو عليها. وعندئذ ابتدأت مواقف المثقفين الفرنسيين تنكشف تدريجيا. قبل أن أدخل في صلب الموضوع سوف أقول بأن ريجيس دوبريه يشاطر دانييل لاندنبرغ هجمته على هذا النوع من المثقفين الفرنسيين الذين يتصدرون واجهة الأضواء الإعلامية في باريس.

يرى دانييل لاندنبيرغ أنه يوجد محافظون جدد في فرنسا أيضا وليس فقط في أميركا. ويقف في طليعتهم المثقفين المذكورون آنفا : أي برنار هنري ليفي، وأندريه غلوكسمان، وآلان فنكيلكروت، وأليكسندر آدلير. وهؤلاء لا ينظرون إلى الشؤون العربية إلا من منظور العين الإسرائيلية. في كل مرة يحصل شيء ما يتساءلون : هل هو لمصلحة إسرائيل أم لا؟ لو طارت ذبابة لطرحوا نفس السؤال.. ولذلك شعروا بالحرج تجاه الربيع العربي أو الانتفاضة العربية للوهلة الأولى. شعروا بالحرج لسببين : الأول هو انزعاجهم من أن يكون العرب شعوبا تعشق الحرية أيضا!  والثاني هو أنهم خافوا أن يكون ذلك ضد مصلحة الآنسة المغنجة المدللة إسرائيل التي هي وحدها بلد الحريات والديمقراطيات!..ولكن ريجيس دوبريه كان قد علمنا منذ زمن طويل أن إسرائيل هي بلد
ديمقراطي بالنسبة لليهود ويهودي بالنسبة للعرب. نقطة على السطر. وهذا يعني أن الديمقراطية لا تنطبق إلا على شعب الله المختار..أما العرب؟.. فيما بعد غير بعضهم موقفه كليفي وغلوكسمان دون أن يختفي القلق نهائيا..
 
موقف آلان فنكيلكروت:

يبدو أن هذا المثقف هو الأكثر تعصّبا لإسرائيل والفكرة الصهيونية والأكثر ارتيابا بالعرب. فهو يشتبه بالانتفاضة المصرية العارمة ويخشى أن تشكل خطرا يحوم فوق رأس إسرائيل. يقول بما معناه : عندما ننظر إلى الهجمات التي يذهب ضحيتها الأقباط، وعندما نعرف أن مصر تعيش منذ سنوات طويلة حالة هيجانية ضد إسرائيل وضد السامية، وعندما نقرأ شعارات من نوع( مبارك صهيوني)  وعندما نعلم أن إيران فرحة بما يحصل، فإننا لا نملك إلا أن نخاف ويتزايد قلقنا. لا يسعنا إلا أن ننتظر حتى تنجلي الأمور قبل أن نطلق حكما على هذه الانتفاضات العربية.

أما غلوكسمان الذي لا يقل محبة وتعصبا لإسرائيل عنه فيبدو أكثر تفاؤلا بما يحصل في أرض العرب.يقول مثلا : ما يحصل في مصر حاليا يبرهن لنا على ان العرب ليسوا مدانين بأن يظلوا محكومين ديكتاتوريا إلى أبد الدهر. إنهم ليسوا محكومين بذلك لا عن طريق الولادة ولا عن طريق الوراثة.

على هذا النحو يستبعد غلوكسمان التفسير العنصري للحالة العربية ويتمايز عن فنكيلكروت والمتعصبين جدا ضدنا من مثقفي اليمين المتطرف سواء أكانوا يهودا صهاينة أم لا. والدليل على ذلك هو أن فنكيلكروت يرفض تشبيه الانتفاضات العربية الرائعة  الجارية حاليا بتلك الثورات التحررية التي اندلعت في دول أوروبا الشرقية تباعا بعد سقوط جدار برلين. نقول ذلك رغم أن أوجه التشابه واضحة وتقفز إلى الذهن فورا. لماذا يرفض هذا التشبيه الذي خطر على بال العديد من المثقفين الفرنسيين والعرب؟ يقول حرفيا : إن المقارنة بين الثورات التحررية التي جرت إبان التسعينات في دول أوروبا الشرقية والثورات العربية الجارية حاليا خادعة أو خاطئة. لماذا؟ لأن بلدان أوروبا الشرقية كانت تحتوي على تراث ديمقراطي سابق على التجربة الشيوعية. فهل هذا التراث موجود في مصر يا ترى؟ لست واثقا من ذلك.

بل ويرفض فنكيلكروت مقارنة الحركة الأصولية المصرية والتونسية بالحركة الأصولية التركية التي يقودها حزب أردوغان. لماذا؟ لأن العلمانيين في تركيا حسب رأيه يمتلكون قوة ومشروعية لا مثيل لها في البلدان العربية.

نستنتج من كل ذلك أن الحالة العربية مسدودة من كل الجهات ويفضل أن يبقى الحاكم الديكتاتوري على رأس العرب إلى أجل غير مسمى!..

صوفي بسيس ترد عليه:
 
لحسن الحظ فإن هذه الباحثة اليهودية التقدمية وهي تونسية فرنسية، تعرف كيف تردّ على فنكيلكروت وجماعة المحافظين الجدد الذين يسيطرون أحيانا على الساحة الباريسية بسبب هيمنتهم على وسائل الإعلام. فهي تقول متهكمة : على ما يبدو فإنّ صلابة التراث الديمقراطي لدى شعوب أوروبا الشرقية موجودة في جيناتها الوراثية! أمّا الجينات الوراثية العربية فلا أثر للديمقراطية فيها! عيب. هل يعلم السيد آلان فنكيلكروت أنّ بلدان أوروبا الشرقية شهدت أيضا أنظمة أصولية، مسيحية، استبدادية، تماما كالعالم العربي؟ وهل يعلم أنها شهدت بعدئذ أنظمة فاشية وشيوعية توتاليتارية؟ ومع ذلك فقد أصبحت ديمقراطية بعد سقوط جدار برلين. وبالتالي لا نعرف لماذا لا تصبح الشعوب العربية والإسلامية حرة وديمقراطية أيضا؟ كفانا استخداما للمعايير العرقية والعنصرية لتفسير قابلية الشعوب الأوروبية الشقراء للديمقراطية، وعدم قابلية الشعوب العربية والإسلامية..إنهم بشر أيضا. وقد يتقدمون ويتطورون ويستنيرون ويصبحون روّاد حضارات..(أفتح هنا قوسا وأقول : ينبغي علينا أيضا نحن المثقفين العرب أن نكنس أمام بيتنا ونمتنع عن إطلاق الأحكام العنصرية والطائفية على اليهود. ينبغي أن نتمايز كليا عن الموقف الأصولي المتخلف الذي يدينهم بشكل مسبق ومطلق. فهناك يهود ويهود كما أن هناك عربا وعربا، ولا ينبغي التعميم. لا ينبغي أن نعامل دانييل لندنبيرغ أو صوفي بسيس أو ادغار موران أو الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي أو السياسي الاشتراكي يوسي بيلين أو آخرين عديدين كما نعامل برنار هنري ليفي وغلوكسمان وفنكيلكروت واليكسندر آدلير وجماعات الليكود وشاس الخ..هذا ظلم يرتدّ أثره سلبيا على الشعب الفلسطيني والقضية العربية).

باسكال بونيفاس يردّ على المحافظين الجدد الفرنسيين:
 
بعد أن حيا برنار هنري ليفي وغلوكسمان الثورات العربية المتفجرة حاليا راحا يتخوّفان من أن يقطف الأصوليون أو الإخوان المسلمون ثمارها. على هذا التخوف يردّ باسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس وصاحب الكتاب الشهير : هل من المسموح نقد إسرائيل في فرنسا؟ يقول منفعلا وغاضبا : الشيء الغريب العجيب هو أن هؤلاء النجوم الإعلاميين قلقون من وصول الحركة المتزمتة الإسلامية إلى سدة السلطة في مصر. وهذا من حقهم. ولكنهم لا يقولون كلمة واحدة عن الحركة الأصولية اليهودية التي تمارس السلطة في التحالف الحكومي لنتنياهو. فحزب شاس مثلا ليس فقط حزبا أصوليا وإنما عنصريٌّ أيضا. وهو يشارك في السلطة الإسرائيلية إلى جانب حزب آخر عنصري ولكن علمانيّ هذه المرة هو حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يتزعمه وزير الخارجية ليبرمان.

صدق باسكال بونيفاس. ومع ذلك فلم نسمع أحدا يحتجّ على هذا الوضع الشاذّ. بحياتنا كلها لم نسمع برنار هنري ليفي أو غلوكسمان هذا ناهيك عن فنكيلكروت ينتقدون شيئا في سياسة حكومة إسرائيل! هل يعقل أن تكون هذه الحكومة معصومة أو ذات كلام إلهي منزّل؟ هل الحكومة التي تمارس الاحتلال والاستيطان والمجازر وهدم البيوت والاغتيالات السرية والعلنية ومصادرة الأراضي هي حكومة نظيفة أو شريفة؟ هل يمكن لمثقف يحترم نفسه أن يسكت عن كل ذلك؟! هنا يكمن الفرق كما قلنا بين المثقف النقدي الحر والمثقف العضوي المتعصب : أي المرتبط عضويا بمصالح جماعته وطائفته إلى درجة أنه لا يستطيع أن يرى أيّ عيب فيها. لقد أعماه التعصب إلى درجة انه لا يرى العيب إلا في الآخرين. أعفونا من ذكر الأسماء لأنّ العديد من المثقفين العرب، وليس فقط اليهود، هم من هذا النوع..من أصعب الصعب رؤية نواقص الذات أو الاعتراف بأخطائها. ومن أسهل السهل أن ترى نواقص الآخرين وتعيرهم بها شامتا، متشفيا، مستمتعا..برنار هنري ليفي دافع عن قضية المسلمين المضطهدين في البوسنة وعن قضايا أخرى في شتى أنحاء العالم. ويشكر على ذلك. ولكنه لا يستطيع أن يرى الحقّ في فلسطين. وقل الأمر ذاته عن غلوكسمان الذي دافع بقوة عن المسلمين الشيشان ضد الزحف الروسي الساحق الماحق. ويشكر على ذلك أيضا. ولكنه لا يستطيع أن ينتقد حتى شارون!

كارولين فوريست ونفاق إسرائيل:

كارولين فوريست هي الباحثة والصحفية الفرنسية التي نشرت بالتعاون مع فياميتا فينر كتابا عن الأصوليات الثلاث وكيفية محاربتها للعلمانية. وكانت رابطة العقلانيين العرب قد ترجمته ونشرته دار بترا عام 2006 تحت العنوان التالي : العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية.

وهي تتهكم على قلق نتنياهو من الانتفاضة المصرية وخشيته من أن تتراجع مصر عن عملية السلام بعد رحيل مبارك. تقول بما معناه : كان قلقه يمكن أن يكون أكثر إقناعا وصدقا لو انه استفاد من استقرار مصر طيلة ثلاثين سنة في عهد مبارك المتساهل معهم إلى أقصى الحدود. لماذا لم يستغل هذه الفترة الذهبية المؤاتية لدفع عملية السلام إلى الأمام؟ إنه من السهل أن يتباكى عليها الآن. ولكنه لم يفعل شيئا ولم يتجاوب إطلاقا مع ترحيب مبارك به وبكل القادة الإسرائيليين. بل رفض كل التنازلات التي قدمتها له السلطة الوطنية الفلسطينية. وكانت نتيجة ذلك أن أصبحت عملية السلام مقبورة وأن السلطة الفلسطينية فقدت هيبتها ومشروعيتها في نظر الجماهير الفلسطينية. وهكذا أصبحت حماس في أوج عنفوانها ونزل اليسار الإسرائيلي إلى قعر الجحيم وانتصر المتطرفون في كلتا الجهتين. فهل يمكن لأي حالة مقبلة أن تكون أسوأ من ذلك؟ هل يمكن أن تتدهور الأمور أكثر في ظل الانتفاضات العربية؟ لقد أفسد الصراع العربي-الإسرائيلي سياسة المنطقة منذ أكثر من ستين سنة. ولم يعد له أيّ حقّ في تبرير تأخير الدمقرطة العربية. فليخرس نتنياهو إذن وكل النفاق الغربي الكاذب معه. لقد استغلوا هيبة مبارك ومشروعيته وامتصوها حتى آخر لحظة وعندما أصبح مستهلكا وفاقدا للمصداقية في نظر الجماهير العربية لفظوه. وهذه هي منهجية الغرب في التعامل مع القادة العرب من السادات إلى عرفات إلى مبارك..

الثورة العربية لم تحصل بعد!

من بين التعليقات التي أعجبتني فعلا تعليق الباحث الفرنسي المختص بالشؤون العربية عموما والسعودية خصوصا : باسكال مينوريه. وبه أختتم هذا الحديث.يرى هذا الباحث أن أحزاب المعارضة الفعلية دمرت في مصر منذ عام 1952. ولم يبق في الساحة إلا قوتان أساسيتان : الجيش  بزعامة الضباط الأحرار من جهة، والإخوان المسلمون من جهة أخرى. والآن نجد أنفسنا أمام نفس السيناريو. وبشكل من الأشكال يمكن القول بأن الثورة العربية لم تحصل بعد.يمكن تشبيهها بنقطة واحدة مع الثورة الفرنسية :ألا وهي سقوط الديكتاتور، أي لويس السادس عشر أو بن علي أو مبارك، ولكن بدون سقوط سجن الباستيل وكل امتيازات العهد القديم المحصورة بالطبقة العليا من المجتمع. بهذا المعنى يمكن القول بأن الثورة الفرنسية كانت بالفعل ثورة حقيقية على عكس الانتفاضات العربية الجارية حاليا. لماذا أقول ذلك؟ لأنها أدت إلى تغيير حقيقي على أرض الواقع لا تغيير شكلي أو ظاهري سطحي. ثم يختتم الباحث كلامه قائلا : لقد انتظرنا مائة سنة حتى آتت الثورة الفرنسية أكلها ونضجت ثمارها يانعة جنية. لقد انتظرنا مائة سنة حتى تمكن الفرنسيون من تفكيك الانغلاقات الأصولية والامتيازات التاريخية التي كانت تعيق تطور المجتمع وانطلاقته. وبالتالي فلنعط بعض الوقت أيها الأصدقاء للانتفاضات العربية. إنها لن تستطيع قلب النظام القديم وتحقيق العدالة والمساواة والديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات قبل عشرين أو ثلاثين سنة قادمة على الأقل. ولكن الخطوة الأولى ابتدأت ولن تتوقف عما قريب…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This