انتفاضات العالم العربيّ (9)

الكونية تتوسع. كان ذلك مفعولها منذ أن أضرم الشهيد البوعزيزي النار  في جسمه مشعلا معها انتفاضة عابرة للأقطار العربية من أجل الحرية والكرامة. إنّه إحراق عمليّ لكلّ استثناء قد ينتصب  في وجه هذه الكونية. لا كيان يطيق بعد اليوم  وجوده  دون حرية وحقوق أساسية يتقاسمها مع  كلّ أفراد النوع الإنساني. لأنّ الانتماء إلى الانسانية بما هي صفة كونية هو أكثر أصالة من الانتماء إلى هذا المجتمع أو ذاك. (1)  

فالكونية كفّت عن أن تكون إيديولوجيا الغرب المنوّمة، بل الشرط الذي لن تكتمل إنسانيتي من دونه. إنها علامة كفاح مستمرّ سأظلّ  مستعدّا  للموت من أجله. إنها حقوقي ومساواتي لغيري فيها وحريتي التي أعيشها عمليا في جسدي ومعتقداتي وأفكاري وميولاتي وأعيد اكتشافها في غيري باعترافنا  المتبادل بحقّنا المتساوي فيها .

هذه الحرية لا يمكن أن تنتصب في وجهها أية حدود، سواء كانت ثقافية أو جغرافية أو سياسية، تخوّل لأية قوة كيفما كان نوعها أن تفرض وصايتها عليها،  وأن تحجّم منها تحت أية ذريعة كالخصوصية الثقافية أو الانتماء الديني أو التقاليد الموروثة في الحكم. أي تلك الذرائع التي تحصّن وراءها الحكام لفرض الحجر على الشعوب محوّلين إياها إلى كتل هلامية ميؤوس منها قاصرة و غير قادرة على أخذ زمام أمورها بيدها .  
 
في عمق الثورتين التونسية والمصرية  كانت الكونية هي التي تنتفض، هي التي تعبّر عن نفسها في حناجر الشباب المنادية بالحرية بصدورهم المفتوحة أمام وابل الرصاص الذي يخترق أجسادهم بلا خوف ولا وجل، لأنهم أدركوا أنّ  حرّيتهم  حقّ لا يمكن لأحد التصرف فيه. وكان  إرساء نظام سياسيّ واجتماعي وثقافي  مشبع لرغبتهم في الاعتراف بكونهم ذوات ذات كرامة بموجب ما تضمنه لهم بشريتهم هو المحرّك الأساسي في تحدّيهم لإرادة القتل والقمع التي تواجههم. إنّ وعيهم بأنهم ليسوا خدما لا لله ولا للحاكم، ليسوا رعايا أحد، هو ما منح انتفاضتهم ضدّ أنظمة الإذلال المبنيّة بعناية من قبل الحكام قوّة التحدي حتى الموت في استعادة رمزية لجدل السيد والعبد. وحيث المخاطرة حتى الموت هي السبيل المتاح لانتزاع الاعتراف.
 
قبل الثورة التونسية أي قبل أسابيع فقط كان من يتحدّث عن ثورة الجماهير في البلاد العربية يكون نصيبه الاستهزاء والسخرية باعتباره رجع صدى متخلّف لعقلية انقرضت ولم يعد هذا زمنها. كانت المنظومة الداعمة لاستبداد أنظمة الحكم هي منظومة اليأس وفقدان الأمل بما ترتّب عن ذلك من سيادة روح الانتهازية القائمة على تبرير هذا الوضع باعتباره القدر النهائي الذي تفرضه خصوصية هذه الشعوب، وأنه أفضل العوالم الممكنة التي تجعل النخب السياسية المرسّمة في محيط النظام  تدخل في مسلسل لا ينتهي من التغيير الهادئ الذي لا يقلق راحة الحاكم.

كان الاستسلام لنوع من الاستغباء  العامّ  للشعب باعتباره غير قادر أبدا على وعي حريته وكرامته هو المهيمن حتى لدى المثقفين الذين انخرطوا بدورهم في هذا الغفوة. دون أن يدروا أن التاريخ يحوك نفسه في غفلة منهم وأن الحرية تخلق شروط التعبير عن نفسها كمطلب لا تفاوض فيه، وأن الكونية لا تستسلم أمام الأستثناء .

فقد أظهرت الثورة التونسية وبعدها المصرية أنّ آخر من يفهم التاريخ هو المثقف  الذي بدا متجاوزا بالثورة متفاجئا بها كباقي البشر. إذ لم ينتظر الشباب الثائر توجيهات مثقف أو رسمه لجغرافيا مفاهيمية لفعلهم لكي يدركوا ماهم بصدد القيام به. بل كانت الأمور ناضجة ودقيقة بالنسبة إليهم في غنى عن بوصلة المثقفين المرسمين في المشهد الثقافي إما كموالين للنظام أو كمعارضين له. والأسوأ من ذلك : في الوقت الذي كان فيه الشباب يعرّون صدورهم  للرصاص في ميدان التحرير دفاعا عن مشروع الكرامة والحرية، كان جابر عصفور في الطرف الآخر يلقي بالقسم أمام جثّة سياسية تستعدّ للرحيل بعد قبوله حقيبة وزارية في آخر حكومة على عهد النظام البائد.

كان  يتجمع في مظهر جابر عصفور كلّ مظاهر البؤس المزري لمثقّف يفصل ما بين الأفكار والحياة، بين الدعوة للتنوير وممارسته، متذرّعا بأنّ كتابة الفكرة تعفي من ممارستها وتحدّي الواقع من أجلها. نفس الشيء سجّل بالمغرب عندما شكّل مجموعة من الشباب حركة 20 فبراير الديمقراطية والحرية الآن للمطالبة بالحدّ من سلطات الملك وضمان التوزيع العادل للثروات ومناهضة كل أشكال الاستبداد والفساد. فكان المثقفون في حالة لا يحسدون عليها إذ قلّة نادرة منهم هي التي أعلنت مساندتها للحركة ومطالبها. وقلة أقلّ هي التي ظهرت في مسيراتها. فيما اكتفت غالبية الكتاب بأسلوب النعامة متنكّرة لكلّ ما يقع في صمت. بل خرج الكثير منهم في تصريحات يحذّرون المغاربة من فقدان نعيم الاستقرار الذي ينعمون به في ظل النظام القائم. فبدا يقينا أنّ  آخر كائن يمكن الاعتماد عليه في المعارك المصيرية للمجتمع، ومنها معركة التغيير من أجل مشروع حداثي، هو المثقف الذي يصبح محافظا واقفا إلى جانب المحافظين عندما تدقّ ساعة الفعل الحقيقي. قناعة زكّاها موقف اتحاد كتاب المغرب الذي تفادى إصدار بيان مؤيد للحركة مكرسا بذلك  وضع المثقف ككيان على هامش المجتمع لا علاقة له بقضاياه الحيوية ولا ينتظر منه هذا المجتمع شيئا. إنه فضلة لا لزوم لها.

بالطبع كان كتّاب شباب غفل بلا شهرة ولا ادعاء منخرطين في حركة التغيير واضعين قناعاتهم في المحك اليومي، منصهرين في الجسم الثوريّ بأحلامه وحتى رومانسيته.

ومثلما أسقطت الثورة هالة المثقف أسقطت معه سلطة البلاغة  والخطابة المبنيّة على فكرة التأثير في نفوس الناس. فقد أخرج الشباب حلم الثورة إلى الواقع اعتمادا على عبارات مقتضبة تروج بينهم في الفيسبوك والتويتر وفي رواجها هذا تستقطب اهتمام الآلاف. لا مجال بعد اليوم للخطب الطنانة المطولة والأصوات المجلجلة بمحسناتها البلاغية وزخارفها  التي ينتظر منها التأثير في الناس. انتهت بلاغة أن تقول "المعنى ومعنى المعنى". فقد عشنا أيّام ثورة ميدان التحرير مابين أداءين استراتجيين متقابلين. أداء متمسّك ببلاغة المنبر الذي ينطق بمبدأ الزعيم المبجّل الذي يخرج بخطبه المطولة والمصدر الأحادي  للحقيقة  ذي الصوت الجهوري الذي يتوسّل كل الأساليب قصد استمالة عواطف من يشاهده ويسمعه. وهو الطرف الذي اندحر في المعركة. وأداء قاعدي في ميدان التحرير لا خطب فيه ولا إطناب ولا محسنات والشعار بحجم ما سيؤول إليه في الواقع مترجما إدراكا دقيقا لمن يحمله. لم يعد الفعل التاريخي محتاجا  لخطب  تسوغه وتستنهض همم من يذوذون عنه. في النهاية فالطرف الذي تمسّك بالخطابة (الرئيس حسني مبارك) هو الذي اندحر..

وبإسقاطها لسيادة سياسة الخطابة أسقطت الثورة كذلك الوضع الكاريزمي للزعامة. فقد تبين بالعكس أن الزعامات عطلت التغيير في البلدان العربية حتى وهي تتحصن بموقع المعارضة. إن الرمزية الحقيقية القوية والمؤثرة لم تعد لذلك الزعيم الحصيف المدرك لخلفيات الأشياء الذي يوفّر شروط الاتزان في أحكامه وتحركاته، بل لذلك الشاب المنفعل الذي قاده وعيه بحريته إلى لزوم التحرك من أجل إرساء نظام اجتماعي يحترمها. فقد ظهر أن الزعامة لم تكن تصلح إلا  لتأجيل أحلام الشعب، وأن الاتزان هو أسوأ خصلة تطلب في اللحظات الحاسمة في التاريخ.

كذّب الشباب سواء في تونس أو مصر كلام السياسيين  العجزة وصنعوا ما كان يبدو مستحيلا. وحركوا المياه الآسنة لليأس المستبدّ بالنفوس. لم يلزمهم لصنع الثورة خطب مطولة لزعيم الحزب ولا قصائد لشعراء طليعيين مبشّرين بالثورة  ولا أغاني ملتزمة. كان يكفيهم الكثير من الحلم ونقرة خفيفة على الأنترنيت وإصرار على الحرية..

لو انتظر المصريون والتونسيون  زعاماتهم الحزبية  لحكمهم الحفيد  الألف لابن علي وحسني مبارك. فحتى وهم يعارضون حكامهم ستكون نتيجة عمل هذه الزعامات  هي جعل الشعب يمتثل للنظام باسم تغيير منتظر في مستقبل أبديّ لن يتحوّل إلى حاضر. فقد دأبت هذه الزعامات على الاعتماد  في عملها على استراتيجية الوثيقة التي تقوم على تدبيج مطالبها في مذكرة وتقديمها للحاكم وانتظار الإجابة عليها دون دعوة الشعب لدعمها من خلال النزول للشارع.

والمهم في الأمر هنا هو أنّ ثورة الشباب في تونس ومصر معا حملت معها حكمة قوية هي أنه لولا فقدان الشعب لثقته في الأحزاب لما قامت الثورة.

فالأحزاب سواء كانت موالية أو معارضة هي جزء من النظام وحتى عندما تفكّر في التغيير فهي تطرحه على أرضية مدافعة عن الاستمرارية وليس القطيعة. وسواء في الأنظمة الديمقراطية أو غيرها فالأحزاب تصلح للحفاظ على النظام القائم وليس لتغييره جذريا.  

كان الكثير من المحللين مصدومين  أمام نتائج التحرّك الشبابي بتونس والمتمثلة بشكل أوضح في إرغام الدكتاتور بن علي على التنحّي من سدة الحكم والهرب في اتجاه السعودية. فقد حاولوا أن يردّوا عليها بأنها مجرّد انتفاضة لن ترقى إلى ثورة لأنها  لا تتوفّر على قيادة ثورية وبرنامج. إنّهم بحكم انحصارهم في تصوّر تقليدي عن الثورة، لم يدركوا أنّ امتياز الثورتين معا أنهما بلا قيادة حزبية. إذ يعلمنا تاريخ الثورات الكبرى  أن الثورة التي  يقودها حزب تؤول إلى دكتاتورية الحزب الواحد كما هو  الأمر بالنسبة للثورة البولشفية والثورة الصينية.

فمن أهم منجزات الثورة التونسية والثورة المصرية أنهما ثوّرتا  مفهوم الثورة نفسه، فلم تعد حركة مشروطة بقيادة تحدّد تحرّكها وفعلها وردّ فعلها. فقد كان ميدان التحرير بكامله قيادة لنفسه. مصرا على خياره الذي لا تفاوض في شأنه ملخصا إياه في شعار دقيق : " الشعب يريد إسقاط النظام".

هل كان لربيع الثورة في البلدان العربية أن يتمّ  لولا الطفرة الإعلامية التي واكبته؟ فقد ظهرت هذه الثورات كتتمّة لثورة سابقة هي الثورة التكنولوجية التي شملت مجال تبادل المعلومة وترويجها مخترقة الحدود القطرية. كانت التعليقات تخلق مفعولات في أرض الواقع. وكانت الصور تشكل إحراجا للعالم بكامله وللدول الغربية بالدرجة الأولى. وتحولت بعض القنوات إلى نواة تنسيقية بين الثوار وانقلبت تحليلات بعض الخبراء إلى تحريض مسترسل على الصمود في الكفاح. وبدت الأنظمة بكل ما تملكه من أجهزة قمعية ونفوذ دولي هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يكاد لا يسمع لها صوت مؤثر في هذه القنوات وأولاها طبعا قناة الجزيرة. وكان انتصار الثورة باديا في الإعلام الدولي قبل أن يتم في الواقع. وأثبتت الثورتان معا ولأول مرة أننا دخلنا فعلا لعصر جديد مع ثورة التكنولوجيا الجديدة للاتصال، ثورة تقوّي الشعور بالحرية وتعزز الفعل دون المرور بالأساليب العتيقة حيث من اللازم انتظار قرار من الأجهزة الحزبية بالتدرج.

لا تحكم السلطة إلا بمساعدة من تحكمهم. ذلك ما تؤيده الثورة العربية اليوم. فعندما تخلى الرعايا عن راعيهم اندحر إلى غير رجعة. تشكل  الثورة  إحراقا لماضي الرعية وإعلان ميلاد المواطن الحرّ المالك لزمام مصيره . فأخيرا أضحى بإمكان الشعب أن يتحوّل إلى إرادة.

هناك حيث استفاقت الرغبة في الحرية، أصبح بإمكاننا أن نحلم بمدينة العالم التي نحن أعضاء فيها بموجب حريتنا،  لاستكمال مشروع خروج الإنسانية من حالة القصور إلى حالة  الرشد ليس لأننا نملك حقيقة العالم ولكن لأن حريتنا تؤهلنا لخوض مغامرة خلق حقيقة جديرة  بنا. ففي الثورة حماس لا نظير له لإسقاط كل وصاية.

 
هامش:

1 ـ تودوروف : روح الأنوار تعريب حافظ قويعة الطبعة الاولى 2007 دار محمد علي للنشر صفقس تونس ص 20
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This