هل يتكرّر المثال التونسيّ؟

                                      
ستعمل كلّ قوى الماضي العربية من مشيخات وإمارات ومملكات وما جاورها من جملكيات على فعل كل ما في وسعها من أجل إجهاض ثورة تونس. سيركّز تحالف الظلام الإسلامي العالمي نار ثأره على حداثة تونس وعلمانيتها، وخصوصا على المساواة القانونية بين المرأة والرجل التي هزمت فكرة القوامة، و كذا تنظيم النسل الذي حل محل " الله يرزقكم و يرزقهم" .. سَيكثّف الحاقدون من إظهار بعض وجوه كالحة على فضائياتهم الصحراوية تدعو إلى إعادة أسلمة تونس كما كان يحلم عميد المتشبثين بالتخلف القرضاوي. وسينال الإسلاميون المتشددون التونسيون حصة الأسد في الإعلام الأصولي العربي السائد.

ولأنها مرعبة للكثيرين، ستُحارب التجربة التونسية الثورية وسينشط بترودولار البعض حتما للتخويف بالإسلاميين لإعادة تسويق فكرة المستبد الواقي من داء الإسلام السياسي. وسيحرك البعض الآخر آلته الإعلامية والمالية لوهبنة و بَدوَنة بلد الحبيب بورقيبة. ألم يفت الوهابيون بتحريم الثورة والخروج عن طاعة الحاكم على فضائياتهم؟ ألم تصف أكبر الفضائيات النفطية ثورة الحرية التونسية بأنها ثورة جياع؟

ولكن التاريخ ماض إلى حيث يجب أن يمضي و لا أحد يستطيع توقيفه وسيتجاوز التونسيون معادلة الطاعون أو الكوليرا التي رسختها الأنظمة العربية لتأبيد سيطرتها الفجة والتي لم تترك أمام العربي المسكين في الدول التي لم تتأسلم رسميا بعد سوى الخيار بين دولة بوليسية واقعة ودولة أصولية قادمة !

وكما فصلت تونس بورقيبة بين الدين والدولة وبين الجيش والدولة وعصرنت القانون والتعليم، ها هي تونس الثورة تفصل بين الدولة والحزب، وستكمل بناء هرم الحداثة بتوطيد الديمقراطية والتداول السلمي على الحكم. وبعد سنوات قليلة سيطل التونسيون من أعالي العقلانية على الإنسانية العربية الأخرى المتخبطة في وحل الاستبداد والغيب ووهم الخلافة.

أساطير كلها تلك الحكايات القائلة بانتقال عدوى الانتفاضة إلى بلدان عربية أخرى! سيستمر الشبان العرب في الانتحار حرقا هنا أو هناك و تحدث قلائل واحتجاجات ويتبعها قمع شرس كالعادة، ولكن لا يمكن أن ينتج عن ذلك زعزعة نظام وإرغام رأس حربته على الهروب نحو القبلة كما فعل أشقاؤنا في تونس، وذلك لأسباب موضوعية عديدة من أهمها خصوصية التجربة التاريخية واختصارا ودون أَمثلة الحبيب بورقيبة، لم يكن للبلدان العربية الحظ في أن يتولى مصيرها رجل بمثل قامته مباشرة بعد استقلالها. وبغض النظر عن أخطاء الرجل فقد وضع تونس على الطريق الصحيح بانتهاج سياسة عصرية في ميدان التعليم و التشريع والأحوال الشخصية… لقد وسّع ذلك آفاق الممكن بتعبير سارتر.                                                       

وكان من الضروري أن تولد من تراكم هذا الإرث الحداثي ذهنية جديدة تعيش زمنها، تؤمن بحق الاختلاف التي باتت ثقافة عامة وإن لم تجد الإطار السياسي الحر الذي تعبر من خلاله عن ذاتها. وهذا المخزون الثمين هو الذي كان حاجزا منيعا أمام محاولة نظام بن علي القضاء على توق التونسي إلى الحرية والانعتاق. ولم يستطع  – رغم التسلط والعنف و محاربة الناس بقطع أرزاقهم وتفقيرهم…- أن يقضي على حب الحياة و الأمل لديهم.

 

ولئن استطاع النظام البائد خلق الندرة و الحاجة فإنه لم يستطع صعلكة الشعب التونسي، ورميه في أحضان الوهم والإسلاموية التأحيدية كما هو جار في كثير من البلدان العربية الأخرى. بقي التونسي يقاوم متسلحا بإرثه الثقافي العريق وتاريخه النضالي الطويل وبمكاسب الحداثة، فلم "يتوهبن" ولم "يتأفغن" ولم "يتفرنس "(قارن بين مستوى تدخلات التونسيين وغيرهم من العرب على شاشات الفضائيات).

لن يتكرر هذا النموذج في بلدان عربية أخرى كما يحلم الكثير من المحللين (أتمنى أن يكون تنبئي خاطئا) لأنها متكونة من كيانات غير متجانسة عرقيا ولغويا ودينيا ومذهبيا كثيرا ما يستثمرها الحكام كتناقضات تصب في مصالحهم التسلطية. بكلمة أسرع لا يوجد مجتمع بالمعنى الحديث في البلدان العربية الأخرى وإنما تجاور وتجمع قبائل. هل يتجرأ  المواطن الخليجي على المطالبة بفصل الدولة عن العائلات المالكة الحاكمة؟                                                                                                                                                          في تونس مجوعة وطنية حديثة ما بعد قبلية، تجد عن قريب إطارا تنظيميا عقلانيا يمكن من خلاله أن يختلف الناس ضمنه سياسيا وطبقيا وإيديولوجيا. وتلك بداية الديمقراطية.. و هو عكس ما هو حاصل في كل البلدان العربية إذ هي مشتتة في قبائل متناحرة، متحاربة،  فالإختلاف ما قبل الحداثي  فيها وغياب التعليم الحقيقي (عكس تونس) فتح الباب أمام تعليم أصولي قروسطي ضلل الشباب و جعلهم يحلمون بتوحيد مجتمعاتهم عن طريق ما يسمى 'الدولة الإسلامية'. واختصارا يمكن أن نقول أن في تونس وحدة وطنية وتوق إلى التعددية السياسية (ديمقراطية) و في البلدان العربية الأخرى تفكك وتوق إلى التوحيد أو الاستنساخ (دولة إسلامية).

 

ويبقى السؤال الكبير متعلقا بمدى قدرة تونس الجديدة على إدماج إسلامييها في اللعبة الديمقراطية. فهل تقبل 'النهضة' بأن تكون حزبا كغيرها، مثلها مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، تؤمن بالتداول السلمي على الحكم  كما  أكد راشد الغنوشي مرارا .. وتحترم الدستور والحقوق الفردية والجماعية والمساواة بين المرأة والرجل والمسلم وغير المسلم … أم تحاول الانقلاب على الدولة المدنية واستبدالها بدولة الشريعة؟     

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This