الإسلام والتقدم العلميّ : وجهة نظر بريطانية

لعلّ البعض يرون خللاً بنيوياً في العنوان ويعتبرونه من باب تآلف الأضداد، وهذا حقّهم. ولعلّ آخرين يرون في العنوان تفاؤلاً مفرطاً، ولا يتوقّعون تجسّده على أرض الواقع ضمن المدى المنظور على الأقلّ، وهذا حقّهم أيضاً.
ولعلّ ثلة قليلة فقط هم الذين يؤمنون بقدرة الإسلام والمسلمين على تحقيق تقدّم علميّ كبير يضيّق الفجوة المعرفية الهائلة التي تفصلهم عن بلاد الغرب، وليس مؤكداً ما إذا كان هذا حقهم، دون أن يكون هذا دعوة إلى التشاؤم وتثبيط العزائم وتبريد الهمم، بل لعلّ الأجدى هو التفاؤل بمستقبل الأمّة الإسلامية، ولو بعد حين، ومن هنا يكون لزاماً على كلّ فرد منّا أن يتمسّك بأيّ بادرة مهما كانت صغيرة، وأن يشجّع كلّ مبادر وكلّ متحمّس وكلّ متفائل.

على أن التفاؤل يحتاج إلى مقومات تسنده وتدعمه وتوصله إلى برّ الأمان، وهو ما لا يبدو ـ للأسف ـ متوفراً حالياً في البلاد الإسلامية التي تفتقر إلى أبسط المقوّمات التي تخوّلها دخول العصور الحديثة التي يشكل العلم، بكلّ تفرعاته وتشعباته، سمتها الأهمّ وطابعها الأبرز.
من هنا يثير الاستغراب، وربما أكثر من الاستغراب، المشروع الذي باشر به قبل أشهر مركز إدارة العلم في الجمعية الملكية البريطانية، والهادف إلى نشر تقارير حول العالم الإسلامي وحول مشاريع التطوير العلمي التي تتبناها خمس عشرة دولة من الدول الإسلامية.
ويثير الاستغراب أكثر وأكثر، المقالة التي نشرتها لورنا كاسيلتن Lorna Casselton سكرتيرة الشؤون الخارجية في الجمعية الملكية البريطانية، في موقع عالِم جديد New scientist بتاريخ 28 حزيران 2010، بعنوان «علم إسلاميّ : من هنا يبدأ النهوض» وتحدثت فيها عن المشروع المذكور وعن أهدافه وما يتوقع منه. وكان لافتاً بشكل خاص «المديح» الذي كالته كاسيلتن لبعض المشاريع العلمية الإسلامية، القائمة والمتوقعة، ناهيك عن تفاؤلها المفرط بما سمته «النهوض العلمي للدول الإسلامية» في فترة قريبة. حيث توقعت كاسيلتن أن يكون لهذه الدول الإسلامية «تأثير مدهش» على التطوّر العلميّ العالميّ خلال العقود القادمة، وهذا هو بالضبط السبب الذي دفع الجمعية الملكية البريطانية لدراسة الموضوع وإعداد تقارير حوله، على أن تنضج الخلاصة الإجمالية للدراسة في عام 2012 حسب كاسيلتن.

وقد ذكرت كاسيلتن في مقالتها بعض «النماذج الواعدة والمبشرة» مثل  جامعة الملك عبد اللـه للعلم والتكنولوجيا في المملكة العربية السعودية، بكلفتها التي ناهزت 20 مليار، ومدينة الثقافة في قطر التي تمتدّ على مساحة 200 فدان خارج الدوحة وتستضيف حالياً قواعد لسبع جامعات أميركية، وأوّل مدينة من نوعها في العالم في أبو ظبي تعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، وتؤوي 50000 إنسان وتؤمن 1500 فرصة عمل. وكأنّ هذه النماذج ـ على أهميتها ـ قادرة على سدّ جزء من الفراغ الكبير الذي يعاني منه العقل العربي على مستوى التفكير العلمي والمنهج العلمي والنقد العلمي و«العلم» العلمي (تمييزاً له عن العلوم الأخرى التي يشتهر بها المسلمون، وهي غير علمية، ومعظمها ليست لها صلة حقيقية بجوهر الدين الإسلامي)!.

 

وفي فقرة أخرى، قالت كاسيلتن: «يمتلك العالم الإسلامي تراثاً علمياً غنياً لكنهم تأخّروا عن الآخرين في العصور الأخيرة.» وذكرت كمثال على ذلك أن جامعة هارفارد أنتجت عام 2005 مقالات علمية أكثر مما أنتج سبعة عشر بلداً إسلامياً معا. لكنها توقعت أن يتغيّر الوضع مع ما سمّته الموجة الجديدة من المسعى العلمي، في ظل الالتزام التمويلي والايديولوجي المتاح له. وإذ لاحظت كاسيلتن أنّ الكثير من أموال الاستثمار تأتي من البلاد الغنية بالنفط، لأنهم أدركوا الحاجة إلى تنويع اقتصادهم وقرروا أن يعتمدوا سبيل العلم والتكنولوجيا، فإن «من المنعش» ـ وفق تعبيرها ـ أن نرى بلاداً قامت على استثمار النفط بشكل رئيسيّ تنخرط في البحث عن طاقات بديلة. مستدركة بأن الأمر لا يقتصر فقط على البلاد الغنية بالنفط. فهناك أيضاً تركيا ومصر وإيران وباكستان.

 

ورأت كاسيلتن أن أخبار التطور العلمي الإسلامي هي ولا شك «أخبار جيدة للعلم» الذي هو بالمحصلة مشروع عالمي، لكنها نبهت إلى أن ذلك يمكن أن «يهدّد» التفوق الاقتصادي الغربي عموماً والبريطاني خصوصاً، والذي قام بالأساس على «قاعدة السبق العلمي والتطور التكنولوجي»، فإذا خطت البلاد الإسلامية خطوات كبيرة في المجال العلمي والتكنولوجي فهذا سينعكس على اقتصادياتها التي ستستفيد بقوة من الأفكار الجديدة ومن المناخ العلمي الجديد.

 

ولعل الفقرة السابقة من مقالة كاسيلتن تكشف شيئاً من الأهداف الخفية التي يرمي إليها المشروع البريطاني. وإذا كان خوف الدول المتقدمة علمياً من تفوق إسلامي علمي مرتقب، أمراً يثير الضحك فعلاً، إلا إنه كذلك يثير في أنفسنا، أو في أنفس البعض منا على الأقل، الكثير من الشكوك في كونهم ـ أي الغربيين ـ ربما يعرفوننا أكثر مما نعرف أنفسنا، ولعلهم ينتظرون منا أفضل بكثير مما ننتظر منها!.

 

على أن أبرز عنصر لمحته كاسيلتن في ما وصفتها بـ «الثورة العلمية في العالم الإسلامي»، هو «الدور الهام الذي تلعبه النساء»، متمثلة بعدد من الشخصيات النسائية البارزة التي تلعب أدواراً قيادية في مقدمة هذا الحراك، كالشيخة موزة في قطر والأميرة سمية في الأردن. وليس هذا فحسب، فقد أظهر تقرير لليونسكو مؤخراً أن نسبة خريجات الدراسات العليا العلمية في ثلاثة عشر بلداً إسلامياً هي أعلى منها في الولايات المتحدة الأميركية. مثلاً في العربية السعودية، تشكل النساء 58 بالمائة من مجموع الطلاب (مقابل 16 بالمائة من مجموع اليد العاملة). وإذا كان من الصعب ـ بحسب كاسيلتن ـ تقييم كيف سيترجم هذا الأمر في سوق اليد العاملة ذات المؤهلات العلمية، فإنها تؤكد على أنه حتماً «تطور إيجابي وواعد»، متناسية أو متغافلة عن الواقع المؤلم لمعظم النساء المسلمات عموماً والعربيات خصوصاً.

 

وأخيراً تنبّه كاسيلتن بني جلدتها البريطانيين إلى ضرورة مراقبة كيف «بدأ المسلمون يقتربون»، وكيف تقلص القطاع العلمي في المملكة المتحدة في السنوات الأخيرة وتحديداً «منذ الأشهر الأولى لتسلم حكومة براون دفة القيادة». ومن هنا ـ برأي كاسيلتن ـ تنبع أهمية هذه التقارير التي سوف تظهر خلاصاتها ـ كما أسلفنا ـ خلال العام 2012.

 

وحتى ذلك الوقت ما علينا إلا أن ننتظر ونرى كيف سيبدأ ذلك النهوض العلمي الإسلامي «العتيد» الذي نتمناه، حقيقة، ولكننا لألف سبب وسبب نستبعد حصوله كما تنظّر له كاسيلتن وجمعيتها الملكية، لغرض أو أكثر في نفس… يعقوب.!.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This