جميعنا مبدعون

       منذ قرن، نشر كاتب صار اليوم منسيّا تماما كتابا لافتا للنّظر لم يعد أحد يقرأه. المؤلّف يدعى تيوديل ريبو Théodule Ribot، أحد  نجوم علم النّفس الفرنسيّ في نهاية القرن التّاسع عشر. أمّا كتابه “مقال حول الخيال الخلاّق” (1900) الّذي صدر في السّنة  نفسها الّتي صدر فيها “تأويل الأحلام” لسيغموند فرويد فقد لفّه النّسيان كلّيّا، رغم  ما يوجد فيه من أفكار أصيلة أعاد الباحثون اكتشافها بعد ذلك بقرن.

  في هذا المؤلَّف، تطرّق ت. ريبو إلى موضوعة الخيال “الخلاّق”، الموضوعة الأكثر تجاهلا حسب رأيه من قِبل البحث في علم النّفس. فحتّى ذلك الحين، كما يقول، اهتمّ علماء النّفس كثيرا بـ “الخيال التّوالديّ” (ولم يهتمّوا بالصّور الذّهنيّة الّتي اعتبروها رواسب وضيعة للشّعور).

إنّ الخيال الخلاّق هو هذه القدرة الرّائعة  لدى الإنسان على إنتاج الأحلام والأعمال الفنّيّة ولكن أيضا على بناء منازل واختراع موادّ تقنيّة وتصوّر مشاريع وابتكار وصفات مطبخيّة وتزويق شقّته. إذ، كما يقول ت. ريبو، “بذل العقل البشريّ من الخيال في الحياة العمليّة وفي الاختراعات الميكانيكيّة والعسكريّة والصّناعيّة والتّجاريّة وفي المؤسّسات الدّينيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة قدر ما بذله في أيّ مكان آخر.” حتّى الاقتصاد لا مفرّ له منه : فقد خصّص فصلا لما سمّاه بشكل جميل “الخيال التّجاريّ”.

في معناه المتداول، أحال الخيال لفترة طويلة إلى منتجات العقل البشريّ الاستيهاميّة. فهو قرين الأحلام وحلم اليقظة والأدب الخياليّ (الرّواية، الحكايات، الأقصوصات، الخرافات) والفنّ واليوطوبيا. أن تتخيّل يعني أنّك تفرّ بالفكرة : كحال الطّفل الّذي يحلم بأنّه يصرع وحوشا أو الكاتب الّذي يؤلّف رواية مّا أو الرّسول أو الوسيط الرّوحيّ الّذي يتّصل بأرواح العالم الآخر، الخ. يحملنا الخيال بالفكرة إلى المستقبل، إلى الماضي، إلى العالم الآخر المأهول بشخصيات غريبة.

إنّ هذه الرّؤية الشّاعريّة والسّاحرة إلى الخيال لا تغطّي سوى جزء من المجال الواسع الّذي يعبّر فيه الإبداع عن نفسه. ويقرّ عدد متزايد من الخبراء اليوم بأنّ الإبداع لا يقتصر على عالم الفنون والأحلام واليوطوبيات. ذلك أنّ الخيال الخلاّق يظهر أيضا في العلوم والتّكنولوجيا والعمل والحياة اليوميّة.

إنشاء مناظر طبيعيّة ذهنيّة :

لنمضِ أوّلا إلى بلاد الرّياضيات. ما قبليّا، ها نحن في مملكة الصّيغ والتّفكير المنطقيّ الصّارم والأرقام والنّماذج. فهل هناك ميدان غريب على الخيال أكثر من هذا؟ لو أصغينا إلى علماء الرّياضيات أنفسهم، سنجد أنّ الكثير منهم يقرّون بأنّهم قد استعانوا بفكرة تخيّليّة. فقد أشار إلى ذلك منذ نصف قرن عالم الرّياضيات جاك آدامار Jacques Hadamard. إنّ الخيال، أي التّفكير بالصّورة، يلعب دورا كبيرا في الاختراع الرّياضيّ (2). ذلك أنّ بناء نظريّة هندسيّة أو جبريّة يمرّ بعمليّات بناء ذهنيّة تتدخّل فيها صور ذات طبيعة مرئيّة. وفي كثير من الأحيان، “يرى” عالم رياضيات حلاّ مّا من خلال تصوّره لطريق جديد قد يربط بين حقلين من الرّياضيات مازالا حتّى الآن منفصلين (3). هذه الرّؤية تأتي في المقام الأوّل ثمّ تتبعها البرهنة بعد ذلك. وبلا شكّ، ليس صدفة أن تحيل كلمة نظريّة رياضيّة théorème حسب علم الاشتقاق اليونانيّ إلى كلمة رؤية vision.

حول الخلق العلميّ (4):

كثيرا ما تستدعي علوم الطّبيعة بدورها الخيال. بل إنّ الفيزياء قد تطوّرت من خلال “تجارب للفكر” ثوريّة. فغاليلي لم يرْمِ أبدا كرة حديديّة من أعلى سور بيزا ليكتشف قانون سقوط الأجسام، بل اكتفى بتخيّل التّجربة. ولم يتمّ التّحقّق من النّتيجة إلاّ بعد فترة متأخّرة.

بدوره، كان ألبير إينشتاين يقول : “التّفكير بالصّور” (وليس بضربة من الصّيغ أو التّفكير المنطقيّ). وكانت أغلب اكتشافاته تقوم على تجارب للفكر بصريّة جدّا : فلكي يدرس سرعة الضّوء تخيّل نفسه جالسا على شعاع من ضوء وفي يده مرآة، ولكي يدرس النّسبيّة، رأى نفسه راكبا مصعدا كونيّا. وقد كتب أ. إينشتاين “لا يبدو أنّ الكلمات أو اللّغة قد لعبت أيّ دور في آليّة تفكيري (…). إنّ عناصر التّفكير بالنّسبة إليّ هي من طراز بصريّ”. وأضاف أنّ الكلمات التّواضعيّة المرصودة لعرض فكره تأتي لاحقا و”بعناء”. كما أنّ كيميائيين وبيولوجيين مشهورين قد شهدوا بدورهم على دور الخيال في عملهم. فالكيميائيّ الألمانيّ فريديريك كيكولي Friedrich Kekulé، مؤسّس الكيمياء العضويّة، يروي أنّه قد اكتشف بنيةَ (في دائرة) جزيء البنزين بينما كان خياله سابحا في زاوية النّار، حين رأى فجأة الجزيئات تشكّل ما يشبه الثّعبان الّذي يعضّ ذيله (5). هذا ما يؤكّد على دور التّماثلات والاستعارات الّتي سيعترف بها لاحقا فلاسفة العلوم باعتبارها آلات تفكير حاسمة (6).

يصف فرانسوا جاكوب الحائز على جائزة نوبل للطّبّ سنة 1965 سيرورة الباحث كما يلي : “على عكس ما كان بمقدوري اعتقاده، لم تكن السّيرورة العلميّة تتمثّل فقط في الملاحظة وفي تراكم معطيات خبريّة وفي استخلاص نظريّة منها. فهي كانت تبدأ باختراع عالم ممكن، أو شذرة من عالم ممكن لمواجهتها من خلال التّجربة بالعالم الخارجيّ. وكان هذا الحوار بين الخيال والتّجربة هو ما يسمح بتشكّل تصوّر أكثر دقّة باستمرار عمّا نسمّيه “الواقع”.

في الرّياضيات كما في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا ..الخ، يتمّ اليّوم إعادة الاعتبار إلى الدّور المخصّب للخيال ولموكبه المتركّب من تماثلات واستعارات يمكن أن تكون مولّدة فعّالة للنّماذج. وليست العلوم الإنسانيّة  بأيّة حال بعيدة عن ذلك، في الوقت الّذي يتمّ فيه إعادة اكتشاف القيمة الاستكشافيّة للقصّة وللأدب.

الحلم في الآلة:

التّقنية، الّتي كانت لزمن طويل غير محبوبة عند الفلاسفة والشّعراء (إذ يرون فيها هيمنة النّفعيّة)، يعاد اليوم اكتشافها من وجهها الخلاّق. لننظر إلى الأشياء الّتي تحيط بنا : الهاتف المحمول، الحاسوب، عصّارة القهوة، السّاعة، الأحذية، الخ، كلّها كانت محلوما بها قبل تصنيعها. فالخيال الخلاّق يتدخّل أوّلا في تحفيز المهندس. لقد اخترع الأخوان مونغولفياي Montgolfier منطاد الهواء السّاخن واخترع الأخوان رايث Wrigth الطّائرات ليس من أجل تحسين وسائل النّقل بل لأنّهما قبل كلّ شيء كانا يحلمان بالطّيران. شارل كروس، وهو واحد من مخترعي الفونوغراف، كان شاعرا يريد أن يحفظ صوت النّاس الّذين ماتوا. وتكشف سيرة المخترعين الذّاتيّة من توماس أديسون حتّى ستيف دجوب نصيب الخيال الّذي كان ينشّطهم منذ الطّفولة.

ولكنّ الخيال يتدخّل بالخصوص في عمل التّصوّر بالضّبط. إذ أنّ بناء منزل أو باخرة واختراع شيء تقنيّ جديد يفترضان عملا ذهنيّا لبناء “عوالم ممكنة”، لبناء أشياء تقنيّة متخيّلة أوّلا في شكل صيغ أوّليّة ومخطّطات ورسوم وتصاميم. وسواء أنُفّذت بطريقة فرديّة أو في فريق فإنّ اختراع سيّارة يفترض منذ النّموذج الأوّلي حتّى التّصميم النّهائيّ طبقات متعاقبة من الإبداعات التّقنيّة والجماليّة. الخيال الخلاّق إذن حاضر في أطباقنا وأثوابنا وفي زخرفة شقّتي بل وحتّى على ملصق وعائي ذي اللّون الخردليّ. جميع الأشياء الّتي تحيط بنا هي مركّزاتُ خيالٍ منقوشة على المادّة.

الخيال التّجاريّ:

العمل هو كذلك بؤرة للإبداع المستمرّ. فالعديد من المهن تتطلّب قدرا من الإبداع اليوميّ. هذا أمر بديهيّ بالنّسبة إلى مهن تسمّى “خلاّقة” مثل المهندس المعماريّ ومهندس الدّيكور والمدير الفنّيّ في وكالة اتّصالات. ولكن الخيال فعليّا لو نظرنا إليه عن كثب أوسع من ذلك بكثير : المدرّس الّذي يعدّ الدّرس لقسمه (9)، المحامي الّذي يكتب مرافعته، التّاجر الّذي ينضّد واجهة دكّانه، الحلوانيّ الّذي يصنع مرطّباته.

حتّى المقاولون والتّجاريون والمموّلون هم مبدعون على طريقتهم : تصوّرُ منتَج مّا، وضع مخطّط شغل، إرساء استراتيجيا للتّسويق، إيجاد التّواصل الأفضل، كلّ ذلك يفترض القيام بفرضيات وتجهيز سيناريوهات والاستباق والمخاطرة… كمٌّ من أشكال الخلق كان ريبو يسمّيها “الخيال التّجاريّ”.

إنّ الخيال كما كان يفهمه ت. ريبو لا يُختَزل إذن في رؤيته الشّاعريّة والسّاحرة، رؤية الأحلام واليوطوبيات والأعمال الفنّيّة. فهذا الخيال ليس إلاّ سفحا لخيال عمليّ يتجلّى في العلوم والتّقنية والعمل والحياة اليوميّة.

هذا التّصوّر الموسَّع للخيال يتقاسمه اليوم عدد من الباحثين (10). فهو يؤدّي إلى النّظر إلى هذا الأخير لا باعتباره نشاطا ذهنيّا مطلق العنان (سينما داخليّة صغيرة منذورة لتسليتنا) بل باعتباره مسارا إدراكيّا شائعا جدّا وضامنا لوظيفة معرفيّة مركزيّة : هي إنتاج الصّور الذّهنيّة الضّروريّة لحلّ مشكلات مّا، لوضع اختيارات مّا، للاستباق، للتّفكير في العالم الّذي يحيط بنا وتغييره.


الهوامش:

1. تيوديل ريبو، مقال حول الخيال الخلاّق، 1900، أعادت نشره لارماتون، 2007.
2. جاك آدامار، مقال عن علم نفس الاختراع في الرّياضيات، 1952، أعاد نشره جاك غاباي، 2007.
3. انظر آلان فالات، “الخيال والرّياضيات : مثالان”، في Bulletin de la société des enseignants neuchâtelois de sciences, n° 35, ، جويلية 2008.
4. أبراهام مول، الخلق العلميّ، كيستر، 1957.
5. انظر أرتير ل. ميلّر، حدس عبقريّ. الصّور والإبداع في العلوم والفنون، فلامّاريون، 2000.
6. انظر نيكولا جورناي (بالتّنسيق)، ملفّ “المماثلة، محرّك الفكر”، مجلّة علوم إنسانيّة، عدد 215، ماي 2010.
7. فرانسوا جاكوب، التّمثال الدّاخليّ، 1987، أعادت طبعه غاليمّار، مختارات “فوليو”، 1990.
8. انظر كاترين هالبرن (بالتّنسيق)، ملفّ “الأدب، نافذة على العالم”، مجلّة العلوم الإنسانيّة، عدد 218، أوت – سبتمبر 2010.
9. انظر مارتين فورنييه، (بالتّنسيق)، ملفّ “التّدريس. الابتكار يوميّا”، مجلّة العلوم الإنسانيّة، عدد 192، أفريل 2008.
10. انظر إيلونا روث، العقول التّخيّليّة، مطبعة جامعة أكسفورد، 2007.


المقال منشور في مجلّة Sciences Humaines، عدد 221، ديسمبر 2010، ضمن ملفّ بعنوان : Imaginer, créer, innover…Le travail de l’imagination

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This