ميو سيدي ابراهيم يا نوا من دلج

    gryd bš y yrmn lš

    km kntnyr mwm ly

šn lhbyb nn bbr yw

dbl ry dmnd ry
يقول محمد بن عبادة القزاز أحد كبار وشٌاحي الأندلس، في قفلة موشٌح له، أو ما يسمٌى الخرجة :

وغــــــــــادة لم تزل    تشكو لمن لا ينصفُ

يا ويح من يتٌـــــصل    بحبل من لا يسعفُ

غنٌت وما للأمــــــــل   إلاٌ إليه المصــــرفٌ:

“ميو سيدي ابراهيم يا نوا من دلج :

فانت ميب دي نخت

ان نون شنون كارش بيريم تيب

غرمي أوب لقرت”.

وهي في ترجمتها العربيٌة : ” يا سيٌدي ابراهيم، أيٌها الاسم الحلو، تعال إليٌ ليلا، وإن لم ترد جئت أنا إليك، فقل لي أين ألتقي بك؟”

***

ويقول ابن قزمان وهو من وشٌاحي القرن الثاني عشر ميلادي ـ وهو أشهر من أن أعرٌف به ـ في قفلة أحد موشٌحاته :

لا إنٌما أن نتوب أنا فمــحال   وبقاي بلا شريبة ضـــــــلال

بِين، بِين، ودعني ممٌا يقال  إنٌ ترك الخلاعة عندي جنون

فهو لا يتردٌد في أن ينادي السٌاقي بألفاظ من لاتينيٌة العصور الوسطى : “بِين،بِين” أي :”إليٌ بالنبيذ ! إليٌ بالنٌبيذ!”

ويقول في قفلة أخرى :

“بون كلٌ الملاحة! بون! بون!” أي :” الملاحة كلٌها طيٌبة! طيٌبةَ طيٌبة!”

***

إنٌ هذا وغيره، ممٌا هو شائع مبذول في “الأندلسيّات” عند الباحثين العرب أو المستعربين الأسبان، يؤكٌد أنٌ الأفكار قديما مثلها مثل الأشياء، كانت تتنقٌل وترحل وتهاجر، وتلتفٌ ويلوي بعضها على بعض، دونما حاجة إلى ختم أو إشارة إلى مكان صنعها أو تاريخه. ولو لم يكن ذلك كذلك،  لكانت هذه الأزجال والموشّحات قد ذيّلت بـ :Made in Andalousia

وما إلى ذلك ممٌا تحفل به الحضارة المعاصرة، وتشترطه المواثيق التٌجارية. فقد كانت “الفكرة” تنتقل ولا وسيط لها إلاّ نفسها، أو ربٌما من الشيء الذي تتمثٌله، أو من الجسد البشري الذي يحملها معه، وهي المحفورة فيه، في حلٌه وترحاله. فإذا حاولنا أن نعيد “الفكرة” إلى أصولها أو ما نتوهٌم أنٌه أصل، كنٌا كمن “يلاحق أطياف النور في منشور زجاجي ويحاول إرجاعها إلى أفقها الأوٌل”.. كانت هناك “فصاحة” العربيّة، و”فصاحة” العبريّة،  و”فصاحة” اللاتينيّة، واللهجات من أندلسيّة و”رومانس” في شبه الجزيرة الإيبيريّة، وغاليسيّة في “لوزيتانيا” البرتغال قديما، و”بروفانسال” في جنوب فرنسا، وما إليها من لهجات ولغات محلّية رطن بها أهلها وغنّوا فيها وبها.

كان المتوسٌط الذي لا نزال نقيم على ضفٌتيه أشبه بمنزل أو بيت تتردٌد فيه أصداء شتٌى من لغات نشأت على ضفافه، أو هي وفدت عليه مع من وفد من الغزاة والفاتحين. أصداء طواها النٌسيان، وأشياء عفٌى عليها الزمان، فهي تلوح كباقي الوشم، أو هي أشبه بشواهد القبور في “جبٌانة اللغة”؛ حتٌى أنٌـي، لكي أنتقل من نصٌ عربي في موشٌح ابن قزمان أو القزٌاز، إلى نصٌ إفرنجي أو “خرجة” من لاتينيٌة أو أسبانيٌة العصور الوسطى ـ أحتاج إلى عكٌاز الترجمة، كي أزيح غشاوة اللغة عن عينيٌ، وأفهم، وأسلك إلى الأصل. وهو ما لم يكن يستشعره هؤلاء الوشٌاحون من أسلافنا الأندلسيٌين.

يثبت ابن حزم الأندلسي في مصنٌفه”جمهرة أنساب العرب” أنٌ العرب الأندلسيٌين أو البربر الأندلسيٌين عامٌة وخاصٌة، رطنوا بلغة الأسبان، وتكلٌموها مع العربيٌة؛ حتٌى أنٌه وهو يستقرئ في جمهرته، شجرة النٌسب أغصانا وفروعا وأوراقا ـ لم يجد في كلٌ الأندلس سوى قبيلة عربيٌة واحدة حافظت على عربيٌتها وعادات أهلها. يقول: “ودار بلي بالأندلس، الموضع المعروف باسمهم بشمال قرطبة، وهو هناك إلى اليوم على أنسابهم، لا يحسنون الكلام باللاتينيٌة، لكن بالعربيٌة فقط”.

يقول السويسري دني ده روجمون أنّ الزجل الأندلسي كان رافدا من أهمّ روافد الشعر عند غيوم التاسع، وأنّ ظهور مفاهيم”الواشي” أو”العذول” كان من قبيل الرمز في هذا الشعر البروفنسي. بل هو يغالي فيرى أنّ كلمة حبّ لا تعدو ـ إذْ نقرأ الكلمة بالمقلوب ـ  قلب كلمة  روما Amor Roma

ويضيف فيلاحظ أنّ صورة”الحبيبة” أو”السيّدة” ممّا أفضى إلى تقديس العذراء في القرن الثاني عشر، حتى أنّ لعبة الشطرنج التي كانت تحوي أربعة ملوك، تغيّرت إذْ استبدلتْ ملكتان بملكين ؛ لتكون أمام كلّ لاعب “سيّدة” إلى جوار”الملك”.

***

الأمر في السياق الذي أنا به، أشبه بما كان يفعله بطل الأوديسا، فقد كان مضطرٌا إلى الكلام، لكي يجيب عن أسئلة الوافدين عليه، وعن رغائبهم وأحلامهم.

لم يكن يفعل أكثر من أن يعيد عليهم ما يعرفونه عن أنفسهم. ولكنٌهم، لعلٌة ما، نسوه.

نحن أيضا، أبناء المتوسٌط، نعرف أشياء كثيرة، ولكنٌنا نسيناها. نسينا أنٌ المتوسٌط مكان تمضي فيه الأفكار كما الأشياء، في سبيلها المرسوم، ولا وسيط لها ولا حامل سوى إسفنجة اللغة.

واللغة لا تنسى!

***

إنّ كلّ أثر للمعنى في هذه الموشّحات على اختلاف شعريّة نصوصها، يلتبس ويَخفَى ويكاد يُمحى. وربّما تردّد منه صدى، هو كخطف النبض في صور بصريّة ”رمزيّة“ تنهض على إدراك حسّيّ، حيث ينوب شيء  عن شيء آخر أو هو يتمثّله، وبخاصّة في القصائد التي تستلهم لغة”الآخر” وتستحضر الكثير من مفرداتها وأشيائها، في سياق حوار شعريّ حيّ  بين  لغتين مثلما هو بين حبيبين.  وهو على ما يبدو صورة “عشقيّة”  أو”تداخل بالمطابقة“ قد يحمله القارئ على وجه استعاريّ أو على تطابق بين صورة وتخيّل أي بين وحدة لغويّة ووحدة نفسيّة. على أنّه في تقديري ”هويّة عناصر“ تَشِجُ الصلة بين عالمين  على نحو ما تكون وشائج القربى بين الناس.

أدرك أنّ هذا زجل أو موشح، بل أغنية تجري على نمط “الفرنكو آراب” الذي شاع في فترة من تاريخ بلاد المغرب. بل هو أقرب ما يكون إلى ”شجرة النسب“  من حيث هي رمزُ قرابةٍ لا بين الأحياء فحسب، وإنّما بين الأحياء والموتى أيضًا. أعني تلك التي  تغرز الكائن في الأرض وتفسح له مكانا متميّزا في غابة البشر المليئة بشتّى الأشجار.

ففي مثل هذه النصوص، وقادحُها ذكرى ما أو حنينٌ ما،  قد لا يتسنّى الكلام على أَثَرٍ للمعنى، لأسباب ومسوّغات منها : أنّ الشاعر الوشّاح   لا يُدير زجله على معنى أو فكرة، وإنّما على  حالة، أو هو يوائم بين وحدة ”داخليّة“ وأخرى ”خارجيّة“، ويحفل بهذه على قدر ما يحفل بتلك، في حيّز مخصوص هو وضع التبادل بينهما حيث ”الداخليُّ“ و”الخارجيُّ“ ينشآن بدءا من لحظة توتّر هو توتّر الوجود الذي يقدحهما، أعني الاثنين معا، دون أن يزجّ بينهما في منطقتين متجاوزتين أو قابلتين للفصل؛ برغم أنّهما تترجّحان بين لغتين أو سجلّين مختلفتين : عربيّة الأندلسيّين ولاتينيّة العصور الوسطى.

ربّما هو تلعّب بالرموز حيث  يفلت “الشعر”  بحكم قاعه ”الحلميّ الطوباويّ“ من سطوة التاريخ، ولكنّه يغالب المعنى أو الدلالة، أو هي الذات  تنشدُ الآخر أكثر ممّا تنشد المعنى.

فهذه أغنية تبني لنفسها  حضورا كلّيّا أو زمنا خاصّا هو مثل زمن الشعر الذي يندّ عن أيّ ضبط أو قياس. على أنّ ما ينبغي التنبّه إليه أنّها  تتأدّى في سياق لعبة مخصوصة هي لعبة المفارقة : فهي تحيل على شيء آخر وتحجب في ذات اللحظة على موضوع إحالته. ومن ثمّ  تلوح شأنها شأن الرمز إذ يتمثّل أبدا دلالته الخاصّة أو هو لا يبرح بنيته أو أنّ وظيفته تُنشئُ في حيّزها موضوعَ إحالتها إنشاءً يتنزّل في الصميم منها، فإذا كنهه من كنهها ودلالته من دلالتها. فـ”العاشقة“ إنّما هي ”الإسبانيّة“ وليست ”المرأة المثال أو الرمز“  حتّى إن وقع في وهم الناظر أنّ هذه محاكاة لتلك. وهو وهم سائغ مقبول، ولكنْ شريطة أن نفهم المحاكاة من حيث هي طريقة في تجميل الواقع أو هي  تحويل يمكن أن يلامس  ”المسخ“ أو ”التهجين“ أو أن يلابسهما على أساس من استخدام اللغة في محدود إمكاناتها واحتمالاتها، لتنشأ حقيقة شعريّة مردّها إلى قدرة هذه اللغة “الأندلسيّة”على استحضار عالمها الخاصّ وتثبيت الهارب منه. وفي حيّز هذه الحقيقة  قد يتسنّى لنا أن نتقفّى أثر المعنى ولكن أن دون أن نمسك به.

ومهما يكن، فنحن نقف في مثل هذه  الأزجال والموشّحات على شعريّة ذات رأسين أو هي تُطلّ في اتّجاهين اثنين : اتّجاهٍ مُنشدٍّ  في قسمه العربي إلى ”النمط“ أو إلى مواثيق  الغزل الحضري حيث لا تتردّد المرأة في الكشف عن مكنوناتها ورغائبها، واتّجاهٍ يجعل أساس الكتابة الانسياحَ اللغويّ والاسترسال الخياليّ من الذي لا منطق له إلاّ منطق النصّ من حيث هو نشوء وتكوين أو حركة حرّة قد تترجم في جانب منها  انفتاح الذاتيّة الشعريّة على نفسها. حرّيّة  تجعل من الشعر فعلا ينتمي إلى الشاعر الوشاح، أكثره مفردة من مفردات التاريخ أو الاجتماع.

هوامش:

ـ لويس عوض،دراسات في الأدب والنقد

ـ محمد زكريا عناني، الموشحات الأندلسيّة

ـDenis de Rougemont, love in the Western World, New York 1956

نقلا عن  عبد الواحد لؤلؤة، النفخ في الرمادـ دار الرشيد للنشر، بغداد 1982

ـSamuel M. Stern,Les vers finaux en espagnol dans les Muwashshahas Hispano-Hibrraiques

انظر مثلا هذه الخرجة، من موشح عبري ساقه صموئيل سترن،مكتوبا بالحروف اللاتينيّة، ثمّ بأسبانيّة العصور الوسطى، فأسبانيّة اليوم، ففي ترجمته الفرنسيّة، فترجمته العربيّة،حيث تبوح المرأة بحبها:

L’exemple est tiré  du muwashshah panégyrique du poète juif Juda Halevi, publié par Samuel M. Stern sous le no 4. Une jeune fille confesse son amour devant ses compagnes:

1. D’abord le texte de la khardja est translitéré  en alphabet latin, et donne une séquence purement consonantique et incompréhensible:

gryd bš y yrmn lš

km kntnyr mwm ly

šn lhbyb nn bbr yw

dbl ry dmnd ry

2 La transcription, dite vocalisée (voyelles ajoutées) fait enfin apparaître le texte en ancien espagnol:

Garyd vos, ey yermanellas

cómo contenir a meu male

Sin al-habib non viviré yo

advolare demandaré [8]

3 Traduction en espagnol moderne:

Decid, vosotras, ay, hermanillas,

cómo contener mi mal.

Sin el amado no podré vivir;

y volaré a reclamarle.

4 Traduction en langue française

Dites-moi, petites soeurs,

comment contenir ma peine!

Je ne peux pas vivre sans mon ami,

je veux m’envoler le chercher.

5 Traduction en langue arabe

قلنَ لي يا أخيّاتي

كيف أكتّم عناء الحبّ

أنا لا أقدر على العيش من دون حبيبي

أريد  أن أحلّق بحثا عنه

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This