الحرب الصليبية القادمة : ضدّ العلمانيّة؟؟


شدّني هذا التعليق المتميّز في أحد المواقع الفرنسية تحت عنوان "البابا يستفزّ"ّ وهذه ترجمة له:

"إنّه أمر لا يصدّق. فما إن نزل  من طائرته حتّى أخذ  البابا بنديكت السادس عشر يقارن الملحدين بالنازيين!  لقد وجّه تحذيرا واضحا إلى الأنجليز من "التطرّف العلماني" (التطرّف ..ماذا؟). وخوفا من أن أكرّر ما قلته من قبل فإنّ  لبريطانيا عددا كبيرا من الشخصيات الفكرية والفنية من الملحدين المعلنين  أو اللادينيين الذين أدانوا الزيارة الرسمية للبابا. سواء في الرابطة البريطانية الإنسانية أو الجمعية الوطنية العلمانية، وهم منظّمون بشكل جيّد فيهما.

وإليكم ما قاله  بنديكت السادس عشر  : " إنّنا نتذكّر كيف وقفت بريطانيا ضدّ طغيان النازية، التي كانت تهدف إلى استبعاد  الله من المجتمع، وتنكر علينا إنسانيتنا المشتركة. أتذكر أيضا موقف النظام ضد القساوسة المسيحيين ورجال الدين الذين عارضوا النازية… وعلينا عندما  نتأمّل في الدروس المستفادة من التطرّف العلماني في القرن 20 ،  ألا ننسى كيف أنّ استبعاد الله  والدين والفضيلة من الحياة العامة يؤدي إلى نظرة مبتسرة للإنسان والمجتمع، وبالتالي إلى رؤية دونية إلى الشخص ومصيره ".

تصريحات البابا هذه هي صدى  تصريحات الكاردينال كاسبر الذي قال هذا الأسبوع إنّ المسيحيين كانوا ضحايا الإلحاد العدوانيّ الجديد. بل قال أيضا إنّ انطباعه وهو ينزل  بمطار هيثرو أنّه في بلد من العالم الثالث. لقد كان يشير إلى التعددية الثقافية البريطانية،  كما فسّر المتحدث باسم الفاتيكان فيديريكو لومباردي. ما هذا؟؟ ألأنّه رأى  بشرا سود البشرة  ورجالا بنّيين  ملتحين يرتدون عمائم فإنه يشعر وكأنه في بلد من العالم الثالث؟ سأدع لكم الحكم على هذه التعليقات.

لكن لنعد إلى تحذير من البابا. إنّ الإلحاد هو تيّار فكريّ قويّ  في المجتمع البريطاني. وفي نظري فإنّ هذا التحذير هو كما لو أنّ البابا حلّ  بـ"كيبيك" وقال إنّه إذا لم تقمع  الحركة الانفصالية، فإنّ رأس رئيس الوزراء الليبرالي سيقطع تماما كما فعل  الفرنسيون بمليكهم  في القرن 18 ".

المصدر: http://blogues.cyberpresse.ca/paquin/2010/09/16/le-pape-provoque/

زيارة البابا بنديكت السادس عشر إلى بريطانيا كانت في حدّ ذاتها ملأى بالدلالات والمعاني وحتّى المفارقات، فأن يزور الحبر الأكبر للمذهب الكاثوليكي عاصمة بلد انشقّ عن مذهبه منذ قرون لينشئ مذهبا خاصّا لم يأل كهنته جهدا في نشره باعتباره القراءة الأسلم للمسيحية، فهذا يعني أنّ صفحة الخلاف الذي وصل حدّ الإقصاء والتكفير بين مذهبي المسيحيّة الأكثر انتشارا قد طويت أو تكاد.
لم تعد البروتستانية اليوم طائفة منشقّة ولا جماعة مهرطقة مثلما استقرّ في الضمير الجمعيّ الكاثوليكي، وما عاد الكاثوليك في منظور البروتستانت كفرة مجسّدين عبدة أوثان…


صفحة انطوت لا بفعل الزمان وحده، بل بفضل تراكمات عرفتها القارّة  العجوز خلال القرنين الماضيين..فلم يعد مهمّا حتّى في معاقل الكاثوليك التقليديّة مثل إيطاليا وفرنسا وأسبانيا أن يكون المرء منتميا إلى هذا المذهب أو ذاك، أو لا ينتمي إلى أيّ منهما، أو لا يؤمن بأيّ دين أصلا، والأمر نفسه ينطبق على البلاد التي شهدت ميلاد البروتستانية أو عرفت فيها انتشارا…

ومن نافلة القول التأكيد على أنّ اكتساح أفكار العلمانيّة للفضاء الغربيّ عامّة وإن بدرجات واختلافات من أهمّ الأسباب التي ألقت بالخلاف المذهبيّ إلى مطاوي النسيان فلم يتبقّ منه غير مظاهر قليلة في الشأن اليوميّ وغير ما انحبس في كتب التاريخ من ذكريات التعذيب والتهجير والحروب الأهليّة وحتّى الإبادة الجماعيّة..مواجعُ ما عادت قادرة على أن تكون هي المراجعُ..وملفّ مغلق وحقدٌ مطلَّق..

انتصار العلمانية ولو بدرجات واختلافات عنى الكثير للقارّة العجوز، صار الوطن للجميع إذ صار الدين والتديّن من شأن الفرد لا شأن للجماعة به، لا تحتاج إليه في تنظيم شؤونها ولا علاقة له بالتعاطي مع الدول الأخرى، وصارت صناديق الاقتراع موئل حلّ الخلافات وإعطاء الثقة في الساسة أو سحبها منهم، فلا حاكم باسم الغيب، ولا ظلّ للّه في الأرض، وصارت للإنسان حرمة في ضميره ومعتقده، وفي جسمه وعقله، دون اعتبار لجنسه أو لونه أو منحدره أو معتقده..وصار الإنسان إنسانا: صار مواطنا…انتصار تاريخيّ أزاح سلطة الكنيسة، كاثوليكيّة كانت أو بروتستانيّة أو غيرهما من الشارع ومن السياسة والاقتصاد ومن الأحوال الشخصيّة والتعليم والمناهج العلميّة وحتّى من الأخلاق العامّة..

انتصار لم يكن بالإمكان لولاه أن تحدث زيارة البابا هذه التي جاءت لتجسّر ما انقطع بين مذهبين لعلّ الدّماء التي سالت بينهما لا تبتعد في كمّها عمّا سال في صراع المسيحية بكلّ طوائفها مع الإسلام في كلّ الغزوات من هذا الطرف أو ذاك…

من هذا المنظور يمكن أن نعتبر زيارة البابا هذه نصرا للعلمانيّة، لذلك كان من المفاجأة بمكان أن تكون العلمانيّة موضوعا للمحاضرة الأساسيّة التي ألقاها الحبر الأكبر باعتبارها..الشرّ الأكبر الذي لا بدّ من التصدّي له !
البابا القادم إلى بريطانيا وهو وكنيسته غارقان في وحل انحرافات رجال من كنيسته وتورّطهم في ملفّات اعتداءات جنسيّة على أطفال، ليست هي الملفّات الأولى في تاريخ الكنيسة لكنّها ذات الرائحة الأكثر نتونة بما أجبره وللمرّة الأولى في تاريخ الكرسيّ الرّسوليّ على الاعتراف إعلان نيّة محاربة هذه الانحرافات، لم يتوان عن نقد العلمانيّة بالدّعوة إلى أخلاق المسيحيّة، وكأنّ الأخلاق الدينيّة ما زالت تصلح نموذجا يحتذى..

صاحب الكرسيّ الرّسوليّ ينعى على بريطانيا، وعلى البلاد المسيحيّة كلّها، استسلامها إلى القانون الوضعيّ واحترامها للأقلّيات الدينية، بما يعتبره ابتعادا عن الروح المسيحيّة وخصائصها، فهل هو التقاء موضوعيّ جديد بين صفويين مسيحانيين وسلفيين إسلامويين بعدما انتهت معركتهم المشتركة ضدّ الشيوعيّة يريدونها حربا ضدّ العلمانيّة، العلمانيّة التي يلعنها في بريطانيا حبر مسيحيّ كاثوليكي لم يكن له أن يطأ أرضها لولا العلمنة، ويلعنها دعاة إسلامويون مكّنتهم من اللجوء والإقامة والدعوة والصحف والقنوات الفضائيّة؟؟
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This