الحضرة 2010 للفنان التونسي “الفاضل الجزيري”

يعدّ الإنشاد الديني الإسلامي بمختلف تعبيراته ثمرة من ثمار التصوّف الذي شكّل نقلة نوعية في التجربة الرّوحية الإسلامية. ومثلما تجمّدت الحياة الفكرية والعلمية في ما صار يعرف بـ"عصور الانحطاط" تكلّست الحياة الرّوحية أيضا وتراجع التصوّف عن آفاقه التجريدية والرمزية المنفتحة ليصير شعبيّا "طرقيّا" حسّيا فاتحا المجال لعودة المكبوت السحري والوثني القديم. وكما قاومت الذهنية العامّة التي تحكّم فيها عقل سلفيّ كلّ محاولة لتجديد الخطاب الدّيني في ضوء مكتسبات العلم والحداثة استمرّ شيوخ وقادة فرق الإنشاد الدّيني "الطرقي" في مقاومة كلّ بدعة جديدة لتبديل ما تعوّدوا على تأديته من أناشيد وأذكار ومدائح، وتحوّلت معهم بعض العادات والطقوس المرتبطة بالإنشاد من تقاليد إلى قوانين صارمة ومقدّسة لا يجوز تغييرها. هكذا صارت فرق الإنشاد الدّيني في معظم البلاد العربية الإسلامية حكرا على الشيوخ أداء وسماعا، فنفر منها الشباب، وتحوّلت إلى عرض فولكلوري "متحفي" لا يقدّم سوى في المناسبات الدينية. ومع تنامي الحركات الإسلامية وبروزها في ثمانينات القرن الماضي في مختلف الأقطار العربية تزايد الطلب على فرق الإنشاد الدّيني، وتمّ استحداث فرق ومجموعات شبابية من هذه الفرق لتكون معبّرة عن لون من التجديد  اقتصر إمّا على ترديد القديم من الأناشيد الدينية أو علي التعبير عن مضامين دينية عبر وضعها في قوالب موسيقية من الأغاني الرائجة في ثمانينات القرن الماضي.

 

سنة 1991  بادر المسرحي التونسي "الفاضل الجزيري" (وهو من أعمدة المسرح الجديد في تونس) صحبة الموسيقار "سمير العقربي"، وبالتعاون مع عدد من شيوخ وقادة فرق الإنشاد الديني المعروفة في تونس، إلى تقديم عرض فرجوي  ضخم حمل عنوان "الحضرة". لأوّل مرة في تونس تمّ في ذلك العمل تجميع عدد ممثّل لأبرز عناصر فرق الإنشاد الديني المنتشرة في أكثر من مكان والممثّلة لأشهر تقاليد هذه الفرق والطرق من "سلامية" و"قادرية" و"تيجانية" لأجل المشاركة في تقديم عرض فنّي استعراضي موسيقي في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي الصيفي. بهذا الانزياح نقل "الجزيري" أناشيد الموسيقى الروحية من حيّز الفضاءات الدينية "المقدّسة" (من زوايا وجوامع حيث تقدّم الأناشيد لأجل الابتهال والذكر الدّيني في أطر ضيقة ومحدودة)  إلى حيّز الفضاء الركحي المعلمن حيث تقدّم العروض لأجل المتعة الجمالية أمام جمهور غفير متعدّد الأذواق. كان التجاوب مع سلسلة عروض الحضرة كبيرا وفاق كلّ التوقّعات، وبدا المشهد أقرب إلى حالة "تخميرة" جماعية، ودلّ النجاح الكبير لعروض الحضرة على امتداد سنوات على دورها في التنفيس عن مكبوت جماعي كان قابعا في اللاّوعي الجمعي للمجتمع التونسي، ممّا جعل عددا من المحلّلين والنقاد يشيرون إلى عوامل نفسية وحضارية واجتماعية ساهمت بقوّة في تحويل هذا العرض إلى ظاهرة بالمعنى "السوسيوثقافي" وقد تمّت الإشارة إلى عوامل من قبيل : حالة الإحباط واليأس التي خلّفتها حرب الخليج الثانية، (وهما عاملان ساهما في تغذية رهاب جماعي على هوية باتت مهدّدة بالتفكّك)، وفرحة الجمهور وانتشاؤه بتحرير جانب هامّ من تراث موسيقى بقي متروكا، مهمّشا ومقتصرا على الزوايا والمناسبات الدّينية.


كان يمكن أن يتهم "الجزيري" (لو اقتصر على عرض الحضرة) بأنّه يغازل الخطاب "الإسلاموي" في ذلك الوقت، ولكنّ عمله الأوّل "النوبة" الذي قام بنفس آلية البحث في تراث الموسيقى الشعبية المشتّت والمقصي من التلفزيون الرسمي والمكبوت أيضا، والذي كشف عن تراث حيّ ممتلئ بصور الغزل والحبّ الحسّي الفاحش أحيانا بيّن حقيقة أهداف المشروع الفنّية.


 استمرّ "الجزيري" في سلسة عروض فرجوية أخرى مثل "نجوم" و"زغندة وعزوز" و"بَنِّي بَنِّي" و"الزّازا" كان لها دور في ترسيخ تقليد ما صار يعرف بالعروض الفرجوية الضخمة التي تنهض على تكثيف عناصر الإبهار المشهدي والكوريغرافي، ورسّخ بها رؤية  فنّية عميقة تعتبر الموسيقى الدنيوية والدينية، الحسية والرّوحية حالتين تعبيريتين للإنسان التونسي وللإنسان العربي/ المسلم وللإنسان مطلقا في تردّده بين أشواقه "الأبولونية" ورغباته "الديونوزوسية" بعبارة "نيتشه" الشهيرة، وبين "مالوف الجدّ" الرّوحي و"مالوف الهزل" الحسّي إذ استخدمنا مصطلحات الموسيقيين.


كان "للجزيري" دور بلا شكّ في خروج عروض الإنشاد الديني من السرية إلى العلن، من الممارسة الطقوسية المقتصرة على الزوايا إلى أركاح المهرجانات والمسرح البلدي واستوديهات التصوير التلفزيوني الرسمي، وهو ما تمّ أيضا وبنفس الدرجة مع عروض الغناء الشعبي أو المزود كما هو معروف. كان الأمر أشبه بنوع من مصالحة الجمهور والنخب مع جوانب مقصيّة ومكبوتة من التراث الغنائي، وكان لا بدّ بعد سنوات من تلك المصالحة التي باركها الجميع -والتي تحوّلت في جانب كبير منها إلى ضرب من التمعّش التجاري من هذا التراث بدعوى إحيائه موسيقيا – من وقفة جديدة وقراءة مغايرة لهذا التراث، خصوصا مع تنامي نمط جديد من النجوم والأغاني المفضلة لدى الشباب، لعلّ أبرز أيقوناتها المغني الشاب "سامي يوسف"، وهو الأشهر حاليا بعد المغني البريطاني "يوسف إسلام" وكلاهما يستخدم الموسيقى الغربية بآلاتها ومقاماتها وجملها وتكنولوجياتها ومؤثّراتها لتقديم أناشيد دينية إسلامية حقّقت نجاحا تجاريا كبيرا بسبب هذا التركيب ذاته الذي يرضي ذهنية إسلام البزنس المعتدل اللّيبرالي السائدة المفتونة بشعار الأصالة المعاصرة.


 كان عرض 1991 من الحضرة عملا تجميعيا بالأساس تركّز فيه مجهود "العقربي" في ضمان تسلسل موسيقي جديد لأناشيد ومدائح تم اختيارها بعناية بين طرق الإنشاد السائدة وكان للجزيري فضل تقديم كلّ ذلك في إخراج ركحي مسرحي تركّز على عناصر الضخامة والإبهار.


في التصوّر العام للعمل الجديد "الحضرة 2010"  قسّم الجزيري الركح الى ثلاثة أجزاء : جزء خاص بالمنشدين والموسيقيين الذين اعتمدوا في عزفهم على آلات تقليدية شعبية مثل «البندير» و«الزكرة»، وجزء آخر ثم تخصيصه لموسيقيين عزفوا على آلات عصرية حديثة مثل القيتار والبيانو والكنترباص والكمنجة.. والتشلّو والألتو والكمان الأول والثاني والعود، وجزء ثالث أثثه الراقصون. بين أجزاء الركح الثلاثة حوارات ونداءات وإشارات ورقصات.


على عكس الحضرة الأولى سحب الجزيري في عرض الحضرة 2010 الزّرابي من تحت المؤدّين والعازفين، واستبدل شيوخ الحضرة من حفظة أصول وضوابط الإنشاد الطرقي والدّيني بمجموعة من الموسيقيين والمؤدّين والعازفين الشبّان المتخرّجين من معاهد الموسيقى والفنون الدرامية والتشكيلية، وأطلق لهم عنان الخيال للتصرّف في هذا التراث، بإعادة قراءته فكريا وأدبيا و توزيعه موسيقيا، ليخرج من الرتابة الطربية إلى حيوية "البوليفونية" الأوركسترالية الضاجّة بالبهجة والمتعة، بكسر طقوس الجلوس المعتادة في حلقات الذكر والإنشاد الدائرية وتحويلها إلى أشكال كوريغرافية متعدّدة المشاهد والأشكال، بجمع الشبان والفتيات بصورة جماعية تقوّض النزعة الذكورية لطقس الحضرة، بإدخال آلات موسيقية معاصرة تسمح بالإنصات إلى ما يجمع الموسيقات في العالم مثل  الكنترباس أو السّكسفون أو التّشلّو، بتنويع اللّباس وجعله متعدّد الألوان والأشكال بصورة تكشف عن جمالية التعدّد واختلاف المنابع المكوّنة للهوية. كلّ ذلك في حضرة يقف فيها المنشدون بعد قرون من الجلوس ولا يكتفون بالوقوف فقط بل يتحرّكون في كلّ الاتجاهات في تناسق جعل من حركاتهم لوحات كوريغرافية مليئة بالمعاني والإشارات. وبالإضافة إلى عناصر المسرحة في العمل والتي تجلّت في أشكال التشخيص والحوار بين الشخصيات بالإشارات والغناء والموسيقى فقد شمل التجديد حتى الأعلام واللاّفتات (السّنجق) التي قدّمت بأنامل خريجي المعاهد العليا للفنون الجميلة.


قدّم المنشدون عديد الأغاني الدينية من بينها أغنية» مولاي صلِّ وسلِّمْ دائما أبدا، وزاد النبي، وفرجانيّة، وأغنية «صلاّح بلادي» وأغنية «وحشك طال يا شاذلي» وأغنية «يا من هو عاشق مشوق» وأغنية «الليلة ليلة»، وهي كلّها أغانٍ تمّت إعادة توزيعها بصورة جديدة كلّيا، فبدايات كل الأغاني كانت مرتكزة بالأساس على آلات عصرية مثل السكسفون والفيولونسال والأكورديون وفي عمليات التوزيع تمّت الاستفادة من أشكال موسيقية وغنائية عالمية عديدة مثل "الأوبرا" والعزف السمفوني" والرّوك والبلوز والموسيقى العربية والمالوف إلخ .

الطريف في هذا العرض الجديد من الحضرة أنّه كسر أفق انتظار الجمهور الذي جاء لترديد أغاني ومدائح الذكر التي اشتهرت بعض عروض النسخة الأولى. لقد قلب "الجزيري" سياق العرض كلّه نحو تجديد شمل كلّ أجزاء وعناصر العمل موسيقيا ومسرحيا وكوريغرافيا وشمل التجديد أنواع اللّباس المستخدمة التي تؤرّخ لعناصر شكّلت الشخصية التونسية، من اللّباس الأندلس الاسباني إلى اللّباس التقليدي البدوي والحضري و اللّباس العصري الأوروبي،  فضلا عن الإضاءة  التي حوّلت الحضرة من قطب دائري مستقطب للنور إلى سماء مرصّعة بشتّى النجوم المضيئة.


عرض "الحضرة 2010 رسالة فنّية مضمونها الجوهري أن تجديد الخطاب الموسيقي الرّوحي بمختلف أشكاله لا يكون سوى بعلمنته ركحيا ومسرحته فرجويا وأنسنة معانيه الدّينية لتكون معبّرة عن أشواق الإنسان مطلقا (المتدّين وغير المتدّين)، كلّ ذلك عبر تحويل المادة الموسيقي والغنائية "الدينية" إلى ورشة مفتوحة للبحث الموسيقى والجمالي حتّى يكون عنصر إثراء للموسيقى العربية وعلامة على تنوّع مشاربها وعمق جذورها وحداثتها وتميّزها لا دليلا على نكوصها وجمودها

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This