يوسف تيبس: العلمانية ليست معادية للدين

فجرت مؤخرا الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نقاشا حادا على خلفية مطالبتها بتبني العلمانية كمطلب حقوقي…هاجم أكثر من طرف هذا المطلب، ووصل الأمر إلى المطالبة بحل الجمعية، فيما تكلفت جهات إعلامية عمومية وغير عمومية بصب الزيت على النار… لكن بعيدا عن حدث الهجوم على الجمعية وعلى مطلبها، تكمن أكثر من علامة استفهام من قبيل : لماذا يتوحد ما لا يوحد من الجهات في الخوف من العلمانية؟ هل الأمر ناتج عن سوء فهم معناها أم يعود بالأحرى إلى الخوف من تبعات المطلب على طبيعة النسق السياسي المغربي؟ ما معنى العلمانية؟ وهل تشكل فعلا تهديدا لقيم المجتمع وهويته؟ وما معنى إثارة الجدل حولها في مجتمع تبنى منذ أكثر من عشر سنوات شعار المجتمع الحداثي والديمقراطي؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها أستاذ الفلسفة المعاصرة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس والمدرب الدولي في حقوق الإنسان الدكتور يوسف تيبس.

شهد المؤتمر الأخير للجمعية المغربية لحقوق الإنسان نقاشا مثيرا حول العلمانية، وتركز الجدل بالخصوص حول إمكانية المطالبة بدسترة العلمانية كمطلب حقوقي. هل تعتقد أن العلمانية بكل ما تعنيه من حمولة تاريخية وفكرية وثقافية إشكال راهن يمكن أن يكون مثار نقاش مجتمعي؟

منذ مدة فتحت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، نقاشا حول إمكانية اقتراح تبني العلمانية في النظام السياسي المغربي، وفي جهة فاس، شاركت بعدد من المحاضرات في إطار تعميق هذا النقاش. ومن خلال هذا النقاش وماجرى تداوله في المؤتمر التاسع، فالظاهر أن المدافعين عن مطلب العلمانية يعتقدون أن العلمانية عامل أساسي في بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، يتجاوز أنواع الوصايا التقليدية ليعوضها بالوصاية العلمية طالما أن العلم من إنتاج العالم/الإنسان/المواطن/العقل، بمعنى أن الجمعية تعتبر تبني العلمانية عاملا قد يقوض الممارسة الديمقراطية ويعدل النظام السياسي حتى يناسب طموحات المواطن المغربي. غير أن هذا الزعم ليس صحيحا كليا، لأن الإيمان بقدرة العلم على حل جميع مشاكل الإنسان يرافقه على المستوى السياسي المطالبة بفصل الدين عن الدولة. بإيجاز شديد، لا يمكن تحقيق مجتمع ديمقراطي في ظل تداخل السلطات المختلفة من حيث المصدر والطبيعة. بمعنى أن الجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية عائق جوهري أمام الديمقراطية.

فمفهوم العلمانية يؤمن بأن العلم يفتح باستمرار آفاقا أمام الإنسان، مما يجعل العقل مطالب بمساءلة العلم ذاته وتوجيهه ونقده، فتكون نتيجة هذا الحوار بين العلم والعقل والواقع تحقيق نمط عيش إنساني نظري وعملي ملائم إن لم نقل جيد أو على الأقل يصبو إلى ذلك.

حاصل القول إن العلمانية هي أولا تعدية المناهج العلمية التي أثبتت نجاعتها إلى مجال الإنسانيات خاصة الأخلاق والسياسة، لذا اعتبرها الكثيرون محاربة للخرافة والجهل والتسلط؛ وهي ثانيا سعي نحو تحقيق سعادة الإنسان/المواطن بواسطة المعرفة التامة بقوانين الطبيعة واستبدال المناهج العلمية بالأديان والأخلاق، أو لنقل استبدال الحل العقلاني بالحل الأخلاقي، مما يعني أن العلمانية علم وقوة تمس جميع مناحي الحياة الإنسانية وخصوصا السياسية منها، لذا نجد أن أكبر مقاومة لها تكون من قبل المجتمعات المتدينة أو الجاهلة. وهذا خطأ أو غلط يلزم تصحيحه.

أحد المعوقات الأساسية التي يثيرها النقاش حول العلمانية في المغرب هو بعض الأوصاف القدحية المرتبطة بمفهوم العلمانية إذ أن التمثل الشائع يربطها بنعوت من قبيل الإلحاد والانحلال الخلقي والإباحية وغيرها؟ هل في اعتقادكم أن البنى الاجتماعية والذهنية للشارع المغربي مهيئة بالشكل الكافي للتعامل مع هذا المطلب؟

اسمح لي إذن أن أحاول إزالة بعض الالتباس بناء على مبدإ الربح والخسارة، لنسلم أولا أن مطلب العلمانية هو بالأساس مطلب الدولة الديمقراطية الحديثة، وأن الإرادة السياسية في المغرب لا تكف عن المطالبة بتحديث أسلوب تدبير شؤون الأمة؛ والعلمانية أيضا هي حرية المعتقد، أي منح الفرد حق ممارسة معتقده سرا أو علانية شريطة أن لا يفرضه على الآخرين، بمعنى أنها ليست رفضا للتدين كما يعتقد البعض، بل تحريره من أي هيمنة أو سيطرة لإشعاع روح التسامح الديني والثقافي، وهو كذلك أمر لا يدخر النظام المغربي جهدا في الدعوة إليه (إذ ترفض الدولة والأحزاب معا إدعاء أي جهة كونها ممثلة للدين الإسلامي)؛ غير أن كل هذه الجهود الحميدة من قبل السياسة المغربية ستصبح معارك دنكيشوطية إذا لم تستند إلى البعد القانوني وهو الإقرار بذلك دستوريا.

وعليه فأن العلمانية تعني ببساطة فصل سلطة الدين عن الدولة أي تحرير الدولة مما ليس دولة. فإذا كان ستاندال في روايته "الأحمر والأسود" يبين تواطؤ رجل الدين والملكية في فرنسا من أجل الهيمنة، وطالب مونتيسكيو بفصل السلط للتقليص من هيمنة الدولة، فإن العلمانية لا تزيد عن هذا المطلب سوى بالإيمان بقدرة العلم/العقل على حل مشاكل الإنسان، ومنها تلك التي يخلقها هو نفسه.

هكذا تلاحظون أن لا علاقة للعلمانية بفكرة الإلحاد لأن أغلب الرافضين لها يعتقدون أنها كذلك، والحقيقة أن الرافضين لها، بل المقاومين لها إنما يخافون على مصالحهم الشخصية، ولنأخذ المجتمع اليوناني كمثال الذي يمثل رجال الدين فيه أغنى المواطنين إلى حد أن أغلب اليونانيين أضحوا يسعون إلى هذا المنصب.

في اعتقادكم ألا يمكن أن تصطدم كل دعوة إلى العلمانية بطبيعة النسق السياسي المغربي القائم على ثنائية أن القيادة السياسية مرتبطة بإمارة المؤمنين، في حين أن إحدى الأسس التي تقوم عليها العلمانية تتمثل في فصل الديني عن الدنيوي؟

يمكن أن نصنف العوائق التي تحول دون تبني العلمانية في النظام السياسي المغربي إلى ما هو ذاتي وما هو موضوعي: تكمن العوائق الذاتية في المقاومة الاجتماعية والثقافية للمواطن المغربي نفسه نظرا للثمتلات السلبية التي لديه عن العلمانية أو طبيعة النظام السياسي المغربي الذي يقوم بالأساس على الركيزة الدينية المعلنة في الدستور، مما يجعل المطالبة بالعلمانية مطالبة بتغيير أو تعديل أهم مقومات النظام السياسي المغربي المتجلي في سيادة الدين الإسلامي وإمارة المؤمنين؛ أما العوائق الموضوعية فترجع إلى الفشل النسبي الذي حدث لبعض التجارب العلمانية كما هو الحال بالنسبة لتركيا وبولونيا وسوريا… وهذا التخوف من الفشل وإن كان مبررا لكنه ليس معقولا لأن حجته مردودة بتقديم تجارب أخرى نجحت كما هو حال فرنسا التي كانت أول من أعلنت عن تبني العلمانية دستوريا.

من الناحية الفلسفية كيف يمكن التأصيل لمفهوم العلمانية في بيئة ثقافية وذهنية، يمكن أن نقول أنها خاضعة لمنطق التأثير الديني بل والأسطوري أيضا. بمعنى آخر ألا يصطدم كل نقاش للعلمانية بتلك المقولة القائلة بالخصوصية وأن ما يصلح لهذا المجتمع ربما لا يصلح لمجتمع آخر؟ 

دعنا نتفق أولا على أن مسألة العلمانية ذات ثلاثة أبعاد: بعد سياسي هو الديمقراطية وبعد ديني هو حرية المعتقد وبعد حقوقي هو كونية الطبيعة الإنسانية. وحتى لا نجحف في حق البعض وجب التنبيه إلى أن هناك بعض الجمعيات التي تطالب بالعلمانية في المغرب خاصة منها الأمازيغية، كما أن هناك من يتخذ موقفا انتقائيا، في حين يوجد من يتبنى المسألة ضمنيا دون التصريح بذلك. والحال أن الواقع المغربي مليء بالتناقضات إذ أن الكثير من المظاهر الاجتماعية الاقتصادية والثقافية تدل على علمانيته، في الوقت التي تؤشر أخرى على جمعه بين الديني والسياسي. دعني أسوق هنا مثال وجود الحانات وبيع الخمر والسياحة والقروض بالفائدة ووجود وزراء غير مسلمين في الحكومة…، والأدهى من ذلك أن بلدا يدعي أن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام لا يتبنى من القوانين الدينية سوى بعض بنود مدونة الأسرة. الأمر الذي يخلق الكثير من المفارقات في التنظيم القانوني للمجتمع كما حدث بالنسبة للمواطنة التي أرادت الأكل في رمضان علنا، فما قامت به من الناحية الدينية مرفوض، لكن لا يوجد قانون يجرمه.

يمكن هنا أن أسوق تناقضا آخر هو تبني المغرب لعهد الحقوق والحريات ودولة الحق والقانون، لكنه في الوقت ذاته لا يزال يتحفظ على بعض البنود ذات الصلة بالدين كمعاهدة حقوق الطفل ومعاهدة محاربة جميع أشكال التمييز ضد المرأة…

إن القول بأن مطلب العلمانية معارض للدين مردود، كما أن الاعتراض عليها بدعوى أن بعض البلدان التي تنتهج العلمانية ديكتاتورية ومستبدة؛ مناط ذلك أن العلمانية ليست نظاما سياسيا، بل شرطا من بين أخرى ينمي ويعزز تكريس ثقافة حقوق الإنسان، وبذلك فكل جهة تدعو إلى العلمانية لا ترغب بذلك تغيير النظام السياسي، بل إقصاء العوائق أمام الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان، وبالتالي التقليص من هيمنة الدولة، ومعلوم أن الغاية القصوى لكل نضال حقوقي هو التقليص من هيمنة سلطة الدولة مخافة أن تسقط في الاستبداد. أضف إلى ذلك أن الأنظمة السياسية العلمانية التي سقطت في الديكتاتورية لم يكن همها الأول تحقيق الديمقراطية، بل القطع مع أسباب التخلف، والتي كانت في اعتقادهم التراث بجميع أشكاله، فوصل بهم الحد، كما هو حال تركيا، إلى استبدال الحروف اللاتينية بالعربية.

شهدت الساحة الثقافية والإعلامية المغربية مؤخرا سجالا حادا حول مفهوم العلمانية وخاصة بعد أن قامت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتقديم هذا المطلب كمطلب حقوقي؟ كيف يمكن أن نفهم ملابسات انبثاق الجدل حول العلمانية في هذا التوقيت بالذات؟ وهل الوقت مناسب وملائم لهذا النقاش؟ أم أنه مرتبط بسياق سياسي داخلي وتداعياته الخارجية والدولية فقط؟

يبدو لي أن التساؤل حول تاريخية وضع أي مشكل أو قضية أمر نسبي لأنه من الصعب دائما أن نجد تعليلا حقيقيا لكل مطالبنا، ومن تم فهل حان الوقت لوضع العلمانية مطلبا حقوقيا؟ الجواب بالنسبة لي: نعم، أولا لأن المجتمع والنظام السياسي المغربيين دخلا فعلا عصر الحداثة، وهذه تعني نظريا القطع مع مقومات وأسس الحكم التقليدي؛ ثانيا إن الأصل الاشتقاقي للعَلمانية "séculer/sécularisation" هو "الخاص بالعصر أو الوقت"، وبالتالي فالمطالبة بالديمقراطية الحقّ وتكريس حقوق الإنسان والحفاظ على كرامة الإنسان وتحرير العقل من كل الوصايا أيا كان نوعها أو مصدرها هي السمات الأساسية لهذا العصر؛ وعليه الدولة المغربية الحديثة من حيث أنها ملكية دستورية لبرالية وديمقراطية تشاركية لم تعد تحتاج إلى مشروعية دينية، لأن المواطن المغربي لم يعد يفكر في أشكال أخرى للحكم كما كان يفعل سابقا، بل فقط في تطوير النظام الحالي إلى الأفضل؛ ومن تم فسير الدولة نحو بناء مشروعية قانونية أي عقلانية، بلغة ماكس فيبر، أو لنقل تبنيها مفاهيم الانتقال الديمقراطي والبناء الديمقراطي ودولة الحق والقانون… كل هذا يعني أن النظام الملكي يعي بالقدر الكافي أن استعماله للسند الديني لم يعد يحوز نفس القوة والسلطة كما كان الحال عند إدخال صفة إمارة المؤمنين في الدستور. يجب أن نعترف في هذا السياق أن المؤسسة الملكية كانت دائما سباقة واستباقية بالنسبة للحكومة، بل يمكن أن أجزم أن هذه الأخيرة متخلفة وبطيئة بطء السلحفاة مقارنة مع سرعة التوقع الملكي. والدليل على ذلك حيرة رجال السياسة في المغرب، بل دهشتهم أمام مفاهيم جوهرية من قبيل التناوب والانتقال الديمقراطي والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتنمية المستدامة…

يبدو أن المشكل يكمن بالدرجة الأولى في العقلية المغربية أكثر منه في النظام السياسي، فالاعتراض على العلمانية يكون أولا من قبل أصحاب المصالح، لأن ذلك يعني في نظرهم التقليص من سلطهم، وأقصد هنا بعض رجال الدين والسلطة التنفيذية وكل من يغتني على حساب المجتمع دينيا. بعبارة أخرى إن الأمر يتعلق بالمقدس، كما تعلمون كثر الحديث مؤخرا عن المس بالمقدس، وأنا لدي اعتراض على هذه المصطلحات؛ يتعلق الأول بمفهوم "المس" لأنه ملتبس وغامض، ويذكرني بالعبارة الدستورية التي عذبت وقتلت الكثير في المغرب، أقصد "ما من شأنه…"، أما الثاني فيتعلق بـ"المقدس" الذي يقصد به هنا "الثوابت أو القيم الأساسية"، وهو لفظ أقل إثارة للمشاعر. وإذا كان يبدو أن المشرع قد استعمل كل ذكائه كي يضع نصا مخيفا بالنسبة للمواطن، لأن كل شيء قد يؤول على أنه "مس"(الغريب أن لهذا الفعل معنى سلبي دينيا)، ولأن التقديس يتعلق في مجال الأنثربولوجيا بالأمور الواهنة، أي التي لا تجد لنفسها تعليلا سوى المنظور الإيجابي للناس، أي الاعتقاد، فإن ذلك قد تحول إلى وسيلة لتكريس هيمنة السلطة السياسية.

مفاد ما سلف إن مطلب العلمانية مطلب حقوقي يناظر على المستوى السياسي إصلاح الدستور، وتحقيق ذلك لا يعني بالضرورة الحسم في المستوى الاجتماعي والثقافي، لأن حقوق الإنسان عبارة عن مواثيق قانونية من جهة، وسلوكات شخصية تقوم على الحرية والمسؤولية من جهة أخرى. لذا فإن الشرط الوحيد الضروري الذي يجب أن يسبق تحقيق العلمانية هو تربية المجتمع على مفاهيم حقوق الإنسان وخصوصا الحرية بكل أبعادها المدنية والاجتماعية والثقافية وخصوصا الدينية. كما يمكن أن نتبنى العلمانية ثم نقوم بنشر ثقافتها، كما حدث مع حقوق الإنسان، إذ لم تكن العقلية المغربية مستعدة لتقبلها، لكن المجتمع المدني والنظام التربوي قام بترسيخها عن طريق التربية والنشر والتعزيز.

ألا تعتبر إعادة فتح النقاش في العلمانية في هذا التوقيت بالضبط تكرارا لأسئلة رواد النهضة وهم يجيبون عن سؤال لماذا تخلفنا؟ مع العلم أن في منتصف القرن التاسع عشر كانت هناك طروحات أكثر جرأة في التعامل مع هذا الأمر؟ لماذا إذن نعود بعد أكثر من قرن من الزمان لطرح الإشكاليات ذاتها وكأن حركية التاريخ متوقفة عند قضايا بعينها؟

لا بد هنا من التأكيد أن مناقشة إشكالية العلمانية جزء من نقاش مسألة النهضة والحداثة بكل تجلياتها، لذا يضعها البعض في مقابل السلفية أو الاشتراكية، وهو أمر فيه كثير من الغلط، لأن السلفية والاشتراكية تصورات لنظم الحكم بكل مكوناتها، في حين أن العلمانية تحديد لطبيعة السلطة السياسية، أي رسم حد لممارسة الدولة للسلطة في مجال العلاقة مع الدين، أو لنقل إنها مطالبة بعدم استغلال الدين في التسلط على المواطن.

وأغتنم مناسبة الحديث عن معنى العلمانية لأميزها عن العِلمانية (بكسر العين)scientisme، فهذه الأخيرة تدل على الاتجاه الفكري الذي يرى في العلم الملجأ لحل كل مشاكل الإنسان، في حين أن العَلمانية Sécularisme اتجاه فكري يطالب بفصل الأمور الدنيوية عن الأمور الدينية، فيكون بذلك الدين، في نظره، ممارسة شخصية ومعتقدا فرديا وليس سلطة جماعية تفرض على الكل. أما اللائكية فاتجاه يود تحقيق العلمانية كمفهوم كوني وشامل، همه الأول البعد الثقافي من أجل بناء مجتمع حداثي؛ وهذا الأخير ليس سوى التأكيد على الوعي والإنسان وغياب المقدس كغايات قصوى.

قد يكون تخوف البعض من العلمانية ناجم أيضا عن ارتباطها بحركة التنوير في الفكر الغربي الذي كان يعتقد بأن الإله مفهوم من إنتاج العقل الخالص، أو أن الفكر الديني اغتراب للإنسان في العالم الإلهي، ومن تم لا يمكن الحديث عن ترسيخ مفهوم العلمانية إذا لم يتم فهم الدين كظاهرة إنسانية، أو كدين طبيعي. غير أن هذا الفهم مغلوط كذلك، إذ أن العلمانية لا تعادي الدين، لكنها لا تقبل التضحية بحقوق الإنسان من أجل حقوق الله التي ليست في الأصل سوى حقوق المستبد الذي يلبس الجلباب والعمامة ويجلد الناس  باسم الله.

أكثر من جهة هاجمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في طرحها لمطلب العلمانية. هناك جهات رسمية(تصريح الوزير الأول في هذا الشأن) وجهات أخرى دينية. كيف يمكن أن نفهم وحدة هذا الموقف؟ هل إقرار العلمانية يشكل فعلا تهديدا حقيقيا لقيم المجتمع وبالتالي هويته؟

هناك من يرى أن تبني العلمانية سيفتح المجال أمام تفسخ الأخلاق وظهور الجماعات الشاذة وفقدان القيم الأخلاقية وخصوصا الدينية، والرد على هذا أمر سهل، إذ نتساءل هل توجد فعلا قيم دينية؟ وإن وجدت هل هي أقوى من القيم الاجتماعية؟ اليقيني أن القيم الاجتماعية أقوى من الدينية، فالفتاة مثلا تزني وتحافظ على البكارة، كأن البكارة أهم من الزنى، والناس يشربون الخمر ويتسترون، مما يعني أن القيم الاجتماعية أقوى. أما إمكانية ظهور الجماعات الشاذة، فهذا أمر مرتبط بالتطور التاريخي الذي لا يطلب الإذن من أحد، فعدم التسريح لها لا يعني إقصاؤها، ومنعها لا يعني القضاء عليها، بل دفعها إلى العمل في الهامش مما يجعلها خارج السيطرة، ولنضرب لذلك مثل المصابين بالإيدز أو الأبناء غير الشرعيين، لو لم تقرر الدولة العناية بهم والاعتراف بهم لزاد عددهم.

أما أكثر الأمور هراء هو الاعتقاد في إمكانية إقامة حكم إسلامي بالطريقة التي عاشها السلف الصالح، والعلة في هذا التهافت أولا هو استحالة إسقاط الماضي في الحاضر، وثانيا أن الذي يدعي ذلك لا يعرف أي نظام إسلامي يقصد، وثالثا أن العصر الأول للدولة الإسلامية كان أكثر فترات الحكم العربي الإسلامي سفكا للدماء وصل إلى حد قتل الخلفاء الراشدين. وعليه يبدو أن الأمر لا يتعلق بتناقض بين الدين والعلمانية، بل بين السلطة السياسية والتقاليد والعقليات من جهة ومنظومة حقوق الإنسان والحريات من جهة أخرى. لأن هذه الأخيرة لا يمكن أن تنجح في ظل خلفية فكرية وسياسية إسلاموية.

في بداية ما اصطلح عليه بالعهد الجديد رفع الخطاب الرسمي شعار التأسيس للمجتمع الحداثي الديمقراطي. لكن بعد ما يقرب تقريبا من عشر سنوات، تراجع منسوب استعمال هذا الشعار. كيف يمكن أن نفهم هذا التراجع في ظل الهجوم الذي تتعرض له فكرة العلمانية؟

يجب أن نعترف أولا أن السياسة مجال معرفي وعملي يولد معارفه ويخلق قيمه بشكل ذاتي، بالرغم من أن تعريفها هو تدبير شؤون المجتمع من أجل الصالح العام، مناط ذلك أن كل فئة تتسلم مقاليد الحكم تمزج مصالح الأمة بمصالحها، وهذا ما يجعل العمل السياسي راهني، وبالتالي متغير بتغير الظروف. بعبارة أخرى أيا كانت الأهداف التي قد يعلنها بجدية أو من دونها، فإن هذه الأهداف قد يتبين عمليا أنها تخل بمصالح الحاكمين، لذا يضطرون للتضحية بها. وعليه يلحظ المواطن والمتخصص تراجعا في سياسة معينة. وهذا بالفعل ما حدث في المغرب، فالشعارات التي رفعت كانت أكبر من الدواليب التقليدية، أضف إلى ذلك الجهل الكبير بهذه المفاهيم. فالرغبة في تحقيق مجتمع ديمقراطي حداثي لا يقتصر على تطبيق الدستور والانتخابات النزيهة، لأن هذه الأمور نفسها كانت ناقصة من المسار السياسي المغربي، بل تتعداها إلى تعديل وملاءمة القوانين والمؤسسات طبقا لهذا المنظور الجديد الذي يقطع مع التصورات التقليدية سواء على مستوى المؤسسات أو السلوكات أو المعتقدات والتصورات، الأمر الذي تلاحظون أنه لا يزال يثير الكثير من المداد والغضب والتأفف…. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This