نصر حامد أبو زيد (4)
بوفاة نصر حامد أبي زيد تخسر الثقافة العربية المعاصرة علما بارزا من أعلامها، وبحساب السنين فإن عشر سنوات على الأقل من عمره الفكري قد راحت هدرا، كان يمكن أن يثري خلالها الثقافة العربية ويعمّق ما ساقه من أفكار في خضم الجدل الراهن حول الظاهرة الدينية الإسلامية. لقد كان مرضه مفاجئا ورحيله سريعا، وهو المفكّر الذي مارس حضورا مشهودا في المعارك الفكرية ضدّ الخطابات النقلية والتكفيرية السائدة، فما أنجزه يعدّ بداية وربما مقدّمة لأبحاث قد تأتي، فالمهمة التي تصدّى لإنجازها كبيرة وعويصة، والأرض التي رام حرثها لا يزال قسم شاسع منها بورا، ولكنّ عزاءنا أنّ أجيالا من الباحثين العقلانيين العرب ما فتئت تتالى، موجة بعد موجة، وكلّما سـاد الاعتقاد مع رحيل هذا المفكر التنويري أو ذاك أنّ الخسارة غير قابلة للترميم إلا وجاء من يكمل المشوار، بل ربما يدفع بالبحث إلى ذرى غير مسبوقة.
كان نصر حامد أبو زيد على وعي بهواجس المرحلة عربيا وبطبيعة إشكالياتها الكبرى تاريخيا، وما يفرضه ذلك على المثقف من مهمات وفي صدارتها مواجهة الأصولية الدينية المنفلتة من عقالها، والتي راحت تكفّر الفكر وتفرض سلطانها على جموع واسعة من الناس بأساليب شتى، وكان توجّهه من ثمة إلى المنطقة الحرام التي سعت الأصولية إلى تسييجها وإحاطتها بحراس العقيدة، المستعدّين دوما لإصدار الفتاوى والأحكام، فانكبّ على تحليل النص القرآني، ناظرا إليه باعتباره متعدّد المعاني، بل إنّ تلك المعاني تتغير بتغير مراحل التاريخ ، محاولا في نفس الوقت تنقية القرآن من الخرافة والأسطورة والسحر أي اللاعقلانية، وبالتالي إبراز جوهره العقلاني، فقد اتجه ناحية تحديد ماهية النص على أســــاس التاريخ والثقافة وتحقيق المصالحة بينه وبين العصر، وهذا ما استنفرت الأصولية جبروتها ضدّه فكان تكفيره بشكل مدوّي.
لقد اعتبر لغة القرآن لغة بشرية، إنها لغة قريش، لغة يفهمها النبيّ والناس الذين يعيش معهم، والموكول إليه مخاطبتهم، وبالتالي يجب فهم القرآن في علاقة بتلك اللغة تحديدا، كما دعا إلى تأويل النص في علاقة بسياقه التاريخي ومقاصده وأسباب نزوله، فالوحي رسالة موجّهة إلى البشر نزلت على مراحل واستدعت ردود أفعال من قبل الناس فكان الناسخ والمنسوخ، ومحمّد ليس مجرد ساعي بريد فالله يجادله وأحيانا يزجره، والقرآن مشبع بالسجال فهو يردّ على المنكرين عارضا حججهم، مبينا تهافتها، وفي المقابل يثني على المؤمنين به باعتباره رسالة ربانية، مبشرا إياهم بالخير العميم والفردوس المستديم.
وهو برأيه ليس كله نصّا مفهوما واضح المعالم، لا ينقصه غير التطبيق، وإنما هو موضوع للتفكّر والتدبر، وبالتالي التأويل، ومن ثمّة علينا إعادة قراءته على ضوء المناهج والعلوم الحديثة، وهو ما يعجز عنه رجال الدين لغربتهم عن علوم العصر، كما يتمسّك بالحديث عنه كظاهرة، فذلك ما تفرضه المقتضيات العلمية، فالقرآن تتحكّم به اعتبارات تاريخية، فقد مرّ من المشافهة إلى التدوين، من سور تتداولها الألسن إلى تجميعها في كتاب، إنّه منتوج ثقافي ولغوي تاريخي، ولكن مصدره يظل مع ذلك إلهيّا. وقد صرّح أبو زيد ذات مرّة أنه لم يكن يتصوّر أنه بطرح هذه الأسئلة وبلورة تلك الأطروحات كان يقترف أمرا محظورا، ولكن المؤسسة الدينية النقلية أساءت الظنّ به.
ومثلما تنبّه إلى تلك الأسئلة وطبيعة المهمّة، أدرك الحاجة إلى المناهج الحديثة في قراءة الخطابات، فالنص الواحد خضع لتأويلات متباينة فاستكشف الأساس الاجتماعي للنقاش اللاهوتي، وجال في المناطق المعنية بالتأويل، فمن تأويل النص الديني إلى تأويل النص الصوفي على ضوء العصر ومشكلاته، واستأنس في ذلك بعلوم القدامى والعلوم الإنسانية الحديثة، متوسّلا أرقي مكتسبات الفكر الإنساني، منبها إلى أهمية القراءة الهرمونيطيقية للمقدّس الإسلامي، معتبرا أنّ السلفيين لا يفكرون، فهم يأخذون بما قاله القدامى وينتقون منها ما يناسبهم إنهم إتباعيون يخافون كلّ تجديد وينظرون إليه على أنه ابتداع، فكلّ محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
على الضدّ من الفكرة الرائجة حول كفره، التي روّجتها المؤسسة الدينية في مصر والخليج العربي خاصة، فقد ردّد نصر حامد أبو زيد في تصريحاته الصحفية كما في مؤلفاته الأكاديمية كثيرا أنّه مسلم غير منكر للمصدر الإلهيّ للقرآن، وقد ختم البيان الذي نشره عشيّة تكفيره والحكم بالفصل بينه وبين زوجته بـالقول"أنا أفكّر فانا مسلم".
وهو يبرّر قوله هذا بانتمائه إلى فضاء حضاريّ محدّد هو الفضاء الإسلامي، وربما لا يعرف كثيرون أنه خارج من كمّ الجماعات الدينية، وبالذات من جماعة الإخوان المسلمين، التي خضع لتأثيرها الدعويّ في شبابه، فكانت كتاباته بمثابة تصفية حساب مع تلك الجماعات بتعرية الأسس العقدية التي تنام عليها، ومن مآثره أنه حوّل قضايا معقّدة إلى قضايا عامّة تناقش حتى في الصحف وقنوات التلفزيون، لقد ارتاد المناطق الخطرة ممزّقا السياج الذي تحدّثنا عنه فاستحقّ ملاحقة حراس العقيدة.
إنه مفكر يثير فينا الحيرة والشك ويخاطب عقولنا ويجعلنا نفكّر في ما لم نفكر فيه سابقا، وهو يفخر بأنه وصل بهدوء وطبخ أفكاره على نار هادئة وانخرط في الشأن العام من بابه الواسع، فهو يختلف عن المفكرين المقيمين في الصوامع، فقد كان يمارس ما يفكر فيه وعينه على تغيير الواقع العربي، على عكس بعض زملائه من الأكاديميين المتكسبين، الذين يصلون باعتماد أخس الأساليب إلى المواقع المرموقة، ويحصلون على الألقاب الفخمة، ولكنّ تأثـيرهم في الواقع يساوي صفرا، فيعيشون ويموتون دون أثر يذكر، عدا ذكريات حزينة تركوها لدى ضحاياهم من الطلبة.
وإذا كان قد اشتهر بعدائه للسلطة الدينية فإنّ عداءه للسلطة السياسية الرسمية السائدة لم يكن معروفا بالقدر نفسه، غير أنّنا نجده يشهّر بالفساد والدكتاتورية الإقطاعية البرجوازية، ويصف الواقع العربيّ بعبارات تنمّ عن حزن وقرف بالغين : " نحن نعيش في نظم سياسية أمنية، في دولة أمنية. قبضة الأمن في رقاب الناس في كل مكان… ماذا عن القهر الذي يطال المواطن العادي؟ ماذا عن القتل اليومي للمواطن في أقسام الشرطة وللطلاب في أقسام المحاضرات، حين تقول لولد في المحاضرة : إخرس. أستاذ جامعة يقول لتلميذه إخرس ما تبقش سخيف. هذا نوع من القهر أيضاً. لا أريد أن أصنع من نفسي شهيداً وضحية، لكن هذه المجتمعات تعبّر عن ثقافة بائسة، وأنظمة ديكتاتورية أشدّ بؤساً. والشكل الوحيد لحماية هذه الأنظمة الديكتاتورية أن تشارك المتطرفين في مطاردة أي فكر نقدي، لأن الفكر النقدي يهدد السلطة أيضاً. الفكر النقدي لا يتحدث فقط عن التاريخ والتراث. الفكر النقدي إذا كان يهدف إلى تحرير الناس من سلطة النصوص، فإن أول هذه السلطات هي الديكتاتورية. أنا أحتقر هذه السلطات رغم أنني لا أعتبر أن هذه السياسات موجهة ضدي شخصياً. هذه السلطة تخاف من رواية، من قصيدة، من لوحة، من أغنية. المشكلة أنّ الحكومات تتبنّى ثقافة الإقصاء هذه قبل الجماعات المتطرفة. ثقافة البؤس هي الثقافة المعادية لأيّ شكل من أشكال الفرح الإنساني. الفرح الإنساني جزء منه الاستمتاع بالمعرفة، والاستمتاع بالموسيقى والأغنية والقصيدة، الاستمتاع بالجمال، جمال الناس وجمال الطبيعة. شوارعنا قبح، إعلامنا بشكل عام قبح، الوجوه التي تطالعنا أحياناً فيها قبح. فساد سياسي، فساد اقتصادي، فساد اجتماعي." نصر حامد أبو زيد حوار مع ناظم السيد، جريدة القدس العربي لأجل ذلك كان غياب هاتين السلطتين في وداعه، كما كان حقدهما عليه خلال حياته.
لقد عرّى السلطة الدينية، ولم يقف عند حدود إبراز تهافت خطابها، إذ كشف أيضا روابطها السياسية والمالية، مؤكدا أن نقد الخطاب الديني يمهد لتحرير الناس من براثن تلك السلطة، التي تتعامل معهم باعتبارهم قاصرين تجب رعايتهم، فتسجنهم في زريبتها، وتصدر لهم فتاوى المنع والتحريم والتحليل. وإذا كانت تلك السلطة تنكر أنها سلطة في لعبة تخفّي واضحة المعالم فإنّ نصر حامد أبو زيد يمزق النقاب الذي تتوارى خلفه قائلا " انّ أولئك الذين يتفاخرون دائما ـ و نحن معهم ـ أن تاريخ الإسلام لم يعرف سلطة دينية مثل سلطة الكنيسة يتجاهلون أنهم هم أنفسهم أقاموا سلطة، لا تقلّ شراسة وتخلفا عن سلطة الكنيسة في القرون الوسطى، يفعلون ذلك حين يزعمون أنهم يدافعون عن "حقوق الله"، ويفعلون ذلك وهم يصرّون على ضرورة وجود سلطة سياسية ترعى شأن الدين وتفرض تعاليمه بسلطة الدولة على الأفراد" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة، ص 12.
وفضلا عن هذا فقد فضح التواطؤ بين السلطتين الدينية والسياسية وبين كيف تتنازعان المجال الديني لاستثماره في السيطرة على الجماهير، إذ تنشئ الأنظمة مؤسسات دينية إعلامية واقتصادية، تعقد مؤتمرات، تكرّم رجال دين، تضع كلمتي الله والرسول على راياتها، تؤسلم التعليم، تنشئ مصارفها وأحزابها الدينية، تتبارى في بناء أكبر المساجد والجوامع وتستعمل الإرهاب الديني كفزّاعة تخيف بها الناس في الداخل فتبتزّهم مقدّمة نفسها على أنّها حامية حمى الدين وضامنة الأمن والأمان. وهي تستعمل ذلك أيضا في العلاقة مع الامبريالية بادعاء أنها الأفضل في ضمان مصالحها، وإنّه في حال هزيمتها فإن الإرهابيين الدينيين سيلحقون الضرر الفادح بتلك المصالح.
كان بإمكان أبي زيد التفكير في قضايا بعيدة كلّ البعد عما يعتـمل في عصره من مشكلات فعلية، كان بإمكانه مثلما يفعل آخرون بدعوى التخصص الأكاديمي عدم الاقتراب من القضايا الملتهبة، كان في هذه الحال سيتمتّع برغد العيش ولن يطاله التكفير ولا النفي، و لكنه اختار مواجهة السلطتين الدينية والسياسية.
لقد أكّد أنّه في مواجهة هاتين السلطتين تعد الحرية المطلب الرئيسي، فهي بالنسبة إليه مفتاح حلّ الأزمة، إنها شرط التنمية والتحديث والعقلانية وغيابها يعني استشراء الفساد والخراب والظلامية. وكان مدافعا عنيدا عن العلمانية فحاول تبديد الغموض الذي أحاط بها جراء التشويه الذي خضعت له كمفهوم فلسفي، إنها برأيه لا تفصل المجتمع عن الدين بل الدين عن الدولة، ومن الخطأ الذي يقود إلى الاحتراب الطائفي أن يكون للدولة دين محدد ينص عليها دستورها، وقد وقف ضد بعض "العلمانيين الذين يخضعون للابتزاز الديني في أغلب الأحوال، فيتحاشون استخدام مصطلح العلمانية تقية وخشية الاتّهام بالكفر والإلحاد" نقد الخطاب الديني ص 44 فيحدّثوننا عن المجتمع المدني والحداثة والعقلانية بينما تصاب ألسنتهم بالخرس عندما يصلون إلى مصطلح العلمانية، التي "هي الحماية الحقيقية لحرية الدين والعقيدة والفكر وحرية الإبداع، وهي الحماية الحقة للمجتمع المدني ولا قيام له بدونها" المصدر نفسه، الصفحة نفسها. وفضلا عن هذا كان مع المساواة الحقوقية التامة بين المرأة والرجل، وهو ما يتناسب برأيه مع روح الإسلام.
قبل قرون نفي ابن رشد إلى قرية تسمى أليسانة لا يسكنها غير اليهود في إيماءة من جلاديه إلى أنه خارج عن الملّة فاستوجب تهجيره إلى برّ الكفار، وأحرقت كتبه و صدر مرسوم أميري يحرم الاشتغال بالفلسفة، وبعده نفي نصر حامد أبو زيد إلى هولندا برّ الكفار/ دار الكفر أيضا، وفق المعجم الأصولي، ومنعت كتبه من التداول في أغلب الأقطار العربية، بل صدر أمر قضائيّ بتطليقه من زوجته. ويشير ذلك إلى أن ممارسة النفي والسجن والاغتيال والذبح وتقطيع الأوصال في حقّ المفكّرين العقلانيين تقليد راسخ يخترق تاريخ الثقافة العربية، ولسنا في حاجة إلى تعديد أسماء الضحايا فالقائمة طويلة. ربما لأجل هذا ينبّه أبو زيد إلى أن "الخلاف بين الاعتدال والتطرف في بنية الخطاب الديني ليس خلافا في النوع بل هو خلاف في الدرجة، كلا الخطابين يعتمد التكفير وسيلة لنفي الخصم، فكريا عند المعتدلين، ولتصفيته جسديا عند المتطرفين، هناك نوع من التعاون وتقسيم العمل بين التيارين، وهذا الضرب من التعاون والتعاضد قائم بالفعل على مستوى الخطاب على الأقل " نقد الخطاب الديني ص 23.
هل كان بإمكان أبي زيد الذهاب أبعد ممّا وصل إليه، نعتقد أن الإجابة هي نعم فقبله ارتاد صادق جلال العظم أماكن أشدّ وعورة في كتابه نقد الفكر الديني، فحوكم هو وناشر كتابه ولكنه لم يتنصّل من أفكاره، بل واصلها بجمية أقوى في كتابه ذهنية التحريم مثلا، وهو ما ينطبق أيضا على هادي علوي ومحمود أمين العالم والشهيدين حسين مروة ومهدي عامل، وهذا يعني أنّ نصر حامد أبي زيد أقرب إلى خط فكري في الثقافة العربية يحرص في نفس الوقت الذي ينقد فيه المقدس الإسلامي على عدم التصادم معه عقائديا، محافظا على المصادرات الإيمانية، هنا نجد بالإضافة إليه الجابري وفرج فودة وهشام جعيط وخليل عبد الكريم وسيد محمود القمني. بـــــــل إننا نلاحظ أنه ينزلق أحيانا إلى موقع من ينتقدهم ويقف في نفس خندقهم دفاعا عن "جوهر القرآن" والإعلاء من شأن الديانة الإسلامية، مقيما مفاضلة بين الإسلام وغيره من الأديان التوحيدية قائلا : "لعلّ الإسلام هو الدين الوحيد من بين الأديان المنزلة الذي يعطي لإيمان العقل أولوية قصوى" دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة، المركز الثقافي العربي، ص 6 وفي كتابه تكفير التفكير يقول إنه يدافع عن الإسلام الحقيقي، ص 25 واصفا التكفير بأنه سلاح العجزة من الجهال والصبية المصدر نفسه ص9.
وهنا نجد تلعثما في المواقف، فخطابه محكوم بجملة من المفارقات والتناقضات الداخلية جراء عدم القدرة على الذهاب بعيدا في نقد المقدس الإسلامي، إنه خطاب يقول نعم ولا في نفس الوقت، فينجر إلى التبرير دفاعا عن النص الديني فيرفض مثلا اعتبار الآيات التي تحثّ علي قتل الكفار من جوهر القرآن، بل إنه يعتبر الإسلام دينا علمانيا عقلانيا فيذكر أنّ ما كتبه كان "دفاعا عن الإسلام في نقاوته العلمانية، ودفاعا عن العقل الذي كان الإسلام بداية مرحلة تحريره من قيود الكهنوت والوثنية" نقد الخطاب الديني، ص 39. وهو دائم الحديث في معظم كتاباته عن الفرق بين الدين والتفكير الديني، منزّها الدين كجوهر عن كلّ الشرور، حتى أنه يعتبر قول ماركس الشهير : "الدين أفيون الشعب" قولا موجها إلى الفكر الديني والتأويل الرجعي للدين لا إلى الدين ذاته. المصدر نفسه والصفحة نفسها. ولكنه يفصل رغم ذلك بين البحث الأكاديمي العلمي الذي له مقتضياته، ولا يخضع لسلطة غير سلطته هو على نفسه و بين التعامل الإيماني مع النص الديني، الذي يحاول احتكار النص وتكفير من يعمد إلى تناوله علميا. إنه الفصل بين الإيمان والعلم ورسم الحدود بينهما، فمن الناحية الإيمانية القرآن مصدره الله ومن الناحية العلمية القرآن ظاهرة ثقافية تاريخية لغوية، واللافت أنه عندما يقول إن الله هو مصدر القرآن لا يبرهن على ذلك، بل إنّه لا يهتمّ بهذه البرهنة أصلا طالما أنها تتعلق بما هو إيمانيّ لا بما هو علميّ وهو ما يذكّرنا بعمانويل كانط.
مات نصر حامد أبو زيد وهو في لحظة حلم، فعندما أصابه الفيروس القاتل تأثّرت خلايا الدماغ، أصابته حالة شرود أقرب إلى الحلم، يصفها أحد أصدقائه الذين رافقوه رحلة السفر إلى اندونيسيا والعودة إلى مصر كما يلي "كأنه كان مشغولا بشيء ما حميم يخصه، عندما حدث هذا عبّرت عن انزعاجي لبعض الأصدقاء الذين نعمل معهم في مشروع "المعهد الدولي للدراسات القرآنية"، كان تفسيرهم أن ما يحدث أقرب إلي تجربة روحية يمرّ بها نصر، كان يتحدث بلغة من بلغ أخيرا حقائق الأشياء، كلامه كان فيه قدر كبير جدّا من الإيجاز والكثافة في نفس الوقت، وعندما عبّرت له هو شخصيا عن انزعاجي طمأنني وقال لي إنه دخل في تجربة معاينة" لقاء مع علي مبروك، جريدة أخبار الأدب المصرية بتاريخ 7/10/2010
تُرى بماذا كان يحلم الرجل وهو على تلك الحال؟، ربما عاين مستقبلا منيرا لأمة حطم المستبدون والسفهاء عقول أبنائها، واستباح الغزاة أرضها، ولكنها لم تستسلم وظلّت تقاوم حتى أدركت نصرها، فرأى في المنام صروح الاقتصاد والعلم والثقافة وقد شُيدت، وربما عاين العكس فهاله القادم الأسود الحزين وكان يصرخ فينا دون أن نسمعه : إن القادم أعظم.
