المسلم الأخير أم الغاضب الأخير؟ (3/2)
كلّما كانت وسائل القراءة التّقليديّة في مجال العلوم الإنسانيّة عاجزة عن فهم مخاطر الزّمن الجديدة، وعاجزة كذلك عن التّفكير في انفجار العنف الحديث بأشكاله السّياسيّة واللاّعقلانيّة، القديمة والتّكنولوجيّة العالية high-tech ، احتيج للإحاطة بهذه الظّاهرة الّتي لا سابقة لها إلى نوع من المفكّرين لهم من الأسلحة الفكريّة والنّظريات الجديدة ما يؤهّلهم لفهم ما حصل بين فترتين : فترة الحرب الباردة، وفترة النّزاعات المعاصرة. من هؤلاء المفكّرين نجد رونيه جيرار René Girard الّذي قدّم في شأن الإسلام الملاحظة التّالية : “لو قلتَ، حين سقط حائط برلين، إنّه بعد خمس عشرة سنة سيضحي الوضع تعارضَ توأمين بين قوّتين، وأنّ إحدى هاتين القوّتين ستسمّى “الإسلام” فإنّ النّاس سيستهزئون بك. بيد أنّ الإسلام أقوى إلى أبعد حدّ ممّا بقي من المسيحيّة. فقد بعثت بطريقتها، وقد كانت المسيحيّة ديانة مضادّة une anti- religion، الارتياب في خصوص العنف الأضحويّ، والدّيانات العتيقة religions archaïques الّتي ألقت بكلّ شيء على كباش الفداء. فقوّة الغرب وضعفه في الآن نفسه هي أنّه لم يعد يؤمن بكباشه الفدائيّة. أمّا الإسلام، فهو ملغّم على نحو خفيّ بالعداوة، وقد بقي فيه عنصر من هذا العتيق archaïsme الّذي لم تتخلّص منه التّوراتيّة والمسيحيّة. وبهذا المعنى لا يقتصر الإسلام على تعويض الاشتراكيّة الّتي كانت صيغة بديلة من ديانة أضحويّة.” (1).
وهذه الملاحظة جديرة بالعناية لأنّها ترد من أنتروبولوجيّ فرنسيّ صرف معظم كتاباته منذ “العنف والمقدّس La Violence et le sacré (1972)” و”كبش الفداء Le Bouc émissaire (1982)” لفهم العالم بما فيه من اضطرابات ووحشيّة، ووصف المنطق الخاصّ بالعنف البشريّ، والمصائب الآتية من ذاك الّذي وصفه الكاتب الفرنسيّ جورج برنانوس Georges Bernanos بـ”سورة الغضب الدّينيّة الملازمة للجانب الأشدّ عتمة، والأشدّ تسمّما من النّفس البشريّة” (2).
لقد كان رونيه جيرار من المفكّرين الّذين حاولوا فهم العنف في نطاق نظريّة الأهواء البشريّة، وهي نظريّة تستند إلى أنتروبولوجيا مسيحيّة متأثّرة بالتّحليل النّفسيّ. ولا يضاهيه في هذا المجال سوى الفيلسوف الألماني بيتر زلوترداك Peter Sloterdijk الّذي كان يؤوّل بدوره ظاهرة العنف في ألفاظ الانفعالات الأصليّة والاقتصاد اللّيبيديّ، كالشّوق والكبْر والانتقام والعداوة ressentiment. ففي نظره ينبغي أن نقرأ التّاريخ بوصفه ملحمة من الطّاقات المحاربة والمنتقمة. وهو فوق ذلك من المعجبين بأعمال رونيه جيرار ذات الإضافة الحاسمة، إلاّ أنّه يختلف عنه في بعض الجوانب، أهمّها تأثّره (أي جيرار) بإيروسيّة التّحليل النّفسيّ. فالتّنافس الإيمائيّla rivalité mimétique عنده هو إيروسيّة متحلّلة érotisme dégénéré، وتعبير عن إرادة التّملّك، وهو باختصار الخطيئة الأولى. ففي تصوّر جيرار للنّفس البشريّة لا مكان لديناميكيّة الغضب، أو “الثّيموس thymos” الإغريقيّ، الّذي لا ينبغي أن يلتبس بالشّوق الإيروسيّ. فهو لا يقرأ حسابا لهذا الزّوج الأفلاطونيّ : الإيروسيّة والثّيموسيّة. وتدلفنا هذه المآخذ مباشرة في قلب مقالة زلوترداك الطّويلة الّتي يذكّرنا عنوانها “الغضب والزّمان Zorn und Zeit” بكتاب هيدغر العمدة “الكينونة والزّمان Sein und Zeit” (3). وقد اقترح فيها قراءة جيوسياسيّة للعداوة في توتّرها الحادّ مع المدّ الدّينيّ حيث يعقد العالم صلات جديدة مع “القساوة ما قبل المسيحيّة cruauté pré-chrétienne”. وتنهض هذه القراءة على واحدة من الطّرق الأثيرة لدى زلوترداك المتمثّلة في اختيار إحدى المقولات التّقليديّة من تاريخ الفلسفة وربطها بضديدها أو نقيضها الّذي ظلّ نسْيًا منسيّا. وقد تجلّى ذلك بوضوح في كتاب “الغضب والزّمان”. فقد حلّل زلوترداك ما ترتّب على واقعة بسيطة قلّ من انتبه إليها من المفكّرين (4)، وهي أنّ الإنسان لا تحرّكه الانفعالات “الإيروسيّة érotiques” فحسب، وإنّما الانفعالات “الثّيموسيّة thymotiques” كذلك. وداخل هاتين العائلتين يتعايش السّلبيّ والإيجابيّ ويتصارع منطقان : منطق (الإيروس l’Eros) المهيمن القائم على التّملّك والإنتاج والمتعة بالأشياء، ومنطق (الثيموس le Thymos) الّذي ينهض على الاعتزاز والفخر والغضب والانتقام والحسد والغيرة والتّسابق والتّنافس وشوق الاعتراف désir de reconnaissance. وقد مكّنته هذه المقاربة من أن يطرُق الفلسفة السّياسيّة بجهاز نظريّ أطلق عليه زلوترداك نفسه تسمية “السيكولوجيا السّياسيّة psychopolitique”. وهي فلسفة تعتني بالانفعالات وبالأهواء عنايتها بالمؤسّسات والإيديولوجيّات.
فالإيروسيّة عند زلوترداك لا تختزل في الجنسانيّة، لأنّها تشمل كذلك الانفعالات القائمة على الافتقار وعلى فكرة التّملّك أو على عمل يمكن أن يسدّ مسدّ النّقص أو يعوّضه. فللاقتصاد ديناميكيّة إيروسيّة، ذلك أنّ ما أتشوّق إليه يمكن أن أقدّم ما يكافئه من عمل ومال وممتلكات لأحصل على المتعة بالأشياء والموضوعات. غير أنّ للانفعالات الأخرى الثّيموسيّة الّتي حجبت طويلا، كالإحساس بالفخر والغضب والثّأر، دورا لا يقلّ أهميّة عن الانفعالات الإيروسيّة في ديناميكيّة الإنسان النّفسيّة. وقد كبت الفكر الأكاديميّ ونظريّات السّلطان المختلفة هذا الجانب الثّيموسيّ، ولكنّه كان حاضرا بقوّة في الأدب منذ الإلياذة و(الشّعر الجاهليّ أيضا) إلى رواية الكونت دو مونت كريستو le Comte de Monte Christo وما جاء بعدها من روايات وأفلام الوستارن (كشريط “once upon a time in the West” للمخرج سارجيو ليوني Sergio Leone سنة 1968) أو سينما الحركة cinéma d’action (كشريط ” Kill Bill” للمخرج كانتان تارنتينو Quentin Tarantino سنة 2003). ومن هوميروس إلى لينين، ومن التّوراة إلى الكتاب الأحمر، ومن قابيل إلى فرويد، يفكّك زلوترداك آليات هذه “القوى الغضبيّة” القابلة لأن تُساس ويُتلاعب بها. فقد بيّن كيف أنّ الغضب الّذي كان غريزيّا في البداية قد تحوّل شيئا فشيئا إلى “بنك الانتقام العالميّ banque mondiale de la vengeance” حيث تستعمل أحاسيس المضطهدين الثّائرة مثلما تستعمل العُملة النّقدية لبلوغ السّلطان. وطوال هذه المقالة حلّل زلوترداك في لغة المحاكمات التّاريخيّة القاسية أشكال الغضب الملحميّة والتّوراتيّة والفوضويّة واللّينينيّة والفاشيّة والماويّة متسائلا في آخر فصول كتابه عن دور الإسلام السّياسيّ الرّاهن في هذا التّاريخ الطويل من الانفعالات الثّيموسيّة.
بيّن زلوترداك في الفصل الأوّل من كتاب “الغضب والزّمان” ( شؤون الغضب بصفة عامّة) أنّ الغضب في الأزمنة القديمة الإغريقيّة الرّومانيّة قد كان انفعالا مخصوصا يعسر فهمه اليوم، لأنّه كان يجمع بين ثالوث : “الرّبّة” و”البطل” و”الشّاعر المنشد” الّذي ما إن يفتح فاه حتّى تتجلّى القوى العلويّة الإلهيّة (كالرّبّات الملهمات والآلهة…) في شعره وبشعره. فالغضب (وهو الكلمة الأولى من البيت الأوّل الّذي تستهلّ به الإلياذة) لا ينبثق في حياة النّاس الفانين إلاّ إذا اتّجه الشّاعر إلى عالم الغيب حتّى تشدّ الرّبّات الملهمات أزره، فينشد غضب بطل محارب لا قرين له، كغضب أسخيلوس Achille الإلهيّ الّذي تحمّله البطل وقصّه الشّاعر في ملحمته مثل وحي نبوئيّ. فالغضب ليس سورة مجنونة يُجْهَل فيها “فوق جهل الجاهلين” كما يقول الشّاعر الجاهليّ، وإنّما هو نفس الآلهة وقد سرى عبر النّاس، بل هي روح البطل، أي القوّة الوحيدة الّتي تبيّن أنّ العالم ليس مجرّد طبيعة.

في الفصل الثّاني من الكتاب، (الإله غاضبا: في سبيل ابتداع بنك الانتقام الميتافيزيقي) يعرض زلوترداك المحاولات الدّينيّة المختلفة في تدبير الاقتصاد الغضبيّ والتّحكّم في الانفعالات الثّيموسيّة. فهو يستقصي أشكال التّرويض المستمرّ للغضب، وهو ترويض ميتافيزيقيّ، يبدأ من الأصول العبرانيّة، حيث ضبطت بدقّة متناهية مواضع العنف والغضب في هذه المزامير الّتي مازال الرّهبان والقساوسة ينشدونها إلى الآن كلّ يوم ( 5)، إلى اقتصاد الخلاص في المنظومة المسيحيّة. وقد بيّن زلوترداك أنّ الغضب الإلهيّ ذا البعد الكونيّ كان يتدخّل باستمرار في النّزاعات البشريّة وفي التّاريخ كلّما اضطلعت الدّيانات الكبرى (الرّافدينيّة أو المتوسّطيّة وحتّى التّوحيديّة) بدور سياسيّ، وكان لله دور في ظهور الشّعوب والممالك والإمبراطوريّات.
ولمّا كان تاريخ البشر هو نفسه تاريخ السّخط الإلهيّ، كان تدخّله يتجلّى في شكل غضب على عبّاده أو الكافرين به. وكثيرا ما تجسّم هذا الغضب في الحروب والأوبئة والمجاعات والكوارث الطّبيعيّة بوصفها قوى روحانيّة في خدمة الإله الغاضب المنتقم. وهو الإله ذاته الّذي سيتولّى محاكمة أعمال الّذين آثروا دنياهم على آخرتهم في يوم الحساب، والانتقام منهم بعذاب أليم. ورغم أنّ هذه التّمثيلات الأخرويّة كانت صادرة من مصر القديمة وثقافة الشّرق الأدنى فإنّها قد احتدّت وتكاثرت في القرون الوسطى والعصر الباروكيّ، إلاّ أنّها في الأزمنة الحديثة قد فقدت مع “موت الإله” نجاعتها الرّمزيّة. فقد تخلّى اللاّهوت المسيحيّ في القرن العشرين عن صور الجحيم بوصفها صورا من الانتقام الرّبّاني أو العدالة الإلهيّة. بيد أنّ الغضب الإلهيّ لم يزُل تماما من الذّاكرة المعاصرة، لأنّه قد تحوّل تماما واتّخذ مسارا كونيّا، تجلّى في تاريخ جديد هو تاريخ “الثّورات” بما هي انتقام من المظالم بنفي شروط الظّلم البنيويّة. إنّ تاريخ العالم على حدّ عبارة شيلر هو محاكمة للعالم. فتاريخ الثّورات المعاصرة هو انقلاب المحاكمات السّماويّة الأخرويّة الّتي كانت تُجرى خارج الزّمن إلى محاكمات تجري في التّاريخ الأرضيّ على نحو جعل الغضب المقدّس يتّخذ شكل ثورات. فما كان ينبغي أن يحصل في المستقبل الأخرويّ، قد حقّقته الثّورات على أرض الواقع. فالقاعدة القديمة الّتي تقول “تألّم في دنياك وانعم بآخرتك، وانعم بدنياك وتألّم في آخرتك” قد انقلب تناظرها في منطق الثّورات، بما هي مخزون هائل من الغضب، إلى محاكمة للأغنياء حيث يتبادل الأثرياء المياسير مواقعهم بمواقع الفقراء والمساكين. فاليوم الأخير عند الثّائرين هو آخر أيّام الشّقاء وبداية أيّام السّعادة. أمّا الأثرياء فأيّامهم الصّعبة قد بدأت باندلاع الثّورة. غير أنّ وقائع التّاريخ تبيّن أنّ الثّورة لا تفضي إلى تبادل في المساكن ولا في الامتيازات الاجتماعيّة. وأقصى ما يمكن الحصول عليه هو إعادة توزيع للمواقع الممتازة أو التّكثير منها، ولكن لا ينقلب سافلها بعاليها ولا تتحقّق بالثّورة المساواة المنتظرة. فجميع الثّورات منذ الثّورة الفرنسيّة سنة 1789 قد رافقتها خيبة عظيمة وتهافت أوهام الماضي، وأشكال حادّة من الغضب. هذه الأشكال الجديدة من “القوى الغضبيّة قد عالجها زلوترداك في الفصل الثّالث من كتابه (الثّورة الثّيموسيّة. في شأن بنك الغضب العالميّ الشيوعي). وفيه أدرج مفهوما جديدا محوريّا هو “بنك الغضب العالميّ”. فما المقصود من “البنك” في سياق الغضب؟
إنّ الانتقال من منوال “الثّروة trésor” إلى منوال “رأس المال capital” هو آلية شائعة في المجال الماليّ. بيد أنّ الوظيفة البنكيّة تشمل قطاعا واسعا من الظّواهر أوسع بكثير من المعاملات الماليّة. ذلك أنّه توجد معاملات كثيرة شبيهة بمعاملات البنك تتدخّل في كلّ مكان حيث تتجمّع وحدات ثقافيّة أو نفسيّة سياسيّة، شأن الاكتشافات العلميّة والآثار الفنّيّة والاحتجاجات السّياسيّة وغيرها، لتنتقل، انطلاقا من حدّ معيّن من التّكديس والتّجميع، من شكل الثّروة إلى شكل رأس المال. فالثّروة هي التّجميع الثّابت للقيمة مهما كان نوعها، لكنّها تترصّد المناسبة المواتية الّتي تجعل استعماله ضروريّا. أمّا رأس المال فهو ثروة مستثمرة، لأنّها تشتغل، وتغامر، وتخاطر، لإنتاج أرباح أخرى. فرأس المال قرين هذا الاستعمال الدّيناميكيّ للثّروة، ولذلك عسر إحصاؤه وقياسه، وهو يقتضي مناهج ووسائل دقيقة لضبطه. ولأجل ذلك كان بالضّرورة ائتمانيّا. وكما توجد بنوك قادرة على تحويل الثّروة إلى رأس مال، كذلك توجد “بنوك غضب” نشأت في مبتدإ أمرها من حركات الأنوار العلمانيّة واللاّئكيّة. وعلى هذا النّحو يمكن أن نعرّف تعريفا نفسيّا سياسيّا “الأحزاب اليساريّة”، ونضمّ إليها أسماء كروبسبيار وباكونين وماو، بأن نعتبرها بنوك غضب تضمن لزبائنها فوائد ذات صلة بسياسة السّلطان والثّيموسيّة. وسيدفع هذا التّصوّر النّفسيّ السّياسيّ مؤلّف “الغضب والزّمان” إلى عرض مسلسل دمويّ من الثّورات والحركات الفوضويّة والشّيوعيّة والتّجارب الاشتراكيّة طوال صفحات دقيقة وصارمة دون تواطؤ ولا أوهام. وأهمّ ما جاء فيها أنّ الإستراتيجيّة المشتركة بين الحركات السّياسيّة تتمثّل في استقبال الدّوافع الثّيموسيّة وتنشيطها بالتّلاعب ببعض المثيرات القديمة كحبّ الوطن والخوف وكراهية الآخر… إلاّ أنّ هذه الحركات تخضع لبعض الإكراهات المرتبطة بتكثيف الغضب، كضرورة وجود مناضلين منضبطين بمقدورهم تأجيل انتقامهم حتّى تتوفّر للثّورة الحظوظ الملائمة، وللاستيلاء على الحكم الظّروف المناسبة. وهذا يقتضي عملا من التّربية الانضباطيّة لتهيئة هؤلاء المناضلين الّذين كثيرا ما عرّضوا هذه الحركات في الواقع لخطر الانزلاق إلى الدّكتاتوريّة. ففي الأمميّة الثّالثة الّتي سيطر عليها اللّينينيّون بدا لهؤلاء، بعد انتصار ثورة أكتوبر، أنّهم يمتلكون جهازا جديدا لتجميع الغضب بما يمكّنهم من توحيد هذا المخزون الهائل من الانشقاقات في العالم بأسره، وجعله في خدمة سياسة متناسقة مناهضة للرّأسماليّة والإمبرياليّة، مع وجود هوامش من الفوائد المرتفعة للجموع النّاشطة. فمنذ خريف 1918 دعي عمّال بيتروغراد إلى القضاء على الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين الرّوس في هذا النّداء : “أيّها الرّفاق، اضربوا الاشتراكيّين الثّوريّين اليمينيّين دون رأفة ولا شفقة، فالمحاكمات والمحاكم ليست ضروريّة. فغضب العمّال ينبغي أن يندلع […] عليكم أن تصفّوا جسديّا الأعداء.”(6). إلاّ أنّ هذه الحركات تتضمّن تناقضا داخليّا حين تدّعي أنّها ستزيل كلّ المظالم ناسية أنّه من المستحيل وضع جميع النّاس في الصّفّ الأوّل. ويشير زلوترداك في هذا الفصل إلى التّماثل الرّهيب في تدبير الانفعالات الثّيموسيّة بين شيوعية لينين أو ستالين والفاشيّة وحتّى النّازيّة. فقد تمكّن، دون أن يخلط بين الإيديولوجيّتين، من أن يبيّن إلى حدّ كبير من الإقناع تطابق الطّرائق والدّيناميكيات النّفسيّة السّياسيّة والآليات الّتي استخدمت بالفعل في نشأة هذين النّظامين الرّهيبين في القرن العشرين. نذكر منها على سبيل المثال هذا الخليط الرّهيب من الإرهاب والحطّ المستمرّ من قيمة الأفراد، أو إشعال الفتن الدّاخليّة والحروب الخارجيّة بما هي وسائل تقليديّة سهلة في تجنيد قوى الغضب الوطنيّة. ولا يفوّت زلوترداك فرصة تذكيرنا بالثّمن الباهظ المرتفع في أرواح النّاس. فتصفيات القولاق الطّبقيّة وحدها قد بلغت خمسة ملايين من الموتى حوالي 1930. أمّا ضحايا “الوثبة الكبرى إلى الأمام Grand bond en avant” في الصّين فقد خلّفت كارثة بشريّة قدّرت بخمسة وثلاثين مليون إلى ثلاثة وأربعين مليون نسمة (وثلاثين مليون في التّقديرات المحافظة الرّسميّة) من ضحايا المجاعات الرّهيبة معظمهم من سكّان الرّيف الصّينيّ والفلاّحين. وحين ذُكر لماو هذا العدد المهول من الضّحايا الّذي تسبّبت فيه توجيهاته السّياسيّة، اكتفى بأن أكّد أنّ لهؤلاء الموتى فائدة عظيمة في تسميد أرض الصّين وإخصابها بجثثهم (7).
إنّ هذه القراءة الثّيموسيّة الدّيناميكيّة للقوى الغضبيّة الّتي كانت تحرّك معظم البلدان الاشتراكيّة قد قادت زلوترداك في الفصل الأخير من كتابه (تشتّت الغضب في عهد الوسط) إلى النّظر في الوضعيّة النّفسيّة السّياسيّة الرّاهنة في العالم. وهي وضعيّة جديدة من سماتها البارزة افتقارها لمراكز تجميع للغضب ذات منظور عالميّ. فلا أحد يعرف ماذا يصنع بسخط الشّعوب وغضبها المقدّس. فهو ينفجر باستمرار هنا وهناك محدثا جعجعة تعبّر عن انعدام الرّضا، ولكنّه لا ينتج شيئا سوى تعبير معزول عن غضب غير قادر على أن يتجمّع في الأشكال التّاريخيّة المعروفة، كالأحزاب الرّاديكاليّة وحركات المعارضة الدّوليّة القادرة على الضّغط على المركز البرجوازيّ. فمن حين إلى آخر يتجلّى الغضب في مظاهرات حاملة لافتات الاحتجاج، أو سيّارات مشتعلة تضفي على غضب المهاجرين أو سكّان الضّواحي شكلا ملتهبا، ولكنّه في جميع أشكال تعبيره يظلّ غضبا عاجزا عن الارتباط برؤية تهب للجماعات قدرة هائلة على التّحرّك، أو منظور يمكّن شتات الغاضبين من تجميع طاقاتهم في شكل “بنك الغضب العالميّ”. فالبؤس العالميّ والمعاناة والمظالم الّتي لا تكاد تنتهي كافية اليوم لإثارة غضب الأرض حتّى تنبثق منه عشر ثورات شبيهة بثورة 17 أكتوبر. ورغم ذلك يبدو أنّ حقول الثّيموس لم تستقرّ، لأنّها لم تتمكّن من بلوغ الفكر الّذي يستطيع تجميعها مثلما أنّ الفكر لم يتمكّن من العثور عليها. فما يميّز العصر الرّاهن، ويمكن تسميته بالعصر المابعد شيوعي post-communiste، هو أنّ الغضب قد تخلّى عن الفكر. فقوى الغضب المتّجهة نحو المستقبل وثقافة الغضب والانشقاق قد تلاشت معا واندثرت. فكمّيات الغضب المتوفّرة عند المنبوذين وأصحاب الطّموح والفاشلين والمتعطّشين إلى الانتقام لم تنقص أبدا، وإنّما ارتفعت كثيرا في ظلّ الظّروف اللّيبراليّة المحافظة واختفاء أنظمة الشّرق الاستبداديّة. إلاّ أنّ الهيئات الرّمزيّة الّتي تولّت خلال قرنين غنيّين بالنّزاعات والقلاقل تجميع طاقات الغضب والانشقاق وتحويلها سياسيّا إلى احتياطيّ هائل من الغضب والتّهديد قد فقدت وظيفتها في عصر بدأ يحوّل “بنوك الغضب” إلى “بنوك جشع”، والقوى الثّيموسيّة إلى قوى إيروسيّة. وهذا الانقلاب هو ما يميّز العصر الما بعد شيوعي الّذي يتضمّن عدّة تحوّلات، منها انقلاب الاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السّوق، وتعويض وسيط اللّغة بوسيط المال. ويمكن ترجمة هذا الانقلاب من منظور نفسيّ سياسيّ بالمرور من أنظمة قائمة على ديناميكيّة الغضب والاعتزاز إلى أنظمة قائمة على ديناميكيّة الجشع، أي التّخلّي عن القوى الثّيموسيّة لفائدة قوى إيروسيّة بلا حدود بما تعنيه هذه القوى من رغبات التّملّك وربح المال، بما أنّ المال يلد المال، واعتناق روح الرّأسماليّة. ولعلّ كلّ هذه التّحوّلات الّتي ميّزت العصر الما بعد شيوعي يمكن تفسيرها بانخفاض كبير في سعر السّلم الاجتماعيّ والبطالة الّتي جعلت “مسرح التّهديدات العالميّ Le théâtre mondial des menaces” يفقد نجاعته وضراوته (8).
فللسّلم الاجتماعيّ ثمن يرتفع وينخفض بما تمتلكه، النّقابات مثلا، أو أحزاب العمل، أو الشّيوعيّون الّذين يشغلون مقاعد في البرلمانات الأوروبيّة… في بنك الغضب من قوى تهديد هائلة. فقد تمكّنت هذه التّنظيمات ذات الرّصيد الغضبيّ المرتفع من اقتلاع الكثير من التّنازلات من اللّيبراليّين
والمحافظين الرّأسماليّين، وهي تنازلات تتعلّق بإعادة توزيع الثّروة والامتيازات الاجتماعيّة، وذلك بالمفاوضة فقط الّتي كانت تهدّد على نحو ضمنيّ بالصّراع الطّبقيّ. ولم يظهر اللّيبراليّون الجدد في الفضاء السّياسيّ العالميّ إلاّ حين انخفض ثمن السّلم الاجتماعيّ. وقد اكتشفت مارغريت تاتشر Margareth Tatcher بفضل مستشارها جوزيف كيثJoseph Keith أنّ قوى التّهديد في دول الغرب قد تلاشت تماما بإفلاس رصيدها في بنك الغضب العالميّ. كذلك لم يصبح للمحافظين الجدد وجود سياسيّ فعّال إلاّ حين بدأ الشّعور بوهن الكتلة الشّرقيّة يشتدّ وأنّها كتلة في طريق الزّوال. ومنذ ذلك الوقت فهم الشّقّ اللّيبراليّ المحافظ أنّ الأطراف الّتي تفاوض على زيادة الأجور والامتيازات الاجتماعيّة قد ضعفت تماما إن لم يكن قد تهافتت. ولعلّ هذا هو ما عجّل بنهاية الصّراع التّقليديّ شرق/غرب، ورأسماليّة/شيوعية، وبظهور صراع من نوع جديد بين رأسماليّات كثيرة أبرزها الرّأسماليّة اللّيبراليّة ذات الأسلوب الغربيّ والرّأسماليّة الاستبداديّة ذات الطّابع الشّرقيّ على المنوال الصّينيّ.
غير أنّ الاستثناء الوحيد في خضمّ هذه التّحوّلات المتسارعة يظلّ دون شكّ الإسلام السّياسيّ الّذي شغل، بحركّيته المذهلة، وبمفرده، الخشبة في "مسرح التّهديدات العالميّ". فـ"هل بمقدور الإسلام السّياسيّ أن ينشئ بنكا عالميّا جديدا من الانشقاق؟" ذاك هو السّؤال الّذي طرحه زلوترداك في آخر فقرة من كتاب "الغضب والزّمان". وهو بهذا السّؤال يبحث عن الشّروط الّتي جعلت "الإرهاب الإسلاميّ" يظهر على مسرح القوى القادرة على التّهديد. فمنذ البداية لم يكن الإسلاميّون مجرّد طفيليّين تابعين لكوكبة الحركات الما بعد شيوعية. بل لم يخطر ببال أحد أنّ مجيئهم قد يكون شبيها بكاثوليكيّة ثالثة، أو نسخة شرقيّة من الشيوعيّة. ولم يفرض الإسلاميّون بين عشيّة وضحاها وجودهم على الولايات المتّحدة في البداية، ثمّ على أوروبا العاجزة، بوصفهم العدوّ البديل. فرغم أنّهم لم يكونوا في البداية يشكّلون خطرا مادّيّا حقيقيّا لعدم امتلاكهم للأسلحة النّوويّة والبكترولوجيّة والكيميائيّة فإنّ الغرب اللّيبراليّ لم يرحّب بقدومهم، لأنّ "الإرهاب الإسلاميّ" يشوّه برسائله العنيفة واجهات مجتمع يريد أن يكون "مجتمعا دون أعداء". ومهما يكن حكم الغرب على هذا الإرهاب الجديد الّذي يعدّ ظاهرة هامشيّة (وفي أحسن الأحوال هو علامة تنذر بهبوب عاصفة سياسيّة) فإنّه ما كان ليُقْرَأَ له حساب لو لم يشغل موقعا بالغ الأهميّة في الحساب الجديد لأثمان السّلم الاجتماعيّة في المجتمعات الغربيّة. فإذا كان التّهديد الشيوعي قد جعل السّلم الاجتماعيّة باهظة الثّمن فإنّ تهديد "الإرهاب الإسلاميّ" قد جعل تلك الأثمان بصفة عامّة منخفضة. فبسبب كراهيته اللاّمحدودة لنمط الحياة الغربيّ، ولّد هذا الإرهاب مناخا من الخزي انتشر بسرعة ممّا جعل لقضايا الأمن السّياسيّ والوجوديّ الأولويّة المطلقة على حساب قضايا العدالة الاجتماعيّة (9).
وعموما، فإنّه عندما ندرس هذا الظّهور الجديد لمخزون التّهديد على خرائط الجغرافيا السّياسيّة لزمننا الحاضر، فإنّ ذلك يحملنا على التّساؤل كيف ينبغي أن نفهم بدقّة هذا الخطر الإسلامويّ؟ بأيّ وسيط من الوسائط يشتغل هذا الإسلام السّياسيّ من دون أبنية الغرب النّفسيّة السّياسيّة والدّول الإسلاميّة؟ وهل يوجد حقّا في مخزونه الغضبيّ ما يمكّنه من "تعويض الشيوعيّة بما هي مذهب عالميّ"؟ ومن أين يستمدّ هذا الشّبح الّذي يقضّ مضاجع أوروبا والولايات المتّحدة ومناطق أخرى من العالم هذه القدرة الهائلة على التّهديد الّتي تجعله باعثا لقلق الكثير من قادة القوى الحاكمة؟ هل يمكن لهذا الإسلام السّياسيّ سواء أكان في هيئة إرهابيّة أم سلميّة أن ينتشر ليصبح البنك العالمي البديل للغضب؟ هل بمقدوره أن يصبح مركزا لتجميع الطّاقات المضادّة للأنظمة ولقوى الغضب ما بعد الرّأسماليّة؟ وهل هو مسلّح بقدرة على الاجتذاب الشّامل العالميّ؟ بل إلى أيّ حدّ يمكن أن نتمادى في الحديث عن النّزعة الإسلامويّة، والاستمرار في كتابة قصص الغرب الكبرى المُجْهَدة عن صعود المنبوذين والمضطهدين أمام ساداتهم القدامى والجدد؟ هل يكفي التّأمّل في مفهوم "الجهاد" حتّى يضحي مصلحا مرادفا لمفهوم "الصّراع الطّبقيّ"؟ أليس للجبهات النّاجمة من يقظة العالم الإسلاميّ سمات نوعيّة مخصوصة لم تصبح متلائمة مع الأشكال السّرديّة الغربيّة للثّورة المستمرّة والانعتاق وحقوق الإنسان، إلاّ بواسطة سوء الفهم وسلسلة من التّشويهات وأعمال التّلبيس (10)؟
إنّ جميع هذه الأسئلة الّتي طرحها زلوترداك تهيّئ في واقع الأمر للأطروحة التّالية : هل الإسلام السّياسيّ هو وريث بالقوّة للشيوعيّة؟ وهل المسلم الأخير هو الشيوعيّ المقبل (11)؟
توجد سمات أو وجوه شبه تاريخيّة في الشيوعيّة يمكن أن نلمحها أيضا في الإسلام السّياسيّ :
أوّلها أنّ "الإسلامويّة l'islamisme" تمتلك ديناميكيّة رسالة لا تقاوم ممّا يهيّئها لتشكيل جماعات تتنامى بسرعة، وهي تتكوّن من أغلبيّة ساحقة من المعتنقين الجدد لمبادئ الرّسالة وتوجيهاتها. فـ"الإسلامويّة" من هذا المنظور "حركة" بالمعنى التّامّ للكلمة. فهي لا تتّجه فحسب إلى العموم على نحو شبه كونيّ (أي دون تفرقة مرتبطة بالوطن أو الطّبقات الاجتماعيّة)، وإنّما تتّجه بجاذبيّتها إلى المحرومين والمُهانين. فهي باختصار تجذب هذه الانفعالات الغاضبة كأنّها نقابة للفقراء والمُهْملين روحيّا ومادّيّا، أو كأنّها روح عالم بلا قلب. فما إن يُقْبَلَ شخص مّا في صفوف الإسلاميّين حتّى يصبح قابلا للاستعمال في صلب الجماعة المحاربة. فالانتماء إلى جماعة ملتهبة حماسا وغضبا يمنح للأنصار الجدد الإحساس بأنّهم ينتمون إلى وطن، وأنّهم يضطلعون بدور عظيم بالغ الدّلالة في مسارح التّهديد في العالم.
أمّا السّمة الثّانية من جاذبيّة الإسلام السّياسيّ فيستمدّها من قدرته على تقديم "صورة للعالم" يسيرة الفهم عظيمة يضطلع فيها الجهاد بدور كبير، وعلى تمييز حادّ بين الصّديق والعدوّ، وعلى رسالة ظافرة خالية من كلّ غموض، ورؤيا طوباويّة مُسْكِرة تتمثّل في قيام الإمارة العالميّة الّتي ستوفّر لملايين المسلمين سكنا شاملا يمتدّ من الأندلس إلى الشّرق الأقصى. وعلى هذا النّحو نرى كيف استبدل العدوّ الطّبقيّ بعدوّ العقيدة، والصّراع الطّبقيّ بالحرب المقدّسة. فالأصوليّة في جوهرها إنّما هي حثّ على الحركة أكثر ممّا هي دعوة إلى الاعتقاد، فهي توفّر أدوارا لعدد هائل من النّاشطين ليمرّوا من النّظريّة إلى الفعل. وفي هذا المستوى الحركيّ تضاهي "الإسلامويّة" الشيوعيّة التّاريخيّة، بل هي تفوقها بقدرتها على مواجهة ثقافتها الأصليّة لا بصفتها حركة قطيعة جذريّة وإنّما بوصفها حركة تأسيس ثوريّة.
أمّا السّمة الثّالثة، وهي الأهمّ في بيان ديناميكيّة الحركات "الإسلامويّة" المتنامية، فتتمثّل في حيويّة الإسلام السّياسيّ الدّيمغرافيّة وقدرته على استيعاب هؤلاء القادمين الجدد من الشّباب. فهو من هذه النّاحية يشبه الحركات الكليانيّة في القرن العشرين بما هي حركات شباب أو حركات رجال شبّان. فتناميه السّريع يُعزى إلى هذا الفائض الحيويّ النّاتج من أمواج هائلة من الشّبّانّ العاطلين عن العمل والمحرومين من كلّ الآمال الاجتماعيّة، فلا يجدون متنفّسا لغضبهم إلاّ بالمشاركة في برامج التّمرّد الآتية المتمثّلة في ضرب العدوّ القريب قبل البعيد، واليوم قبل الغد.
إنّ هذه الملامح العامّة الّتي تميّز الحركات الإسلامويّة الرّاديكاليّة الرّاهنة ترسم في الآن نفسه الحدود الّتي يقف عندها إمكان المقارنة بينها وبين الشيوعيّة التّاريخيّة. ذلك أنّ فكرة التّوسّع الإسلامويّة والانتشار في العالم لا علاقة لها بطبقة العمّال والأجراء الّذين يتجمّعون لوضع حدّ للبؤس بالاستيلاء على السّلطان السّياسيّ. فالإسلامويّون يكوّنون بروليتاريا غاضبة أو ما دون البروليتاريا sous-prolétatariat. بل هم أقلّ من ذلك بكثير، لأنّهم حركة يائسة متألّفة من أشخاص هم اقتصاديّا زائدون عن الحاجة superflues، واجتماعيّا غير قابلين للاستعمال initulisables. وتتجسّم في مثال 11 سبتمبر 2001 وسقوط مبنيي مركز التّجارة العالميّة سمات هذا الإسلام السّياسيّ. فهذا الحدث لا يمثّل عرضا للقوّة الإسلامويّة، وإنّما هو رمز للافتقار الشّامل للوسائل. فأعداء الغرب من الإسلامويّين قد استخدموا وسائل الغرب (الطّائرات) للانتقام من مبتدعها (12). ولكنّه استخدام يثبت هذا النّقص الّذي لا يمكن تعويضه إلاّ بالتّضحيات البشريّة، وهي تضحيات قد اتّخذت من المقدّس قناعا لها. فالإسلامويّة الرّاديكاليّة في أيّامنا هذه هي مثال لإيديولوجيا انتقاميّة خالصة لا يمكنها إلاّ أن تعاقب وتنتقم، ولكنّها لا تنتج شيئا. وما تعبئتها المستمرّة الهائلة لأمواج الشّبّانّ العاطلين واليائسين المحرومين قصد تجنيدهم في حرب غامضة الهدف باسم الإرادة الإلهيّة إلاّ نوع من التّدمير الذّاتي لهؤلاء المسلمين الزّائدين عن الحاجة.
والسّؤال الّذي نختم به هذا العرض : هل المسلم الأخير هو "إنسان غاضب" لأنّ الحركات الإسلامويّة المنتثرة هنا وهناك في أصقاع العالم لم تتمكّن من جرّاء شتاتها من تجميع قواها الغضبيّة في "بنك غضب إسلاميّ عالميّ"، وتحويلها إلى قوى تهديد سياسيّة ضاربة في الفضاء السّياسيّ؟ أم المسلم الأخير هو "إنسان زائد عن الحاجة" بسبب الانفجار الدّيمغرافيّ الّذي عرفته المجتمعات الإسلاميّة (13)، فأضحى من المستحيل استخدام الجموع الجديدة من الشّبّان اقتصاديّا واجتماعيّا في ظلّ أنظمة سياسيّة فشلت في تنفيذ مشروع الحداثة والإيفاء بوعودها بسبب انقلاب سياستها إلى "سياسة حياة" Bio-politique ؟
الهوامش:
1- وردت هذه الملاحظة في مقالة: Jean Birnbaum: Terreurs de l'Occident, Le Monde des livres. Article paru dans l'édition du 23.11.07
2- "la furie religieuse consubstantielle à la part la plus obscure, la plus vénéneuse de l'âme humaine".
3- انظر كتابه: Sloterdijk, Peter: (2007) Colère et temps. Essai politico-psychologique. Traduit de l'allemand par Olivier Mannoni. Libella –Maren Sell. وقد تحصّل زلوترداك بهذا العمل على جائزة شارل فايون الأوروبيّة للمقالة Prix européen de l'essai Charles Veillon سنة 2008
4- يعود الفضل في تقديم أحسن الملخّصات عن الخطابات القديمة والحديثة الدّائرة على مفهوم "الثّيموس thymós"، وعرض أثرى التّأمّلات في شأنه إلى فرنسيس فوكوياما في كتابه الشّهير:Fukuyama, Francis: (1992-2001) La fin de l'histoire et le dernier homme. Traduit de l'anglais par Denis-Armand Canal. Champs-Flammarion.
5- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p120. حيث أورد مقاطع كثيرة من التّوراة منها هذا المقطع من المزمور 58، وهذا متنه : "هشّم أسنانهم في أفواههم يا الله. حطّم أنياب الأشبال. ليتلاشَوْا كالماء المراق، ولْتَتَكسّر رؤوس سهامهم عندما يُصوّبونها. ليتلاشَوْا مثل القواقع في أثناء زحفها، وكالجنين المُجهض لا يُعاينون الشمس. وقبل أن تُحِسّ قُدوركم بنار الأشواك تحتها، يكتسح الله كبيرَهم وصغيرَهم بعاصفة غضبه، يفرح الأبرار حين يروْن عقاب الأشرار، ويغسلون أقدامهم بدمهم. فيقول النّاس : «حقّا إنّ للصّديق مكافأة، وإنّ في الأرض إلها يقضي». الكتاب المقدّس، ص 724.
6- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p.p202-203.
7- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p241.
8- انظر مداخلة: Sloterdijk, Peter: Le théâtre mondial des menaces المقتطفة من كتابه (Colère et temps, op.cit, p.p295-302) ضمن المؤلّف الجماعي: Pierre Dockès, Francis Fukuyama, Marc Guillaume, Peter Sloterdijk: (2009)Jours de colère. L'esprit du capitalisme. Descartes & Cie, p.p37-69.
9- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p304. حيث بيّن كيف أنّ شعار "الحرب على الإرهاب war on terror"، هذه "الحرب الغريبة"، قد استغلّها المحافظون الجدد بالولايات المتّحدة للحديث عن "حرب عالميّة رابعة"، وذلك لخنق قدر الإمكان كلّ تشكيلات المعارضة الرّأسماليّة الدّاخليّة intracapitaliste الّتي تمثّل أصوات اللاّمساوة الاجتماعيّة المتصاعدة.
10- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p.p304-305.
11- هذا الإمكان ماثل عند بعض الفلاسفة كألان باديو وتشيتشاك. انظر: Žižek, Slavoj: (2010) Après la tragédie; la farce! ou Comment l'histoire se répète. Traduit de l'anglais par Daniel Bismuth. Bibliothèques des savoirs Flammarion, Paris ; p112.
12- انظر: بودريار، جان: روح الإرهاب، ترجمة بدر الدين العرودكي، الفكر العربي المعاصر، العدد 120-121، خريف 2001/شتاء2002.
13- انظر: Sloterdijk, Peter: Colère et temps, op.cit, p311. حيث قدّم أرقاما بيّن فيها أنّ عدد السّكّان المسلمين في العالم قد تضاعف ثماني مرّات خلال قرن. فبعد أن كان المسلمون يعدّون 150 مليون نسمة سنة 1900، بلغ عددهم سنة 2000 مليارا ومائتي مليون نسمة. وعلى هذا النّحو أصبح عددهم يمثّل سلاحا ديمغرافيّا، وهو سلاح حديث العهد.
