قيم ديمقراطية
-1-
نؤكّد في البداية على الصفة المثالية للمطلب الديمقراطي في كلّ مجتمع وعلى عدم وجود نظام ديمقراطي تامّ لا إمكان لتطوير شروطه. بتعبير آخر، إنّنا لا ننطلق من نموذج ثابت ونهائي للديمقراطية نبني على أساسه أحكاما على النظم السياسية الأخرى التي قد توجد بها دعوى بالسير في طريق بناء هذا النظام السياسي المجتمعي. لا يمنعنا هذا الاعتبار، مع ذلك، من النظر في النظم السياسية الحالية التي خطت خطوات جادّة في بلوغ النظام الديمقراطي، ومن القياس عليها لمعرفة القيم والإشكالات الديمقراطية في نفس الوقت.
تابعنا من أجل بلوغ غايتنا وفق المنهج الذي رسمناه حركية بعض المجتمعات في لحظة من لحظات طرح السؤال الديمقراطي فيها، ونعني بذلك لحظة الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية، وحاولنا رصد القيم والمشاكل التي يمكن تسجيلها عبر الحوار والتفاعل اللذين يسودان المجتمع في دينامية لحظة الانتخابات في مستوياتها المختلفة. ذلك أنّ المجتمع في هذه اللحظة يتحاور حول مجموع قضياه ومحورها جميعا كيفية بناء المجتمع الديمقراطي والخطوات التي يكون قد عرفها المجتمع، ثم تعثّرات ذلك البناء وأسبابها، والخروق التي يقوم بها الأفراد والهيئات والمؤسسات وتكون مضادّة لبناء المجتمع وفق النظام الديمقراطي.
-2-
تابعنا باهتمام خاص، عبر كلّ وسائل الإعلام الانتخابات الرئاسية في فرنسا سنة 2007، منتبهين في نفس الوقت لما سبقها من ممهّدات ولما نتج عنها من نتائج وتطوّرات في المجتمع السياسي الفرنسي. وقد جرت تلك الانتخابات وفق معطيات قانونية وتنظيمية وسياسية لا بدّ من التذكير بها لفهم كثير من الوقائع.
جاءت الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2007 مؤطرة، أوّلا بتاريخ فرنسا الديمقراطي الذي بدأ بشكل واضح مع الثورة الفرنسية عام 1789. كانت الثورة الفرنسية حقّا نتاجا لتطوّرات مجتمعية عرفتها فرنسا منذ عصر النهضة الأوربية، ولكنها كانت أيضا بالنسبة للمستقبل الذي سيليها علامة على تغير مجتمعي كبير في فرنسا وفي أوربا بصفة عامة، بل وخارج القارّة الأوربية.
كان التغيّر المجتمعي الذي بدأ مع الثورة الفرنسية عميقا، لم يكن الانتقال فيه إلى الحكم الجمهوري إلا الشرط الظاهر العامّ، لأنه كان يشمل تغيّرات أخرى سارت بالبلاد في إطار تنظيم ديمقراطي للمجتمع وللعلاقة ضمن ذلك بين الدولة والمواطن. وقد عبّر عن هذا الانتقال في تاريخ المجتمع الفرنسي النص الذي صدر بعد الثورة مباشرة عن الجمعية الوطنية بتاريخ 26غشت1789، والذي سمّي : إعلان حقوق الإنسان والمواطن، وكان من بين النصوص الأولى في هذا الباب، وظل مرجعية معتمدة في فرنسا إلى زمننا الحالي.
يؤكّد الإعلان الحقوق الإنسانية الأساسية : الحرية، والمساواة أمام القانون، والأمن، والملكية الفردية، والحقّ في مقاومة الظلم والقهر، ويعتبر أنه لا مجال للتنازل عن هذه الحقوق.(1) ويتحدّث النص كذلك عن القانون باعتباره ما ينظم العلاقات بين أعضاء المجتمع ويضمن حقوقهم الفردية والجماعية ويحقّق المساواة بينهم.
ما يهمّنا إلى جانب هذه الإثباتات هو ما ورد في المادة الثالثة حيث يتمّ التأكيد على أنّ الأمّة هي مصدر السيادة، وأنه لا مكان لممارسة أية سلطة ما لم تكن صادرة عنها. ويعني هذا البند أنّ أساس مشروعية السلطة يكمن في انبثاقها عن الأمّة.
يثبت نص الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن القيم الأساسية التي ستتطوّر ضمنها الديمقراطية الفرنسية، والتي سيكون الحفاظ عليها مهمّة كلّ سلطة تقوم في المجتمع منبثقة عن اختياره لها. وتاريخ فرنسا الديمقراطي هو في الوقت ذاته تاريخ العمل بمقتضى تلك القيم والحفاظ عليها والدفاع عنها. وإذا كانت نصوص الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن تؤكد حرية الإنسان، فإنّ كلّ عمل من أجل الخروج عن تلك القيم يعتبر خارج الحريات المطلوبة للمواطن. وكذلك، فإن اختيار كل شخص لمسئولية القرار في إطار تدبير الشأن العامّ يكون اعتمادا على ما يبديه من رغبة في الحفاظ على قيم المجتمع الفرنسي المرتبطة بنظامه الديمقراطي.
نسجّل من خلال هذا الأمر قيمة ديمقراطية أولى تميّز المجتمع الفرنسي بصفة عامّة، وكانت ظاهرة على المواطن الفرنسي بصفة خاصة، وهي أنّ الديمقراطية في المجتمع الفرنسي لها تاريخ، وأن المواطن الفرنسي كان يذهب إلى مقرّات التصويت ليمارس حقّا ثابتا له منذ تاريخ يزيد على قرنين، وهذا شرط ليس متوفّرا في كل مجتمعات العالم.
نسجّل ضمن هذه القيمة نفسها بروز المواطن بوصفه واقعا حيا قائما هو الذي يمارس الديمقراطية، فيأخذ بما تعطيه إياه من حقوق، ويلتزم بما تحدّده له من التزامات. وإذا ظهر لنا أن هذا المواطن تجسيد للمفهوم الذي بدأ في الظهور في الواقع المجتمعي منذ زمن الثورة الفرنسية إلى الآن، فإنّه يكون علينا أن نضيف إلى ذلك أن المفهوم ذاته أصبح بعد ذلك منبثقا عن واقع ماثل في الحياة المجتمعية والسياسية هو المواطن. هناك جدل بين تطور البناء الديمقراطي للمجتمع وبين المواطن. فبقدر ما يكون المواطن المتمتع بالحقوق التي نص عليها الإعلان الصادر بعد الثورة الفرنسية عن حقوق الإنسان والمواطن أحد المرتكزات الأساسية للصيرورة الديمقراطية، يكون في نفس الوقت نتاجا لتلك الصيرورة ذاتها. تشكل المواطن كواقع وكمفهوم في نفس الوقت عبر تاريخ الديمقراطية، وهو يحمل في كل لحظة يتقدم فيها ذلك التاريخ كل المكتسبات الناتجة عن هذا التطور. هذا المواطن بما هو كذلك، أي من حيث هو قيمة مجتمعية في الممارسة الديمقراطية، هو الذي ذهب في يوم الاقتراع ليدلي بصوته، وهو متيقّن من قيمة صوته وتأثيره الواقعي على مجرى الانتخابات. ولا نتحدّث هنا عن المواطن بوصفه معطى طبيعيا في المجتمع، بل عن المواطن الذي هو نتيجة بناء مجتمعي ساهمت فيه عدة عوامل تعود إلى المستويات المختلفة من الحياة المجتمعية التي من ضمنها الحياة السياسية.
شارك المواطن الفرنسي في الانتخابات تؤطر فكره وفعله عدد من المفاهيم والتصورات الأخرى التي تحيط بمفهوم المواطن، والتي نشأت معه ضمن نفس السياق المجتمعي الذي عرفته فرنسا في تطورها منذ زمن ثورتها المجتمعية والسياسية. نذكر من بين تلك المفاهيم بعض الأساسي منها : الحرية، والمساواة، والعدالة، والقانون والحقّ، وسيادة الشعب باعتباره المرجعية الأساسية لمشروعية كلّ سلطة في المجتمع.(2)
نسجل كذلك قيمة ثانية هي أنّ المواطنين الفرنسيين يمارسون حقهم وواجبهم الانتخابي، في نفس الوقت، ضمن تصور بأنهم يساهمون بذلك في تزكية مسار تاريخ لا رجعة فيه. وكلّ اتجاه سياسي أو موقف تتبنّاه مجموعة ما داخل المجتمع يضع موضع سؤال الاختيار الديمقراطي للبلاد أو يمسّ بمبادئ النظام الديمقراطي يكون غير مقبول على الإطلاق، ويكون التصويت من أجل الحدّ منه، بل والقضاء عليه. صار للاختيار الديمقراطي في المجتمع الفرنسي تاريخ لا سيْر فيه إلا في طريق البناء الديمقراطي. وفي مستوى الجدل بين الوسيلة والغاية، يمكننا القول، إن الديمقراطية صارت في الوقت ذاته هي الغاية القصوى لتنظيم المجتمع، وهي الوسيلة الأفضل لبلوغ تلك الغاية. فليس هناك اختيار خارج الديمقراطية لبلوغ الديمقراطية ذاتها.(3)
لم تكن التطوّرات التي عرفتها فرنسا، والتي كانت لحظة التحوّل الكيفي فيها ثورة 1789، معزولة عما كان يجري في أوربا، وعبر تاريخ اختلف حسب الشروط الخاصة بكل بلد من القارة أصبحت تلك القيم شاملة لأوربا ومظهرا من مظاهر الحضارة الأوربية التي نؤرخ لها اليوم بأربعة قرون.
من جهة أخرى، فإن العوامل التي ساهمت في نشوء وتطور الديمقراطية الفرنسية لم تكن سياسية تتعلق بتحولات في نظام الحكم فحسب، بل كانت أيضا فكرية تعكس الأفكار التي سادت في فرنسا خاصة وفي أوربا بصفة عامة في القرن الثامن عشر الموسوم لدى الأوربيين بكونه قرن الأنوار. وقد ظهر في هذا القرن مفكّرون عاشوا التطورات التي عرفتها أوربا وساهموا في بلورة أفكار تدفع بها إلى الأمام نحو تحرّر الإنسان في كل العلاقات التي كانت تربطه بالسلطة وبالكنيسة وبالتقليد، فصار العقل في هذا الزمن، كما قال الفيلسوف الألماني كنط، سيّد نفسه يشرع لذاته دون الرجوع إلى أية مرجعية أخرى متعالية عليه. ونذكر من أولائك المفكّرين الفرنسي جان جاك روسو الذي كان من بين القائلين بنظرية التعاقد المجتمعي.
عبّر روسو عن أفكاره التي تهمّ نظام المجتمع في كتابه : التعاقد المجتمعي.(4) لن نعرض تفاصيل الكتاب ونكتفي بالحديث عن بعض الخلاصات العامة منها مما يهمّ موضوعنا.
المعطى الأول عند روسو هو الحرية، إذ أنّ الناس كافّة يولدون وهم أحرار. ويلزم عن هذا الأمر أن سلب الحرية لبس طبيعيا. فالاستعباد ليس طبيعيا، وكذلك الحكم المستبد حتى إن ظهر بمثابة السلطة التي تضمن مصالح أعضاء الجماعة. والحياة الإنسانية الجديرة بهذه الصفة هي التي يكون فيها الناس أحرارا كما هم في الأصل. الحرية التي تحدث عنها روسو في هذا المستوى حق طبيعي للإنسان، أي لكل عضو من أعضاء المجتمع. وحتى إذا اعتبرنا هذه الحرية هي ما كان يتمتع به الإنسان في حالة الطبيعة السابقة على تأسيس المجتمع، فإنّ روسو يوجه التفكير، مع ذلك، إلى أن نشأة المجتمع لا تلغيها، بل إن التعاقد المؤسس للمجتمع يعوض الفرد عن تلك الحرية الطبيعية بحرية مجتمعية. الإنسان يظل في جميع الأحوال حرا، ولا يمكن أن تغيب الحرية عن المجتمع الديمقراطي، إذ أنه يفقد هذه الصفة إذا غابت فيه الحرية أو بقدر غيابها.(5)
المعطى الثاني في حديث روسو عن المجتمع الجديد هو سيادة القانون. فهذه السيادة هي الدلالة الأوضح على انتقال المجتمع من حالته القديمة التي كانت فيها القوة هي مصدر السيادة إلى حالته الجديدة التي يصبح فيها القانون هو هذا المصدر. القوة في المجتمع الذي كان مطلوبا تحقيقه في زمن روسو تكون بفضل القانون الذي يخضع له الجميع بمساواة، ولا تكون في هذه الحالة مطابقة بين الحق والقوة، بل بين الحق والقانون. وإذا كان هناك سير نحو الديمقراطية التي يخصص لها روسو بعض الفقرات، فإن هذا المطلب لا يتحقق إلا مع سيادة القانون.(6)
المعطى الثالث الذي يهمنا تسجيله هو ما قاله روسو عن السيادة، إذ أنه يجعل مصدرها هو الشعب. يرى روسو أن السيادة غير قابلة بما هي صادرة عن المجتمع للتفويت أو للتقسيم. فالمجتمع يظل دائما هو مصدر السيادة التي يمارسها باسمه جزء منه، من جهة، كما أنه يظل دائما المرجع الذي يعود إليه التصرف في حالة وقوع فساد أو تحريف في ممارسة السيادة، لأن العمل على تغيير الظلم والاستبداد يظل من حق المجتمع مصدر السيادة. وبعبارة أخرى، فإن السيادة في نظر روسو تعبير عن الإرادة العامة للمجتمع، وكل تكليف للبعض للقيام بها لا يجعلها أبدا تفويتا لها لصالح هذا البعض. والسيادة كذلك عامة وغير قابلة للتجزئة، كما أن توزع الوظائف التي تعبر عنها لا يعني تقسيمها، لأنها إما أن تكون عامة أو لا تكون.(7)
المعطى الرابع لدى روسو هو فكرة الانتخاب العام والانتخابات بصفة عامة. يشيد روسو بمبدإ الانتخاب ويعتبره علامة أساسية على الانتقال إلى المجتمع المدني. فمهما كانت قوة صوت المواطن في الانتخاب ، فإن امتلاك الحق في الاختبار تجعله وحدها يشعر بقيمته ضمن المجتمع الذي يكون عضوا فيه.(8)
تسمح لنا المعطيات التي ذكرناها بتسجيل القيم التي أصبحت منذ ذلك الوقت منطلق وغاية الممارسة الديمقراطية في فرنسا: قيمة الحرية التي تتجسد في الذات الفردية، وقيمة القانون الذي يتساوى الناس بفضله،والسيادة العامة التي مصدرها المجتمع والتي تعود إليه معيارا لمصداقيته، ثم الحق الذي يشعر الفرد بقيمته وبأهمية مساهمته في التفكير في الشأن العام وفي اختيار من ينوب عنه في تدبيره.
ما يهمنا تسجيله، من جهتنا، أن الانتخابات الفرنسية الأخيرة قدمت لنا أكثر من مظهر يدل على تشبث المجتمع الفرنسي بتلك القيم وقد تأكد التشبث بالقيم الديمقراطية في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الذي كانت قد انتهت ولايته، وذلك حين خاطب مواطنيه موضحا لهم أن قوة ومكانة فرنسا في العالم متمثلة في القيم التي تبلورت في تاريخها والتي ساهمت بها في دفع العالم بكامله نحو السير في طريق الديمقراطية وطريق العدالة والسلام. وسبيل فرنسا للحفاظ على مكانتها في العالم هي الاستمرار في نفس الطريق، وهو طريق قيمها الكونية.(9)
تأكد نفس المعنى في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الجديد يوم توليه مقاليد الحكم، حيث تم أيضا الرجوع إلى التاريخ الفرنسي وإلى القيم الإيجابية لهذا التاريخ، وحيث تم التعهد بالاستمرار في العمل ضمن القيم التاريخية لفرنسا، وخاصة منها تلك التي بدأت مع الثورة وقيام الجمهورية وبناء النظام الديمقراطي.(10) كما لاحظنا اتفاق المرشحين للانتخابات الرئاسية رغم اختلاف برامجهم السياسية على الإشادة بالقيم التي ساهمت فرنسا في بنائها وإشاعتها في العالم منذ بداية العصر الأوربي الحديث. ودلالة هذا الأمر أن المجتمع الفرنسي يسير في طريق لا تراجع فيه عن الديمقراطية، إذ يكون الاختلاف حول سبل تطوير الممارسة الديمقراطية بما يضمن تحقيق الغايات المرجوة منها.
-3-
إذا كنا قد اجتهدنا في محاولة رصد الخلفيات السياسية والفكرية للديمقراطية الفرنسية، فلأن القيم التي انبنت على تلك الخلفيات قائمة في ذهن المواطن الفرنسي الذي مارس حقه في الاختيار. وإذا كانت غير حاضرة كنظرية، فإنها ماثلة في التقاليد الديمقراطية التي أصبحت مندمجة في الحياة اليومية للمجتمع الفرنسي. الديمقراطية الفرنسية متطورة لا نعيش معها الزكم ما قبل الديمقراطي، بل زمن ديمقراطية في تطور.
لاحظنا وجود ديمقراطية داخلية في الأحزاب السياسية، وقد بدا ذلك في حالة المرشحة الاشتراكية التي كان عليها أن تخوض انتخابات داخل حزبها قبل أن تصبح مرشّحة باسمه. ولم تقل هذه الانتخابات حدة ونظاما عن الانتخابات الرئاسية.
لاحظنا من جهة أخرى أنه لم يكن هناك احتجاج على نتيجة الانتخابات سواء في الدور الأول منها أو في الدور الثاني. وقد دل ذلك على القدر الذي بلغته الديمقراطية الفرنسية من التطور مثلما هو الحال في كثير من البلدان المتطورة التي أصبحت الديمقراطية فيها تعاقدا مجتمعيا أساسيا لا رجعة فيه يمارسه الجميع بثقة في الجميع رغم اختلاف الآراء والتصورات وما يرتبط بها من صراعات سياسية..
لاحظنا كذلك أن الأحزاب الرئيسية انصرفت مباشرة إلى تدبير مواقفها بالنسبة للمرحلة اللاحقة، بما يتطلبه ذلك من إعادة صياغة للبرامج ومن نقد ذاتي بالنسبة لمن لم يحالفهم التوفيق.
لاحظنا أيضا بروز بعض المشكلات المتعلقة بتطور الديمقراطية في فرنسا والتي لم يكن من الممكن إنهاء النقاش حولها في لحظة الانتخابات الرئاسية، وهو ما يعني أنها ستكون موضوع الحوار السياسي في المرحلة اللاحقة. نحن،إذن، أمام ديمقراطية لا تخلو من ظهور مشكلات، ولكن المجتمع المتعاقد حول النظام الديمقراطي لا يجد سبيلا لبلورة أفكار جديدة بصددها إلا الحوار الديمقراطي داخل الأحزاب وبينها. ونستحق هذه المشكلات أن تكون موضوع دراسة مستقلة تأخذ فيها حقها من الدراسة والتأمل.
-4-
هناك قيمة ديمقراطية لا نودّ أن يفوتنا تسجيلها تتعلق بالشخص الذي تم انتخابه رئيسا لجمهورية فرنسا أي ساركوزي. فالرجل ابن لمهاجر من أصل هنغاري، ولكن ساركوزي الذي ولد في فرنسا وانتمى إلى مجتمعها وصار فاعلا في هذا المجتمع، واندمج من حيث هو كذلك في صيرورة المجتمع السياسي في فرنسا، استطاع أن يجد لنفسه مكانة ضمن ذلك المجتمع السياسي. تبوأ ساركوزي عددا من مناصب المسئولية قبل أن يصل إلى قمة المسئولية في السلطة التنفيذية.
لهذا الأمر الذي أشرنا إليه دلالة بليغة على متانة البناء الديمقراطي في المجتمع. فهو دلالة على قدرة المجتمع على إدماج كل العناصر التي ندخل في تكوينه رغم أصولها المختلفة، وعلى منحها الفرص المتكافئة مع غيرها ضمن الصيرورة العامة للمجتمع وضمن صيرورته السياسية بصفة خاصة. أصبح الانتماء للمجتمع هو الأولوية التي تهم المجتمع، ولم يعد الأصل إلا معطى ذاتيا يهم الشخص. يدل على هذا الوضع للمسألة ما شاهدناه عبر الإعلام المرئي. فبينما شاهدنا صورة أقرباء للرئيس المنتخب ، وهم في بلدهم يظهرون ابتهاجهم بفوز قريبهم بمنصب الرئاسة في واحدة من الدول الكبرى في العالم، كنا نشاهد في الوقت ذاته مظاهر الابتهاج التي أظهرها أتباع التيار الذي ينتمي إليه الرئيس المنتخب محتفين بانتخابه كمواطن فرنسي ترشح لذلك المنصب. القيمة الديمقراطية التي نسجلها في هذه الحالة هي أن الغالبية من الفرنسيين صوتت لصالح الاندماج متجاوزة الأصل. وهذه أصبحت مطلوبة في زمننا أكثر من أي زمن آخر مضى.
-5-
قيمة ديمقراطية أخيرة نذكرها مستمدة من الانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 2007، ونعني بذلك ترشح امرأة لمنصب الرئاسة وبقاءها في التنافس من أجل الظفر بهذا المنصب حتى الدور الثاني والنهائي الذي يتنافس فيه مرشحان أساسيان فقط. هذه القيمة الديمقراطية التي مظهرها ترشح امرأة لمنصب الرئاسة هي في نفس الوقت قيمة مجتمعية من حيث إنها تتضمن حق الإنسان بصورة شاملة، أي سواء كان امرأة أو رجلا، لممارسة السياسة وطلب المسئولية فيها في أعلى المستويات سواء كان ذلك في الأحزاب السياسية أو كان على مستوى تدبير الشأن العام. نعلم أنه ليست هذه أول مرة تترشح فيها امرأة لمنصب من هذا المستوى، بل ونعلم أن نساء نلنه في مجتمعات أخرى قد تبدو أقل تطورا من فرنسا. ولكن لكل مجتمع سياقاته الخاصة وتطوراته النوعية، ونحن الآن بصدد الحديث عن المجتمع الفرنسي.
نجد أنفسنا أمام ترشح امرأة لمنصب الرئاسة في دائرة قيمة إنسانية ومجتمعية كبيرة يمكن أن نعتبرها من المعايير الأساسية لتطور كل مجتمع. فهي قيمة تجعل الإنسان في الرجل والمرأة معا مطابقا لذاته من حيث القيمة، وفي دائرة إضفاء النسبية على التمايز بين الجنسين اللذين يتشكل منهما النوع الإنساني، وفي دائرة النظر إليهما من حيث المساواة في الحق في الممارسة السياسية وتدبير الشأن العام.
سيغولين رويال المرأة التي تقدّمت للظفر بمنصب الرئاسة لم تتقدم بوصفها امرأة تمثّل جنسا من جنسي الإنسان، بل ترشّحت كقائدة سياسية تحمل باسم التيّار الذي تنتمي إليه مشروعا يهمّ تطوير مجتمعها ككل بنسائه ورجاله. ومن جهة أخرى، فإنّ ملايين الفرنسيين الذين صوّتوا لصالحها، نساء ورجالا، فعلوا ذلك لصالح إنسان يحمل وعودا بتطبيق برنامج يهدف إلى تطوير المجتمع ككلّ.
لم تفز مرشحة اليسار بمنصب الرئاسة، ولكنها نجحت في تحقيق تقدم يهم مسألة الديمقراطية المجتمعية التي تتعلق بصفة خاصة في المساواة بين الجنسين من حيث إمكانية الترشّح لأعلى منصب سياسي في البلاد. كانت هذه الإمكانية مطروحة، حقا، على مستوى المبادئ التي بلورها المجتمع الفرنسي منذ زمن ثورته في نهاية القرن الثامن عشر، كما كانت تلك الإمكانية قائمة ضمن تشريعات المجتمع، ولكن ترشح سيغولين رويال جعل تلك الإمكانية التصورية والتشريعية واقعا قابلا للتحقق. ونظنّ أنّ المجتمع الفرنسي لن يتراجع إلى الوراء بصدد هذه القيمة الديمقراطية المجتمعية.
المرأة التي ترشحت للرئاسة في فرنسا كانت تنتمي إلى اليسار السياسي. وننظر إلى هذا الأمر بوصفه تطورا طبيعيا، معتبرين أن اليسار الذي تتجمع فيه القوى الميالة إلى التغيير أقرب من اليمين، الذي فيه قوى المحافظة، لكي ينبثق عنه التغيير الذي سمح لأول مرة في تاريخ فرنسا بترشح امرأة لأعلى منصب في الدولة. لكن هذا التغيير يصبح قابلا بعد هذا لأن يهم المجتمع الفرنسي بكامله في المستقبل. نحن أمام قيمة ديمقراطية مجتمعية لها تاريخ مستقبلي.
-6-
ننتقل لبلوغ غايتنا من هذه الدراسة إلى دراسة تجربة ديمقراطية متقدمة أخرى مختلفة من حيث نشأتها وتطورها والمشكلات التي تطرحها، ونقصد بذلك التجربة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية. ننطلق في بحثنا من الاختلاف بين تجربتين ديمقراطيتين، لأننا نرى أن المقارنة تكون في حالة الاختلاف ذات نفع كبير بالنسبة لموضوعنا أو أي موضوع آخر. لكن هذا الاختيار المنهجي لن يبعدنا عن رصد التماثلات والتقاربات بين تجربتين ديمقراطيتين. ذلك أننا نبحث في هاتين التجربتين الديمقراطيتين عن بلوغ غاية مشتركة هي رصد القيم الديمقراطية التي تمنح هذا النظام السياسي والمجتمعي مصداقية أكثر من غيره من النظم حين يعلق الأمر بالسير في طريق بناء الحياة المجتمعية على الحرية والعدل والمساواة، وعلى تحقيق شروط الاستقرار السياسي والمجتمعي.
لكل ديمقراطية تاريخ في مجتمعها وللتجربتين الديمقراطيتين في فرنسا وفي الولايات المتحدة الأمريكية تاريخ مختلف، دون أن تغيب، مع ذلك، عناصر التماثل. نلاحظ في البداية، أن الديمقراطية في التجربتين وجدت بدايتها القوية في إطار تغير مجتمعي كبير أوجد بداية جديدة للحياة السياسية يمكن أن نقول إنها كانت الإطار الذي سمح بتطور الحياة الديمقراطية في المجتمعين. فالثورة الفرنسية التي حدثت في الربع الأخير من القرن الثامن عشر جاءت كثمرة وتتويج في الوقت ذاته لتطورات عرفتها أوربا بصفة عامة منذ عصر النهضة الأوربية انطلاقا من القرن الهامس عسر. وقد شملت تلك التطورات كل مناحي الحياة المجتمعية، بما فيها الحياة السياسية.
يتحدث الأمريكيون من جهتهم عن الحرب التي تأسست الولايات المتحدة بعد نهايتها فيسمّونها بالثورية لأنها كانت منبعا لتأسيس مجتمع جديد، ضم الولايات في بلد ذي حكومة واحدة فدرالية، فكان ذلك التأسيس ما مهد لنشأة تلك الدولة التي ستصبح في اللاحق، وحتى الآن، أكبر قوة في العالم وأكثر الدول تأثيرا في توجيه سياساته. لكن تلك البلاد عرفت بعد ذلك التغير الكبير بداية لتأسيس المجتمع الديمقراطي، وهو تأسيس لم يقبل أبدا التراجع إلى الوراء.
كانت الحرب التي تأسست الولايات المتحدة تبعا لشروطها حربا تحريرية في تصور الأمريكيين لها. كانت الغاية الأولى هي تحرير الولايات المتحدة من الهيمنة البريطانية وتأسيس دولة مستقلة حرة في سياساتها الداخلية والخارجية على السواء. كانت الغاية أيضا ، ما دعا إلى ذلك أبراهام لنكولن، هي تحرير العبيد ونقلهم على درجة المواطن الذي يمكن أن يساهم في بناء المجتمع الجديد. وكانت الحرية غاية على مستوى آخر هو تأسيس المجتمع على أساس مؤسسات تضمن حرية المواطن الأساسية. ونلاحظ أنه بعد الثورة الفرنسية، وكذلك بعد قيام الولايات لمتحدة الأمريكية صدرت وثيقتان تتعلقان بحقوق الإنسان والمواطن.(12)
نرى من خلال ما سلف ذكره الكيفية التي كان بها التغير المجتمعي الكبير الذي أقام المجتمع على مؤسسات جديدة مدخلا للتأسيس الديمقراطي في مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية. لكن، بقدر ما يساعدنا الارتباط بين التغير المجتمعي الكيفي وبين التقدم في طريق النظام الديمقراطي، فإنّه يطرح علينا ذلك سؤالا يتعلق بتطوير القيم الديمقراطية في البلدان المتأخرة تاريخيا في أخذ الطريق نحو البناء الديمقراطي للمجتمع، حيث استعصى تحقيق القيم الديمقراطية في هذه البلدان. فهل الانتقال إلى الديمقراطية في تلك البلدان تعثر لعدم تحقق تغير مجتمعي أساسي فيها؟ هل هناك بنيات مجتمعية في البلدان التي لم تتحقق فيها الديمقراطية بعد تقاوم كل تغيير يسير بالمجتمع في تحقيق ذلك المجتمع السياسي؟ ليس قصدنا الآن أن نجيب عن هذين السؤالين لأنهما يمسان موضوعا واسعا يخرج عن إطار دراستنا الحالية. ولكن ذلك لم يمنعنا من التلميح إلى أن دراسة القيم الديمقراطية يمكن أن تكون من زاوية أخرى هي البحث في شروط غيابها أو عسر تحققها في بعض المجتمعات.
-7-
هناك قيم ديمقراطية تتأكد لدينا من خلال التجربة الأمريكية، ومنها أن التنافس في إطار النظام الديمقراطي يكون أساسا بين برامج سياسة شاملة تتعلق بكل مظاهر الحياة في المجتمع وصيرورته. يتبنى المرشح للرئاسة برنامج تيار سياسي ويعبر عنه، ويدافع عن نقسه ضمن هذا البرنامج. فالمرشح لا يكون معزولا، ولا يترشح منفردا، إذ لا وجود ضمن التنافس الديمقراطي الحق لمرشح رئاسي دون أنصار، ودون برنامج عام. لا ننكر، مع ذلك، قيمة الفرد حين يساهم في وضع البرنامج وفي صياغته وفي التفكير في وسائل تنفيذه في حالة تولي منصب الرئاسة. ومن المعروف عن الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة أن عرض البرامج فيها يأخذ زمنا قبل بلوغ المرحلة النهائية منها، ويكون على المرشح أن يعبر عن برنامجه في كيفيات مختلفة وبصيغ متباينة. فترة الانتخابات منذ بدايتها إلى نهايتها مجال للتواصل والحوار من أجل البرامج التي تهم تطوير المجتمع ورسم سياساته الداخلية والخارجية. وحيث تكون تلك الانتخابات دورية كل أربع سنوات، فإن هذا معناه أن المجتمع يمنح ذاته عبر الديمقراطية فرصة لمراجعة أوضاعه وتدبير شؤونه العامة في كل دورة انتخابية. وهذه قيمة تخص المجتمعات ذات النظم الديمقراطي، وتغيب في المجتمعات التي تبتعد عن ذلك النظام.
تظهر، من جهة أخرى، الديمقراطية الداخلية للأحزاب من خلال المراحل التي يقطعها المرشح للرئاسة لكي يصل إلى هذه المرتبة. فلا بد أن يكون المرشح قد فرض نفسه داخل حزبه السياسي، وهذا معناه المرور عبر تجربة ديمقراطية أولى قبل المرور إلى المرحلة النهائية من الترشيح. وقد راقبنا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لسنة2008، ذلك التنافس الذي دار بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون للفوز بالترشح باسم الحزب الديمقراطي. فحتى داخل نفس الحزب كان هناك تنافس بين برنامجين سياسيين قد يتفقان في المبادئ الأساسية للحزب الديمقراطي، ولكنهما يختلفان في بعض التوجهات التي تتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وفي الوسائل والمسالك التي يقترحانها لتنفيذ تلك السياسات. والقيمة الأساسية المستخلصة من ذلك هي الاختبارات التي يمرّ منها برنامج سياسي مقترح قبل أن يصبح برنامجا سياسيا للدولة وللمجتمع في بلد ما. لكن الذين تابعوا الانتخابات الأمريكية في مراحلها المختلفة تابعوا الكيفية التي وقع بها تحول موقف المرشحة الديمقراطية بعد فوز منافسها بالترشح لانتخابات الرئاسة باسم الحزب. فقد طالبت مناصريها بالتصويت لصالح من كان منافسا لها، بل وشاركت منافسها السابق في بعض التجمعات الدعائية له. وفي هذا الموقف دلالة عميقة على معنى التنافس الديمقراطي الذي يدور داخل نفس التيار السياسي، والذي يتم فيه التمييز بين مستوى ما يفرق، دون التنازل عن العناصر التي توحد ، لما لها من أهمية باعتبارها ما يجعل التيار السياسي واحدا في نهاية التحليل بالنسبة لمن ينتمون إليه. وأكثر من ذلك، فإن تجاوز الخلافات والعمل بما يوحد كانا الدافعين اللذين دفعا أوباما ، بعد فوزه، إلى اختيار منافسته السابقة داخل نفس الحزب لواحد من أعلى المناصب في الحكومة الأمريكية، حيث اسند إليها منصب وزيرة للشؤون الخارجية. هكذا أصبح البرنامج واحدا بعد أن بلغ مرحلة التنفيذ. نرى، إذن، القيمة الديمقراطية التي نتحدث عنها هنا : ليس هناك في التنافس الديمقراطي الحق، وهو يتضمن تبادل النقد، إقصاء للاعتراف المتبادل بين الطرفين المتنافسين.
نفس المسار الذي لاحظناه في التنافس الديمقراطي الداخلي هو الذي نلاحظه في لحظة اختيار الرئيس في التنافس الخارجي والذي كان أساسا بين مرشح من الحزب الجمهوري وآخر من الحزب الديمقراطي. كان تقديم كل مرشح لبرنامجه يتضمن انتقادات قوية لبرنامج المرشح الآخر. لكن، بمجرد إعلان فوز المرشح عن الحزب الديمقراطي، كان التنافس قد انتهى إلى غايته، وكان قبول النتائج أمرا عاديا، وكان التواصل بين المرشحين مطلبا ذا دلالة خاصة. لذلك قيل في تقديم الرئيس المنتخب، أي أوباما، إنه الرئيس الرابع والأربعون الذي تنتقل غليه السلطة بكيفية سلمية، أي عن طريق الانتخاب، وهو كذلك الرئيس الذي سيخضع في ممارسته للسلطة لنفس القواعد الديمقراطية المصاغة في دستور البلاد منذ تأسيس الدولة فيها.
-8-
كما تحدثنا في السابق، ونحن نبرز قيم الديمقراطية التي دلت عليها الانتخابات الرئاسية لسنة 2007، عن فيمه ترمز إليها الشخصية المنتخبة لمنصب الرئاسة، فإن الشخصية المنتحبة لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ترمز بدورها إلى دلالات تهم تطور الديمقراطية في هذه البلاد. فباراك أوباما ، من جهة أبيه، ذو أصول إفريقية، ‘ذ هاجر والده إلى الولايات المتحدة وتزوج من أمريكية فأنجبا باراك. وإذا كان والده قد عاد إلى كينيا ، فإن الإبن بقي إلى جانب والدته التي رحل معها لسنوات قليلة إلى أندونيسيا ليعود بعد ذلك إلى الولايات المتحدة حيث أكمل تعليمه، وحيث بدأ حياته السياسية ونجح في أن يكون نائبا برلمانيا. باراك أوباما، إذن، أمريكي ، فضلا عن أصله من جهة والدته، بمولده ونشأته وبإحساسه بالانتماء للبلد الذي ولد ونشا فيه ومارس فيه السياسة منتميا إلى أحد الحزبين الأساسيين في أمريكا: الحزب الديمقراطي. مرة أخرى، نؤكد أن الأمريكيين الذين صوتوا لصالح أوباما تجاوزا اعتبار الأصل ليعطوا الأولوية للانتماء، وهو ما يتيح إعطاء فرصة متساوية بالنسبة لكل العناصر التي تشكل منها المجتمع في التاريخ.وهكذا، نصل على القول إن أوباما بمساره الشخصي جزء من تاريخ الولايات المتحدة التي تميزت بتكونها من أعراق وأصول مختلفة، والتي تشكل خاصيتها الإدماجية لمكوناتها جزء من ديمقراطيتها.
هناك جانب آخر من شخصية باراك أوباما له دلالة على قيمة ديمقراطية إضافية بالنسبة للولايات المتحدة، ونرجع هذه المرة إلى أصول الرئيس المنتخب الإفريقية والأمريكية في نفس الوقت. فأوباما صار بعد انتخابه أول رئيس من بين السود الأمريكيين.لذوي البشرة السوداء في أمريكا تاريخ طويل بدأ منذ قرون مع تهجير أفارقة إلى أمريكا من حيث هم عبيد، وقد ظل الرق سائدا في الولايات المتحدة مدة طويلة من الزمن.ورغم أن فكرة تحرير السود بدأت مع الحرب التي تأسست على إثرها الولايات المتحدة الأمريكية، فإن مظاهر العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء استمرت حتى في القرن العشرين نفسه. وأكثر من ذلك، ظل السود يطالبون بحقوقهم المدنية ولم يصدر القانون الذي يمنحهم الحق في التصويت في الانتخابات إلا في النصف الثاني من القرن العشرين.(13) ولكن صدور هذا القانون لم يمنع من اسمرار بعض مظاهر التمييز العنصري في مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن أن الحق في التصويت لم يكن المطلب الوحيد للسكان السود بوصفهم أحد مكونات المجتمع حتى قبل نشأة الاتحاد بين الولايات.
بدأ تاريخ مطالب السود منذ نشأة الولايات المتحدة ذاتها، ولذلك صارت هذه المطالب جزءا من تاريخ هذا البلد قبل تأسيسه وبعد ذلك. فحتى القرن العشرين ظل هناك نضال ذوي البشرة السوداء من أجل نيل حقوقهم في المساواة مع بقية الأجناس التي تشكل منها سكان الولايات المتحدة الأمريكية. وضد كان القس ذي البشرة السوداء مارتن لوثر كينغ(1929-1968)Martin Luther King هو أفضل من عبر عن مطالب السود في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من القرن العشرين. كان الرجل خطيبا أحسن التعبير عن معاناة السود في بلده، واستطاع بالكيفية التي كان يطرح بها تلك القضية أن يجمع حوله أكبر عدد ممكن من الناس من السود، بالدرجة الأولى، ومن البيض الذين كانوا يناصرون وجه الحق في قضية السود. ومثلما كان له مناصرون، فقد كان له معادون اغتالوه سنة1968، فمات بذلك من أجل القضية التي كان يدافع عنها.
هناك جانب من عمل مارتن لوثر كينغ نرى من الملائم الوقوف عنده هو الطريقة التي كان يقترحها ويعمل بها للدفاع عن الحقوق المدنية للسود. فقد كان يدعو السود وكل من يناصرهم في قضية حقوقهم إلى عدم اللجوء إلى العنف ونهج الطرق السلمية واستخدام الوسائل التي تظهر الحقوق وتدافع عنها في إطار سلم مجتمعي. فالأعمال السيئة والعنيفة لا تقود إلى العدالة المجتمعية التي يطالب بها السود في المجتمع.(14)
كرر كينغ أكثر من مرة في الخطاب الذي اشرنا إليه تعبي:إني أحلم. وكان حلمه يتعلق أساسا بمجتمع يأخذ فيه السود مكانتهم الطبيعية من حيث هم مواطنون لهم نفس الحقوق المدنية والمجتمعية وعليهم نفس الواجبات. كان حلم كينغ يتعلق بمجتمع تنمحي فيه كل مظاهر العبودية والتمييز العنصري، وبمجتمع ينشأ فيه أبناء العبيد القدامى إلى جانب أبناء السادة القدامى كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
استعاد الناس بعد ترشح أوباما للرئاسة فكرة الحلم التي عبر عنها كينغ في الستينات من القرن الماضي، وبدا المرشح الرئاسي ذي البشرة السوداء كما لو كان في سعيه نحو ذلك المنصب يسعى في الوقت ذاته نحو تحقيق ذلك الحلم بمجتمع جديد.(15) لا نعترض على هذا الشعور من حيث إنه يتعلق بواقع. فترشح أوباما ذي البشرة السوداء لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية يعكس تقدما في المسألة المجتمعية في هذه البلاد، وخطوة في تحقيق العدالة بين مكونات الشعب الأمريكي. فما سعى إليه أوباما هو أعلى مستوى من الحقوق المدنية التي كان كينغ يطالب بالمساواة فيها. ومن جهة الشعب الأمريكي، فقد كانت لحظة الانتخاب اختبارا لمدى تقدم المجتمع في طريق العدالة بين مكوناته المختلفة في اصولها، ومدى نجاحه في تجاوز التمييز العنصري بين تلك المكونات. وليس السكان السود الذين صوتوا لصالح أوباما وحدهم من أعطى معنى إيجابيا للحظة الانتخاب، بل إن السكان البيض الذين صوتوا لصالح أوباما منحوا الانتخابات الأمريكية لسنة2008 فرصة تسجيل قيمة ديمقراطية ذات عمق مجتمعي.
لن يفوتنا، رغم ما أكدناه من ظهور ترشح أوباما للرئاسة بوصفه استمرارا لما كان يحلم به كينع، أي قيام مجتمع تتحقق فيه المساواة بين البيض والسود من حيث الحقوق والواجبات، أن نفكر أيضا في الفروق التي تميز أوباما. فالشعار الذي أطر به أوباما حملته الانتخابية، أي: نعم نحن قادرون yes ،we can، أكثر سعة من حيث دلالته وتوجهه من حلم كينغ. ذلك أنه إذا كانت وضعية السود في الولايات المتحدة الأمريكية هي القضية التي تحرك من أجلها كينع، فإن ما كان يبشر به أوباما من قدرة على التغييركانت شاملة.لقد ترشح أوباما لأعلى منصب في الدولة، وبغض النظر عن كونه ذا بشرة سوداء، فإنه إذ كان يطلب منصب الرئاسة كان يخاطب كل الأمريكيين ويضع في حسبانه كل المشكلات الداخلية والخارجية للبلاد. القدرة التي جعلها أوباما شعارا لحملته الانتخابية كانت تعني الأمريكيين جميعا لتبرز لهم أنهم كمجتمع قادرون على تجاوز كل الأزمات التي تراكمت حلال سنوات، بل وعقود من الزمن. كان الأمر يتعلق بالقدرة على تجاوز الأزمة المالية، وأزمات التشغيل، وإعادة التوازن الاقتصادي للولايات المتحدة، والحفاظ على صورتها بوصفها أقوى الدول وأكثرها تأثيرا في السياسة العالمية. لكن هذا كله لا يجعلنا نلغي مسألة العدالة بين السود والبيض في المجتمع، إذ هي متضمنة في مجموع التغييرات التي خاطب أوباما الأمريكيين بأنهم قادرون على تحقيقها، بل ونرى أنها المسألة التي تجعل من انتخاب أوباما تحولا كيفيا في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. فانتخاب أوباما دلالة على قيمة ديمقراطية مصدرها الشخص الذي تم انتخابه.
-9-
هناك قيمة مشتركة نعود إليها، ونعني بذلك ترشح امرأة لمنصب الرئاسة. كانت المرشحة الفرنسية فد تجاوزت عتبة طلب الترشح باسم حزبها، أي الحزب الاشتراكي، كما تجاوزت الدور الأول في الانتخابات لتبقى في تنافس ثنائي على المنصب.أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هيلاري كلينتون،لم تنجح في تجاوز عتبة الحزب الذي تنتمي إليه، أي الحزب الديمقراطي،إذ نال هذا الحق باراك أوباما الذي نال منصب الرئاسة في النهاية. لكن مايهمنا بالنسبة لموضوع تحليلنا هو فتح إمكانية ترشح امرأة لأعلى منصب في الدولة، وهو ما يجعل هذا الأمر واردا في المستقبل. وهكذا نرى أنه تبلورت داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي قيمتان ديمقراطيتان متكاملتان في تطور النظام الديمقراطي للمجتمع: ترشيح رجل ذي بشرة سوداء تنافسه امرأة لنيل الحق في الترشح النهائي باسم الحزب. وهاتان قيمتان ديمقراطيتان سياسيتان ومجتمعيتان في الوقت ذاته.
-10-
رصدنا القيم المجتمعية والسياسية المرتبطة بتطور النظام الديمقراطي في المجتمع. وقد قمنا من أجل بلوغ تلك الغاية بتحليل الصيرورة الديمقراطية في مجتمعين نعتبرهما نموذجين مفيدين للتحليل في هذا المستوى، وهما المجتمعان الفرنسي والأمريكي. فقد بدأت التطورات الديمقراطية في هذين المجتمعين منذ ما يزيد على القرنين، وهو زمن تحققت فيه مكتسبات عديدة في طريق إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة المجتمعية عامة. هناك قيم مشتركة يبدو أنها موحدة بالنسبة للنظام الديمقراطي في المجتمع الإنساني بصفة عامة، دون أن تغيب الاختلافات الناجمة عن التطور التاريخي الخاص بكل مجتمع.لكن، بفعل اقتصار تحليلنا على نموذجين، فإننا مهما تكن قيمة التطورات الديمقراطية فيهما نضفي النسبية على تعميماتنا، ونرى أن النتائج التي بلغناها تصلح في هذه الحالة لأن تكون منطلقا لتحليل نماذج أخرى من التطور الديمقراطي للمجتمعات.
الهوامش:
1- اطلعنا على الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن عن طريق شبكة المعلومات الإلكترونية، وذلك ضمن محرك البحث yahoo.fr ،ثمgoogle.fr.
2- تشكلت منذ زمن الثورة الفرنسية مجموعة من المفاهيم المتناسقة التي يمكن أن نقول إنها شكلت في مجموعها إيديولوجيا العصر التي وقعت في ضوئها كل التطورات، ومن ضمنها مفهوم المواطن. للمزيد حول هذه الإيديولوجيا، راجع:
François Châtelet (sous la direction) ، histoire des idéologies، édition
Hachette، Paris1978 : L، idéologie du progrès (p19)، L، idéologie de l، homme (p99)،
3- راجع كتابنا: البعد الديمقراطي،دار الطليعة، بيروت1997،وبصفة خاصة الفصل الذي عنوانه:الديمقراطية بين الوسيلة والغاية، ص32
4- اعتمدنا أثناء إعدادنا لهذه الدراسة على الطبعة الفرنسية لكتاب روسو حول التعاقد المجتمعي، ومعطياتها كالتالي: J.J.Rousseau، Du contrat social، union générale d، éditios، Paris1963، وللكتاب ترجمة عربية يمكن اعتمادها.
5- راجع ضمن كتاب روسو السالف الذكر الفقرة التي يتحدث فيها عن الحرية بداية من الصفحة50، علما بأن هذا الموضوع مستمر في فقرات أخرى. ومن جهة أخرى، فإننا لا نسوق كلام روسو هنا بتفصيلاته، بل نعرض أيضا خلاصاتنا منه في ضوء الموضوع الذي نتناوله بالدرس.
6- راجع ضمن كتاب روسو سالف الذكر الفقرة التي خصصها للحديث عن القانون وعن التشريع في المجتمع: ص81ومابعدها، وراجع كلامه الذي يهم نفس الموضوع في الصفحتين58و59، ثم الصفحة81و83.راجع كذلك كلامه عن الديمقراطية بداية من الصفحة112.
7- راجع هذا المعنى ضمن كلام روسو عن السيادة في كتابه عن التعاقد المجتمعي في الصفحتين70و71ومايليهما.
8- نفس المرجع، ص50، وراجع كذلك الصفحات التي خصصها روسو للحديث عن الانتخابات في المجتمع الديمقراطي، وذلك انطلاق من الصفحة154.
9- أكد شيراك ذلك في الحطاب الذي ألقاه يوم 11مارس2007، وقد نقلته القنوات التلفزية الفرنسية، ونشرته بعد ذلك الصحافة المكتوبة.يمكن الرجوع إلى هذا الخطاب في أرشيف الصحافة الفرنسية، أو في محركات البحث في شبكة المعلومات الإلكترونية.
10- راجع خطاب ساركوزي، وقد نقلته وسائل الإعلام المختلفة، كما يوجد ضمن ارشيف محركات البحث المختلفة.
11- تابعنا بعض الأفكار المعبر عنها بصدد هذه المسألة أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في الصحافة المرئية والمكتوبة، كما اطلعنا على مواد تخص هذا الموضوع ضمن محرك البحث في شبكة المعلومات yahoo.fr، ويمكن الرجوع إلى هذه المصادر.
12- وثيقة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية.صدرت هذه الوثيقة سنة 1791، وكانت أساسا للدستور الأمريكي
13- قانون الحقوق المدنية. وقد صدر هذا القانون في عهد الرئيس جونسون بعد مطالبات كثيرة به، ووقعه الرئيس بتاريخ 2/07/1964
14- من خطاب كينغ: إني أحلم. وقد القاه في يوم 28 غشت 1963، ويمكن الاطلاع على نص الخطاب ضمن مادة مارتن لوثر كينغ في محركات البحث بالشبكة الإلكترونية للمعلومات.
15- بدا ذلك بالنسبة لباراك أوباما من خلال الخطب التي ألقاها في حملته الانتخابية. كما أنه يمكن الرجوع إلى كتاب أوباما:جرأة الأمل، أفكار عن استعادة الحلم الأمريكي. ترجمه إلى العربية معين الإمام، راجع منه الفصل المعنون ب: العرق. دار العبيكان، الرياض 2008.
