عندما تغلقين أعين القمع
هذه لازمة أغنية للمغنّي والشّاعر الفرنسيّ ليو فرّاي Léo Ferré (1916-1993).
أتذكّر هذه الأغنية كلّما رأيت آلة رقابة بوليسيّة أو عسكريّة، وكلّما رأيت آلة مصادرة للحقّ، تبدو لي كأخطبوط جهنّميّ ذي أياد وأصابع لا تحصى، وذي حبر أسود يحاول به إلقاء العمى على البصائر لإطفاء شعلة الأعين الحيّة. إنّها تعويذتي حتّى لا أخاف ولا يصيبني اليأس.
وتذكّرت هذه الأغنية وأنا أطالع الأنباء عن “أسطول الحرّيّة” الذي سار إلى غزّة، فجابهه أخطبوط آلة عسكريّة عمياء شبيهة بالقمع كما يصفه ليو فرّاي.
حاولت ترجمة هذه الأغنية، واستأذنت زملائي بهيئة التّحرير في أن تكون هذه التّرجمة طريقة الأوان في ترديد اسم الحرّيّة، والتّنديد بالقمع، وبآلة القمع الإسرائيليّ، وفي تسمية أعضائه : أياديه وأعينه وفمه ذي الابتسامة السّاديّة الوقحة.
ترجمة الأغنية صعبة، لا لأنّها تغيّب اللّحن والصّوت الأثيريّ فقط، بل لاستحالة ترجمة الشّعر، ولضرورة اتّخاذ قرارات تحدّ من إيحاءاته الغامضة البديعة. أوّل صعوبة تكمن في أنّ القمع مؤنّث بالفرنسيّة. وثاني صعوبة هو عدم تحدّد عدد “الأعين” لغة، فلا ندري إن كانت مثنّى أم جمعا، لكنّني أحدس بأنّها جمع. وعدم تحدّد ضمير المخاطب لغة. لكنّني أحدس بأنّه امرأة. وليكن امرأة اسمها الحرّيّة. امرأة تفلح أو قد تفلح في غلق قبضة القمع وإطفاء عينيه النّاريّتين. وفي “قد” يكمن الأمل الذي يشدّنا إلى الكتابة، وإلى الحياة فيما بعد الموت. على نحو ربّما يكون أكثر التباسا من مجرّد “التّفاؤل الثّوريّ”..
هذه الأغنية عنوانها “القمع” L’oppression، ومن الأفضل الاستماع إليها على اليوتوب، في البلدان العربيّة التي لا يحجب أخطبوط الرّقابة فيها هذا الموقع. وها هو نصّها الممكن بالعربيّة :
هذه الأيدي الصّالحة لكلّ شيء، حتّى لمسك الأسلحة
في هذه الشّوارع التي خطّها النّاس من أجلك بإصرار
هذه الشّطآن الممتدّة التي تّجهين إليها
حيث تريدين مجابهة أيدي القمع
وتمنعين
انظري إليه يئنّ على وجوه النّاس
بأعين تحيط بمقلتها المواقيت والأحلام
انظر إليه صامتا عند صدور الرّبيع
مع الأيادي التي يخونها الجوع المتصاعد
هذه الأعين التي تنظر إليك ليلا ونهارا
والتي نقول عنها إنّها متّجهة صوب الأرقام والحقد
هذه الأشياء الممنوعة التي تجرّين نفسك إليها
والتي ستؤول إليك
عندما تغلقين
أعين القمع
انظر إليه يسدّد ابتسامته الوقحة
إلى الرّقابة التي تحفظها الألسن وتذهب إلى الصّلاة
انظر إليه يستمتع بلعبة الطّفل هذه
ويقتل الأشباح وأنت تفقدين شبابك
هذه القوانين التي تثقل كاهلك إلى أن تعرضي عنها
في الدّهاليز المتجمّدة للّيل المجالسيّ
والحبّ الذي يطلع من الجامعة
والذي سيغمرك
عندما تكسرين
قوانين القمع
انظر إليه يجول في أعين أصدقائك
تحت الغطاء الجذلان للشّموس الأخويّة
انظر إليه يزحف شيئا فشيئا إلى أياديهم
فتتحوّل إلى قبضات
بمجرّد أن يبلغوا
عمر القمع
هذه الأعين التي تنظر إليك ليلا ونهارا
والتي نقول عنها إنّها متّجهة صوب الأرقام والحقد
هذه الأشياء الممنوعة التي تجرّين نفسك إليها
والتي ستؤول إليك
عندما تغلقين
أعين القمع
