حادث طائرة
أعترفُ بأني من أولئكَ الأشخاص الذين عندهم خوفٌ مرضيّ (فوبيا) من السفر بالطائرة، ولكن حبي للسفر كثيراً ما يضطرني إلى وسيلة النقل هذه مُحتمِّلاً كل ذلك الخوف الكاسح الذي يُسيطر عليَّ قبل يومين من السفر وحتى نزولي من الطائرة "بسلام". لقد بدأ هذا الخوف منذ أول رحلة قمتُ بها إلى فرنسا منذ عدّة سنوات خَلَت ليتضاعف رُهابي وقلقي بعد مشاهدتي كل حلقات برنامج "التحقيق في حوادث الطيران" Air Crash Investigation الذي وجدتُه كاملاً بالانجليزية على الانترنت. كنتُ أُشاهد حلقات هذا البرنامج وأنا في قمة التوتر والإثارة مُستعرِضاً حوادث الطيران وأسبابها حتى تكوّن لدي (بالإضافة إلى الفوبيا) معرفةٌ لا بأس بها بتقنيات الإقلاع والهبوط وبأنواع الطائرات ومكونات كل منها والتحديثات التي أُضيفت عليها والحوادث التي وقعت في تاريخ الطيران وتلك التي لا يزال سببها مجهولاً ….الخ
هكذا تكوَّن لدي انطباعٌ مُقلق بأنني سأقضي يوماً ما بحادث طائرة؛ وكلما كنتُ أركب هذا الصاروخ المنطلق والمحشوّ بالبشر، كنتُ أظلّ مشدوداً متوتراً طيلة ساعات السفر مُنتظراً الكارثة بين فينةٍ وأُخرى إلى أن تتوقف الطائرة نهائياً في المطار وأنزل منها غارساً قدميّ في الأرض "الثابتة". عندها فقط أتحولُ إلى شخصٍ نشيطٍ مليء بحبّ الحياة نازعاً قناع الموت الذي يتلبّسني كلّما ركبتُ الطائرة.
إذن كانت لدي قناعةٌ مُطلقةٌ بأنّ حتفي سيكون بسقوطي من السماء في اسطوانةٍ معدنية وارتطامي بالجبال أو تقطُّعي أشلاءً في البحر. كنتُ واثقاً من هذا، ولكني ما كنتُ أعلم أنني على موعدٍ مع حادث طائرة في الصيف الماضي أثناء عودتي من سورية إلى فرنسا.
كان صباح ذلك الخميس من شهر آب/ أوت 2009، صباحاً صيفياً جميلاً في دمشق، ولكنّ جماله ما كان ليخفّف عنّي توتّري وخشيتي من ركوب الطائرة. دخلتُ إلى المطار كمن يتوجّه نحو المقبرة وتقدّمتُ وأنا أُغالب قلقي وخوفي إلى قاعة وزن الأمتعة check-in. وقفتُ في الصفّ مُنتظراً دوري وواعداً نفسي أن أطلب من الموظفة، التي رأيتُ أنها كانت تقوم بعملية التوزين وتوزيع الأماكن على الركاب، ألا تجعل مقعدي بالقرب من إحدى النوافذ بل قريباً من أحد مخارج النجاة فقد علمتُ من برنامج "التحقيق في حوادث الطيران" أنّ نسبة النجاة تكون أكبر فيما لو جلس المسافر في الوسط أو قريباً من مخرج النجاة (فيما لو كان هناك نجاة) حين يندفع الركاب المذعورون بحثاً عن مخرجٍ من هذا الفرن الملتهب وذلك الجحيم المُشتعل.
كُنتُ أُعِدُّ مأتمي بسرّيةٍ تامّة وأتحسَّر على شبابي الذي سيضيع بعد ساعات قليلة عندما نظرتُ فجأةً إلى يميني ورأيتها. لقد زال كلّ قلقي وتوجسي فجأةً عندما وجدتُ في الصف المجاور لصفي فتاةً تدفع عربةً عليها حقيبة سفرٍ كبيرة وحيدة. لا أعرف ماذا انتابني عندها، ولكنّ إحساسي بالموت المُنتَظر خلَّف مكانه سريعاً لفرحةٍ غامضة ولرغبةٍ عارمة ومشبوبة في الحديث إلى هذه الفتاة.
تدافعت جملةٌ من الأسئلة الخاطفة في رأسي: ماذا سأقول لها وبأية لُغة؟ نعم، فلهذه الفتاة جمالٌ مُلتبَسٌ مجهولُ الأصل لا يُساعد أبداً على تحديد هويتها فتساءلتُ: أهي عربية أم أجنبية، أهي من البشر أم من الملائكة؟ كانت رغبة الحديث إليها تُلحُ عليّ فقرَّرتُ أن أتحدث إليها بالعربية أولاً وإذا لم تفهم فسأتحدث بالفرنسية أو بالانجليزية أو بلغة الإشارة لا يهمّ، المهمّ أن أتواصل معها بأيّ شكل. ولكن ماذا سأقول لها؟ خطر بذهني أن أطلب منها أن نقوم بوزن أمتعتنا معاً مُتعللاً بحملي وزناً زائداً (لم يكن ذلك صحيحاً) بينما لا تحمل هي سوى حقيبة سفر واحدة. استجمعتُ شجاعتي وتوجهتُ نحوها بالكلام:
ـ صباح الخير.
ـ أهلاً صباح النور.
كانت لهجتها تؤكِّد أنها سوريّة مثلي بينما فضحت رنّة صوتها وأسارير وجهها رغبتها بالكلام مما شجّعني على المضيّ قُدُماً فسألتها:
ـ آسف، ولكن هل لي أن أسأل ما إذا كانت هذه الحقيبة الوحيدة هي كل أمتعتكِ؟
ـ نعم ليس معي غيرها.
ـ أتساءل إذن إذا ما كان من المُمكن أن نقوم بالتوزين معاً فأنا لديّ وزنٌ زائد؟
ـ نعم ولم لا، ولكن أظن أنني أحمل وزناً زائداً أنا أيضاً.
ـ نعم …..، أتفهّم هذا.
ساد صمتٌ قصيرٌ قبل أن أُتابع أسئلتي.
ـ أتمنى ألا أكون فضولياً جدّاً، ولكن هل لي أن أسأل ما إذا كنتِ مُسافرة إلى فرنسا؟ أقصد هل فرنسا هي وجهتكِ الأخيرة أم هي مُجرَّد محطة ترانزيت ثم تواصلين السفر بعدها؟
ـ لا. فرنسا هي وجهتي فأنا أُقيم فيها حالياً.
ـ وتسكنين في باريس؟
ـ هذا صحيح.
ـ وأظنّ أنّكِ طالبة ؟
ـ نعم، فأنا أُحضِّر للدكتوراه.
بهذه الكلمات كان دورنا قد حان لتوزين الأمتعة وكان عليَّ حينها أن أتصرف كشابٍ لبقٍ بأن أحمل حقيبتها (التي قصمت ظهري) وأضعها على الميزان. تم الأمر بسرعة فأخذَتْ رقم مقعدها ثم قالت لي مودعةً:
ـ إلى اللقاء إذن. أتمنّى لكَ سفراً سعيداً.
ـ …………
وضعتُ حقيبتَيَّ الاثنتين على الميزان وأنا أشعر بخيبة أملٍ رهيبة، أهكذا سينتهي الموضوع إذن؟ نظرتُ عندها إلى الموظفة وبدلاً من أن أرجوها أن تجد لي مقعداً بالقرب من مخرج النجاة، وجدتني أقول لها:
ـ عفوأ، ولكن هل تعرفين أننا نُسافر معاً أنا والصبية التي ذهبت للتوّ؟
ـ لا، لم أكن أعرف.
قلتُ لها مُتلهّفاً:
ـ إذن لن أكون بجانبها في الطائرة؟
قالت لي:
ـ لا، فقد وضعتُها في مقعدٍ كان فارغاً بجانب شخصين آخرين.
قلتُ لها مُحطَّماً:
ـ وماذا أفعلُ أنا الآن؟ لقد خربتِ لي بيتي يا سيدتي.
افترَّ ثغرها عندها عن ابتسامةٍ ماكرة وبغمزة عينٍ متواطئة قالت لي:
ـ معكَ دقيقتان إذا أستطعتَ أن تُعيد لي بطاقتها فسأضعك بجانبها. تِكرم عينك.
عادت الحياة لتدبّ في أوصالي وانبريتُ مُسرعاً إلى فتاتي التي كانت عندها تدفع رسم الخروج وقلتُ لها لاهثاً:
ـ عُذراً، ولكن هل يمكن أن تأتي لتغيير رقم المقعد على اﻟ boarding card ؟
ـ عفواً لم أفهم عليك. هل تقصد أنّ هناك خطأً ما في الرقم؟
استغليتُ سوء الفهم الحاصل بأن قُلت:
ـ نعم هناك خطأٌ كبير يجب تلافيه بسرعة ووضع الأمور في سياقها الصحيح.
عُدتُ ببطاقتها منتصراً كما لو كانت البطاقة الفائزة بجائزة اليانصيب الكبرى وأعطيتها للموظفة التي قالت لي مُبتسمة:
ـ حسناً. أتمنّى لكَ إذن حظاً طيباً معها.
ـ شكراً لكِ ولن أنسى يوماً ما فعلتِ.
ـ سفراً سعيداً.
ـ إلى اللقاء.
عُدت إلى أدوليسينتي التي كانت تنتظر على مسافة قريبة وقلتُ لها:
ـ لقد عُدِّلَ الخطأ أخيراً وتصحّح مجرى الأحداث.
ما حدث بعد ذلك كان مُكثَّفاً وعذباً إلى درجةٍ يصعبُ وصفها. ففي حين كنتُ أتضايقُ في السابق من تأخُّر رحلات السورية للطيران عن موعد إقلاعها الأمر الذي كان يزيد من توتري وقلقي وعصبيتي، إلا أنني تمنيتُ يومها لو تتأخر الرحلة كثيراً، بل ما كان ليزعجني أبداً لو توقفت ساعات العالم مرَّةً واحدة أو لو أمضيتُ ما تبقى من حياتي في المطار. أعلنوا بعدها في مُكبرات الصوت عن تغيير بوابة المغادرة واعتذروا عن التأخير الناجم عن ذلك فقلتُ لهم في نفسي: لا داعي للاعتذار بل شكراً لكم على ما تفعلون مِن أجلي وأحسستُ بتواطئ كل الظروف معي. لا أعرف كم من الوقت بقينا معاً في المطار أتأمّل فتنتها وتتأمّل اضطرابي. صعدتُ إلى الطائرة بقدمٍ ثابتة غير آبهٍ بالحياة والموت، ومع أنّ فكرة الموت كانت قد خطرتْ بذهني سريعاً إلا أنني استعذبتُ هذه الفكرة حينها. انفتحت قريحتي على الكلام ونحن فوق الغيوم ولا أعرف كيف عادت إلى ذاكرتي كلّ أشعار الغزل وكيف جرى على لساني كل ذلك الكلام الرقيق (يبدو أن العشق في السماء يُقرِّبنا من الآلهة ويجعلنا أكثر خفّة وأرهف وأرقّ وأكثر شاعرية ورومانسية).
في جميع رحلاتي السابقة، كنتُ أشعرُ أن نهايتي المنتظرة قد أزفت مع كُل اهتزازٍ بسيطٍ في الطائرة، إلا أنّ تلك الاهتزازات يومها كانتُ تزيدُ من خفق قلبي وجيشان مشاعري. في كل أسفاري السابقة، كانت رحلات الطائرة تستغرق سنواتٍ ضوئية أعيش فيها في عالم الأموات مترقِّباً الكارثة، لكن في تلك الرحلة لعنتُ الطائرات وتطوُّر وسائل النقل السريعة التي تقطع المسافة بسرعة البرق وتأسّفتُ على أسفار القوافل ورحلات الشتاء والصيف مُردِّداً في نفسي قبل الهبوط : "لا حملت رجلاك يا جَملُ".
فقط قبيل أن تحُطَّ الطائرة في المطار تذكّرتُ أننا لم نتبادل أرقام الهواتف وحين طلبتُ منها ذلك رفضت وقالت لي:
ـ علينا أن ننسَى لقاءنا هذا بمجرد هبوط الطائرة.
ـ عفواً، ولكن هل بدر مني شيءٌ أزعجكِ؟
ـ لا، على العكس، ولكن يجب أن تتوقف الأمور هنا قبل أن تتطوّر فنحن من طائفتين دينيتين مختلفتين.
نزلت عبارتها الأخيرة عليّ نزول الصاعقة وتساءلت في نفسي ماذا تقصد بذلك.
ـ عفواً لم أفهم عليكِ، هلَّا وضَّحتِ أكثر!
ـ أنا لا أستطيعُ أن أُقيم علاقة مهما كان شكلها مع شخصٍ لا ينتمي لنفس الطائفة التي أنتمي إليها.
ـ عفواً، ولكنني شخصٌ عَلمانيّ ليس لي انتماءٌ دينيّ ولا أتحدد بهويةٍ دينية كائنةً ما كانت، وهذا لا يعني أنني لا أحترم معتقدات الناس أو إيمانهم، ثم كيف عرفتِ إلى أي دينٍ أنتمي؟
ابتسمت وقالت لي:
ـ وكأنك لستَ سوريّ! ألا تعرف أنه يكفي عندنا أن تسأل الشخص عن مدينته حتى تعرف بسهولة إلى أي مذهبٍ ديني أو طائفةٍ ينتمي؟
شعرتُ للحظات بثقل الجو، بل وبالاختناق وتساءلتُ في نفسي هل نتوجه نحن حقاً إلى باريس أم إلى أفغانستان؟ كدتُ أن أتوجه إليها بالسؤال عما تفعل إذن في بلدٍ "كافرٍ" كفرنسا وما هي طبيعة تلك "الدكتوراه" التي تُحضِّرها؟ وكيف تفهم البحث العلميّ؟ ولكنني عدلتُ عن ذلك عندما تذكرت أنها ليست الوحيدة في ذلك، بل هي حال معظم طلابنا. مرَّت في ذهني بعض الأمثلة مثل شريط السينما فتذكرتُ ذلك الزميل "الدكتور" الذي كان يعاشر فرنسية رفض الارتباط بها لأنها "عاهرة" حسب وصفه بينما سيعود إلى الوطن ليبحث لنفسه عن زوجة "صالحة" "عفيفة" "طاهرة" لم تلمسها يد رجلٍ قبله. عادت إلى ذهني ذهنية ذلك الطبيب الذي جاء ليكمل اختصاصه في باريس مصطحباً معه زوجته المحتجبة والتي كان يقفل عليها باب البيت ويأخذ المفتاح عند ذهابه إلى المَخبر. عاد إليّ كلام الطالبتين اللتين تفتخران بأن الدكتوراه العلمية التي تحضرانها لم تمنعهما من هداية بعض الفرنسيين إلى الإسلام وتعليمهم القرآن والصلاة في إحدى المدارس الدينيّة في إحدى مدن الجنوب الفرنسية. عادت لتطرُّق رأسي تلك الإميلات اليومية والمُكرّرة والتي تصلنا عبر آلاف الطرق من قبل أولئك الذين سيعودون بعد سنوات "أساتذة جامعات" والتي تؤكّد لك أنك ستذهب إلى الجنة إذا ما ردَّدت هذه الآية أربعين مرة قبل النوم وأرسلتها إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.
تذكرت في لحظة إشراق رفاعة الطهطاوي الذي جاء إلى فرنسا عام 1826 كإمام للبعثة العلمية التي أرسلها محمد علي، كيف عاد إلى مصر مثقفاً مُستنيراً مُعجباً بحداثة الآخر وانفتاح حضارته مدوناً آراءه تلك في كتابٍ "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" الذي يعد أحد أهم بواكير إنتاجات النهضة العربية. وقد كان من العبث مقارنة الطهطاوي بحشود الطلبة والأساتذة التي تعجّ بهم جامعاتنا، بل والموفدين إلى جامعات الغرب. تساءلتُ بألم عن حالة التعليم العربي وكيفية فرز الطلبة والكادر التدريسي مُردِّداً في نفسي: يبدو أن هناك أشخاصاً محصنّين ضدّ المدنية والحضارة وإن لديهم مناعة تقيهم شر الانفتاح والتطوُّر وتمنحهم القدرة على مواجهة كل قبس نور يمكن أن يهدد تعصبهم وانغلاقهم. تساءلت عن ثقافة التلقين والأدلجة والتجهيل التي تمتاز بها جامعاتنا التي تحولت إلى جوامع بسبب مثل هذه الذهنيات المصمتة لكثيرٍ من أساتذة الجامعات بما فيهم أولئك الذين درسوا في جامعات الغرب "الكافر" والذين لم يجدوا أمام حداثة الآخر سوى الانغلاق أكثر والإنكفاء على الذات والتمسك بالأصول والانتماءات الضيقة.
لقد أعادتني كلمات جارتي في مقعد الطائرة إلى الأرض لأكتشف مرّةً جديدة أنني أعيش داخل أفكاري وأنسى الواقع. لقد سقطُّ حينها سقوطاً حُرّاً من سماء الفكر لأرتطم بأوحال الواقع مُتذكِّراً بألم واقعنا المرير والجدران المُصمتة والعالية القائمة بين الانتماءات المذهبية والإثنية والعشائريّة في سوريا والتي يسهر الجميع على حراستها وتدعيمها بما فيهم أساتذة الجامعات والطلبة "أمل المستقبل". تذكَّرتُ كيف صرنا في مقدمة الدول التي تقع فيها جرائم "الشرف" وحقيقة استحالة الزواج بين الطوائف في سوريا وكيف يمعن المُشرِّع السوري في التأكيد على الهويات الدينية وتثبيتها والمفاضلة بينها. كنتُ أقترب أكثر فأكثر من الواقع الهزلي مع اقتراب الطائرة من مدرج الهبوط وهنا لمعت في ذاكرتي تلك الحادثة المُضحكة المُبكية التي حصلت معي في صباي؛ فتذكّرتُ نفسي وأنا أسير مع أحد أصدقائي عندما شاهدنا رجلاً تجاوز عقده السادس يجري وراء دجاجةٍ مذعورة رامياً إياها بكل ما وقعت عليه يده من حصىً وعصي وعلب فارغة ناعتاً إياها بالعاهرة والقحبة والكلبة والزانية. كان حقد الرجل على تلك الدجاجة المسكينة أمراً مُثيراً للفضول فلم أستطع منع نفسي من الاقتراب منه وسؤاله عن سبب جنونه الغريب:
ـ يا عم ماذا فعلتْ هذه الدجاجة حتى تستحق منك كل هذا؟
فقال لي دون أن ينظر في عينيّ:
ـ تلك القحبة. أقلةُ ديوكٍ عندنا حتى تذهب إلى ديك ذلك المسيحي الكافر؟!!!
يبدو أن التعصب قد تجاوز عندنا نطاق البشر ليفرض قوانينه على الحيوانات العاشقة. أوليس علينا بدلاً من ذلك أن نتعلّم من الحيوانات أن الطبيعة قد ساوت بيننا؟
حطت الطائرة "بسلام" في مطار أورلي وأخذ المسافرون يستعدون للنزول، بمن فيهم جارتي في المقعد، بينما كنتُ أواجه أنا حادث الطائرة ذاك مُلملماً أفكاري المُتناثرة هنا وهناك ومحاولاً إطفاء الحرائق التي اشتعلت في رأسي. لملمتُ نفسي على عجل وتعجلتُ النزول قبل جميع الركاب الذين لم يتفهموا سؤالي الغريب لهم عن أقرب مخرجٍ للنجاة…
