محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (5)

عرفت الأستاذ الجابري بطريقين، وعاينته في مجلسين، أولهما خاص عند شخص كانت لنا معرفة مشتركة به، والثاني عامّ هو ذاك الذي عرفه به أغلب أقراني من الطلبة. ولأنّ محمد عابد الجابري ما كان يحب أن يقدّم نفسه إلا كأستاذ، ولأنه – بدافع من بعض الزهد والتعفّف – ما كان يقبل بما هو "خاص" في الحديث عنه؛ فإنّي لن أتعدّى ذكر ما رأيته من الجابري الأستاذ. على أنّ حديثي متعلّق بتجربتي الذاتية، وزاوية نظري الشخصية، والأكيد أنّ لكلّ واحد ممّن عرفه أو درس عنده رؤيته الخاصة.

أوّل مرّة سمعت اسم الجابري كنت تلميذا بالثانوي وكانت المؤسّسات التعليمية ما تزال بها مكتبات تعير الكتب للتلاميذ، وحصل أن كان بين رفوفها كتاب "نحن والتراث"، فاستعرته. ورغم أنّي ما فهمت الشيء الكثير من الكتاب- وما كان لي في تلك السنّ أن أفهم – إلا أنّ انطباعا حصل لديّ مما قرأت، وهو جدّية و"أهمّية" ما يقول الرجل، فنال عندي حظوة، وتقوّت تلك الحظوة حتى كادت تلامس التقديس، وإنّني أزعم أنّ بعضا من تلك القداسة ما يزال يسكنني اليوم.

                                                                         

سيشتدّ عود الفتوّة، وسيشاء الحظ أن ألج شعبة الفلسفة بالرباط، وأن أحضر دروس الرجل، وسأراه ماثلا أمامي حيّا يسعى، تماما كما تصوّرته، طودا وقورا هادئا، يفرض عليك احتراما وهيبة، فقد كانت للجابري هيبة وجلال؛ ولهذا فقد نختلف معه فكريا، وقد نفترق في تقويم تراثه، ولكن لا يمكن لمن عرفه، في اعتقادي، ألا يجلّه ويحترمه.

وسأدرك وأنا طالبه شيئا آخر فاجأني، وهو أنّ الجابري ليس مفكّرا "نجما" كما قد نتصوّر، بل هو "أستاذ"، فمحمد عابد الجابري في قاعة الدرس لا يكون "منظرا" ولا "مثقّفا"، بل يكون "مدرّسا"، ومدرّسا من طراز رفيع، وقد يتعجّب القراء إذا علموا أن هذا الرجل، بجلال قدره، كان يقرأ وإيانا نصوصا لمسكويه والرازي سطرا بسطر، ويصحّح لنا الشكل واللحن، كما أيّ مدرّس بالثانوي؛ زد على هذا أنه كان بمقدوره أن يبلغ لطلبته أي فكرة، ومهما بلغت من التعقيد "التقني"، بسلاسة تامة، ولهذا فإنك كنت تحس أنه يملك شيئا من حكمة  الفلاسفة القدامىوأبوّتهم، وأنّ به شيئا من معلّمي فرنسا بدايات القرن من أمثال آلان ودوهيم وديلبوس…؛ ولعل السبب في هذه الميزة يعود لطول اشتغاله بالتعليم الأوّلي والثانوي ولطول انشغاله بالنضال السياسي، فمحمد عابد الجابري هو مناضل سياسي بالمعنى القويّ، عاش مرارة الحصار ومضايقات الأجهزة في سنوات الجمر، وهذا ربما ما لا يعرفه عنه قراؤه المشارقة.

تنضاف لقيمة الجابري البيداغوجية هذه خاصية أخرى، وهي طبيعته الديمقراطية، فالجابري في سلوكه كأستاذ كان رجلا ديمقراطيا حقيقيا يؤمن بالشراكة في ميثاق المعرفة، ويؤمن بالقيمة الاعتبارية للطالب، ولهذا لم يسجّل عنه في مجموع مسيرته أن أساء لأحد، فما كان يعامل طلبته إلا بمنتهى الأدب، وبلغ به حسّ الشراكة هذا أن كان دائما، وفي بداية كل سنة، يترك لطلبته حقّ اختيار ما يرغبون في دراسته، ويلتزم هو بتقديم دروس فيما يرغبون به.

والجابري كأستاذ هو أيضا شخص صبور وطويل النفس، لا يغضب إلا نادرا جدا، وتلك طبيعته العميقة، وهذا ما يفسّر أنه لم يكن يهتمّ كثيرا لمن يتعرّض له بالنقد؛ وقد شهدت شخصيا مواقف كثيرة له في ذلك مع طلبته، إذ كان بعض الطلبة، بدافع من حميّة الشبيبة، يسعى لأن يجرّب "قوّته" مع المعلّم – وديدن الصغار أن تجرّب قوّة مخالبها بمناوشة الكبار- وذلك بأن يعارضه ويخالفه فيما يقول، فما كان الرجل يغضب أو يتبرم، بل يقبل ويناقش بصبر وأناة جميلين.

وصبر الجابري هذا وحنكته هو ما جعل منه، في نظري، رجل التوافقات، وهي الصفة التي اشتهر بها في السياسة كما في الفكر، وهذا ما يفسّر أن لا وجود لأعداء بالمعنى غير الشريف للجابري، فالرجل كان شريفا مسؤولا إلى أبعد الحدود، ففي السياسة مثلا ما عرف عنه أنه سعى يوما لاستوزار أو رياسة، بل كان ينفر من السلطة نفورا، و رفضه لجوائز كبار الرؤساء معروف، بل بلغ به الأمر – في فترة ما سمي بحكومة التناوب بالمغرب – أن أقفل هاتفه ولزم بيته، حتى لا يرضخ لضغط الرفاق ويقبل بالاستوزار.

والحقيقة أننا نحن كطلبة كنا نلمس هذا الزهد والنفور من قيم السلطة و"القطعيات" في سلوكه كأستاذ، فما حاول يوما أن يفرض علينا فكرة خاصة به، ولا أن يصدم أفهامنا بكلمة أو حكم جاهزين، وهذا في نظري ما يفسّر، من جهة أخرى، موقفه الحكيم من الإسلام ، فالرجل لم يكن يؤمن بأنّ المواجهة المباشرة والمواقف القطعية تُؤتي ثمارا، بل كان يعتقد بأن المهمة – مهمة النقد والتجاوز- تستدعي التروّي والعمل الجزيئي المضني من الداخل؛ كان يؤمن بأنه من غير الممكن تجاوز الإسلام إلا بالإسلام؛ تجاوز ما هو بدويّ وميت وقطعيّ في الإسلام، بما هو جماليّ وحيّ وحضاريّ فيه؛ ولهذا، فلم يكن بمستطاعك كطالب أن تستشفّ موقفه الشخصي من القضايا العقدية، لم يكن بمقدورك أن تحكم بشأن إيمانه مثلا، لأنّ هذا السؤال في نظره – ربما – لم يكن حاملا لقيمة، وكأن لسان حاله يقول ما قال الفلاسفة "الحيَوِيون" الأوائل، من كون المشكلة ليست في الإيمان بالله أو بعدمه، بل في الإيمان بالعالم و بالحياة.

والجابري في موقفه من الإسلام هذا كان يعطي دروسا ملموسة عملية، وأذكر في هذا السياق أن أحد الطلبة ذات مرّة تدخّل تدخّلا عنيفا حاول فيه "انتقاد" توفيقيّة الجابري وموقفه "الملتبس" من الدين، وكرّر القول حول طابوهات الإسلام (الجنس والسلطة والدين)، وهو تدخل جعل الأجواء تتوتّر قليلا، وانتظرنا نحن الحاضرين أن يكون ردّ الأستاذ قويّا، خصوصا أمام عنف الطالب، غير أنه لم يفعل، بل أطرق ونظر إلى طالبه بابتسامة صادقة لا مكر فيها وأجاب :

ماذا تعرف عن الجنس في الإسلام يا  بنيّ؟ طيّب، هل أنت متزوّج؟

بُهت الطالب واضطرب، وأجاب بالنفي.

– تزوّج إذن، و إن تزوّجت، تزوّج شابة في مثل سنك، لأنّه جاء في الحديث النبويّ أنّ على من يرغب بالزواج أن يتزوّج شابّة صبوحا،"لتداعبه ويداعبها"، وفي الحصة القادمة ذكّرني أحك لك عن معنى المداعبة في الإسلام". فانفرجت الأجواء، وضحكنا أجمعين.

ولأن للأقصوصة أو النكتة anecdote "قوة فلسفية" منذ نيتشه، فإني أزيد حادثتين اثنتين تلخّصان طبيعة أخلاق الرجل، وطبيعة علاقته بالدين والناس؛ الأولى حكاها أحد أقربائه – والعهدة عليه – والثانية عشتها بنفسي مع طالبين آخرين.

حكى القريب أنه بمناسبة زواج عائلي ما أحضر الجابري بعض "الطُلبة" إلى بيته، تماما كما يفعل أغلب الناس (الطُلْبَة هم حفظة القرآن الذين يقرؤونه في المناسبات، ويحظون بتوقير وتبجيل) فبدأ الحُفّاظ بقراءة الآيات الكريمات، ثم بعدها صمتوا وانبرى أحدهم لتفسير وتحليل بعض الآيات كما يفعلون أحيانا، فما كان من الجابري إلا أن دخل المجلس وصاح في الفقيه بأدب وحزم "آآ لفقيه، قرى وسكت، آش داك لشي تفسير؟" ( أيها الفقيه، اقرأ الآيات التي أمامك واصمت، مالك ومشاكل التفسير؟).

الحادثة الثانية عشتها شخصيا؛ كنا ندرس عنده في آخر موسم درّس فيه الإجازة، وكانت حصته، ومنذ مدة طويلة، هي الجمعة صباحا، من الساعة التاسعة إلى العاشرة والنصف، وكان يأتي بسيارته من البيضاء إلى الرباط، وهي مسافة ليست باليسيرة، وكان عيد الأضحى قد اقترب، وأغلب الطلبة سافروا لقضاء العيد رفقة ذويهم، لأنهم من مدن بعيدة، وكنا نحن ثلاثة طلاب فقط حضروا يومها، وجاء الرجل كما عادته وفي نفس الموعد، التاسعة صباحا، اضطربنا وأصابتنا حيرة، فهذا الجابري بجلال قدره يحضر من مدينة تبعد بمسافة مائة كيلومتر ليلقي درسه، وهو مريض وفي الستين وبعض السنين من عمره، فكيف لا يجد غير ثلاثة طلاب؟ انتظرنا أسوأ الردود وأوخم العواقب. دخل الأستاذ وحيّانا، ونظر في أرجاء القاعة فلم يجد غيرنا، سألنا مستفسرا :

أين بقية الطلاب؟ فصمتنا حرجا وخجلا من فعلة زملائنا، وبدأ بعضنا في تأتأة الجواب، فما كان من "الأستاذ" الذي كان إلا أن قال، وبهدوء بالغ : أكيد أنّ مناسبة العيد التي اقتربت اضطرتهم للسفر ولعدم الحضور، فأغلبهم من مدن بعيدة "الله يكون في العون"، لن نضيع حقهم في الحصة، نؤجل بعد العطلة، عيد مبارك سعيد.

وقفل راجعا إلى الدار البيضاء في سيارته الصغيرة.

      ****

الأستاذ محمد عابد الجابري؛ المعلم؛ ما من أحد منا لا يدين لك بشيء، وما أظنّ أحدنا يوما يقدر على ردّ الدين، فوداعا أيها "الهزبر"، فقد كنا نسمّيك ونحن طلبة بـ "الهِزَبْر".

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This