الحياة الجامعية في سوريا: إضاءة على واقع مزرٍ
التضامن الشبابي في تراجع
إنّ الخوض في مواضيع وقضايا تتعلق بالشباب لأمرٌ ذو أسىً وشجون. لذا يصعب على متناوليها وتحديداً من فئة الشباب التزام الحياد الكامل. أليست مشكلاتهم وهمومهم الشخصية؟. زيادةً على ذلك لا يخلو تناول أيٍّ من القضايا الشبابية من بعض التعقيد والتركيب، ومبعثه فيما أعتقد أن من هم في سن الشباب يمثلون جميع طبقات وشرائح وفئات المجتمع الموجودة دون استثناء في أي مجتمع كان. وهم في مرحلتهم العمرية هذه ينتمون إلى منابتهم الاجتماعية من جهة وفي الوقت عينه إلى فئتهم العمرية كمجموعة أو لأكون أكثر دقّة كشريحة اجتماعية تحمل جملة من الخصائص المشتركة فيما بينها من جهة ثانية.
ولا أظن نفسي مبالغاً في القول أنّ معظم الشباب في المرحلة التي لم يتسلل فيها بعد إلى أذهانهم الوعي الطبقي بشكل ما في مجتمعات تعاني أزمات اقتصادية مزمنة وفجوة هائلة بين القلة الغنية المسيطرة على ثروات البلاد وبين الأكثرية الفقيرة، أو حتى الفرز الطائفي في البلدان والمجتمات التي تعاني من الطائفية، معظمهم يعتقدون برهافة إحساسهم والحيوية التي تميزهم أن وحدة السمات التي تجمعهم في عمرهم المتقارب ذاك وبالتالي همومهم وهواجسهم المشتركة تكون أقوى من اختلاف المصالح وتعارضها بين الطبقات والفئات والطوائف التي ينتمون إليها. ولو كان هذا الاعتقاد إلى حين.
بكل أسف هذا الطرح يتراجع باطّراد كما سنرى في مجتمعنا وخصوصاً في جامعاتنا العتيدة. فالانسداد المزمن والمشكلات المتفاقمة على الصعيد الوطني وتغول السلطة وضعف المعارضة وغياب الاهتمام الجاد بالشباب من كليهما عزّز ثقافة الخلاص الفردي لدى الجيل الشاب، وأكملت الانقسامات الاجتماعية الطوق وأفرغت مرحلة الشباب من مضامينها المشتركة والعمومية لصالح الانتماءات القبل وطنية المتخلفة والهويات الجزئية على اختلافها.
وبعيداً عن كل الكليشيهات الجاهزة والتقليدية التي تتحدث عن "دور الشباب وأهميتهم" وأنهم "أمل الأمة ومستقبلها الواعد" و"عماد الأوطان" و و و… يبين لنا الواقع العربي يوماً بعد يوم تفاقم الأوضاع المزرية للشباب بصورة عامة، وللجامعات كحالة نخبوية مفترضة لشريحة أساسية منهم بشكل خاص.
ولأنني مواطن سوري وتخرجت من جامعة دمشق أقدم الجامعات السورية، ودرست في كليتها الأعرق: كلية الحقوق، سأتناول جوانباً لمستها وعايشتها خلال فترة حياتي الجامعية. وهي أي جامعة دمشق تعتبر إلى حد كبير نموذجاً يتشابه مع باقي الجامعات الحكومية سواء في سوريا أو البلاد العربية.
السلبية والتشرذم: جامعة . . لا تجمع!
بالعطف على ضعف المستوى العلمي وقلة الإمكانات العملية وتخلف المناهج والإدارات والهيئات التدريسية والذي سنتناوله في مناسبة لاحقة، فإن الوضع الراهن لطلاب الجامعات السورية وأعني الأكثرية الساحقة منهم كارثي بمعنى الكلمة، يتمثل ذلك بظاهرتين أساسيتين على جانب كبير من الخطورة تغلبان على سلوك واهتمام الطلبة وتسم بالتالي الحياة الجامعية عموماً: تتمثل الأولى بالسطحية والسلبية والفراغ الفكري والثقافي عموماً وبتسفيه القيم وانعدام القضايا المطلبية أو العامة، والعزوف واللامبالاة في الشأن العام، وتنميط الحياة استهلاكياً، وصولاً إلى أزمة الهوية وتقليد القشور من بعض المظاهر الغربية. تعاين لو تأملت في الجامعة شباباً يعاني اغتراباً قسرياً عن طموحاته وهمومه في ظلّ البنى الشمولية المتخلفة التي تحاصره اجتماعياً وسياسياً، يعالجه باغتراب اختياريّ عن اغترابه الأول، وهو خطر بنكوصه وسلبيته المفضيتان إلى الانطواء وعدم الثقة بشيء. الظاهرة الأخرى والتي تفوق الأولى خطورةً هي الارتداد نحو الأصوليات الدينية والانتماءات البدائية بتعبيراتها الطائفية وزواريبها العشائرية والقبلية لدى جميع الأديان والطوائف وتنمو بالتوازي والتداخل معها العصبية والتشنج القومي لدى القوميات والإثنيات دون استثناء، بحيث أصبحت العلاقات المبنية على أساس طائفي أو إثني والمشاجرات التي تعود في جذرها إلى الأساس ذاته أمراً مألوفاً واعتيادياً سواء ضمن حرم الجامعة أو السكن الجامعي. ويشمل الأمر الذكور والإناث على حد سواء. اللافت للانتباه أن التعامل مع مشاجرات من هذا النوع ينحصر فقط في الجانب الأمني دون أي محاولة لإزالة الاحتقانات التي تولدها حوادث كتلك، وما أكثرها. وليس خافياً أن ما سبق يندرج ضمن كونه امتداداً للأزمات والمشكلات التي يعانيها المجتمع السوري عموماً.
تبرز هنا إشكالية كبيرة: فالجامعة والحال هذه لم تعد المناخ الحيوي الوطني الجامع والتعددي الذي تنمو في ظله ثقافة الحوار والعقل المنفتح واحترام الآخر. إن سيطرة الفرز المتخلف والمكرّس سلطوياً الذي أسلفنا يمنع التلاقي والمعرفة المتبادلة بين المكونات السورية المتعددة التي يمثلها طلاب الجامعة والذي يساهم في حال كان موجوداً في التخفيف من حدة التناقض والتشرذم على الصعيد الوطني. يؤدي ذلك إلى تعزيز الأفكار المسبقة المشوهة في معظمها عن الآخر الشريك في الوطن بدلاً من معرفته والاحتكاك الإيجابي المتفاعل معه. وبدلاً من خروج الشاب من المرحلة الجامعية مفلتراً ـ إن جاز التعبيرـ من موروثاته السلبية التي دخل الجامعة حاملاً لها، تراه خارجاً وقد صقل تلك الموروثات وعززها في ممارسة أنواع التماهي مع الانقسامات الطولانية في المجتمع مفوتّاً فرصة التقارب والتعارف وتبادل الخبرات الاجتماعية مع شركاء الوطن والتي من المفترض أنها من النتائج الطبيعية للحياة الجامعية.
انعدام الاستقلالية: تنظيم طلابي ولكن . .
إن المتتبع لأوضاع طلبة الجامعات في سوريا سيلحظ انحصار الأنشطة الطلابية على تنوعها واختلافها في الأطر الرسمية التابعة لسلطة حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم، ممثلةًَ بـ "فرع الجامعة لحزب البعث العربي الاشتراكي" من جهة و"الاتحاد الوطني لطلبة سوريا" من جهة أخرى. حيث أنه على سبيل المثال لا الحصر ستحتاج أي رحلة ترفيهية أو حفل فني أو حفلة تعارف إلى الإذن والموافقة المسبقة من الجهتين المذكورتين وسيخضع النشاط المقام إلى الإشراف المباشر لمندوبي تلك الجهات. حتى لو كنتَ شاعراً وأردت مع مجموعة من زملائك الطلبة إقامة أمسية شعرية في حرم الجامعة فلا بد من انتظار مناسبة قومية أو حزبية ليقام النشاط الأدبي المفترض "احتفالاً بأعياد كذا يقيم فرع جامعة كذا لحزب البعث …" أو بصيغة ثانية "بمناسبة ذكرى كذا يقيم الاتحاد الوطني لطلبة سوريا …" ولا داعي للحديث عن الرقابة المسبقة للنصوص الأدبية التي ستقدم والتدخل بالحذف والمنع الخاضع لمزاجية الرقيب ومزايداته. بالتالي فإننا لن نجد أي نشاط شبابي منفصل عن الرقابة المباشرة منها وغير المباشرة سواءً من قبل الجهتين الوصائيتين المذكورتين أو من قبل الأجهزة الأمنية المتعددة والتي يوجد في كل منها قسم خاص بالطلاب.
ولا يتوانى الاتحاد الموقر وقيادته الوفية عن الزج بطلبة الجامعة في مهام أمنية داخلية ـ ضمن الجامعة ـ أو خارجية تعبوية. فالوشاية وكتابة التقارير صك عبور إلى الهيئات الطلابية، وسوق الطلاب بالآلاف ليقمعوا بالعنف اعتصاماً سلمياً للمعارضة الوطنية الديمقراطية في ساحات دمشق واجب وطني!.
إنّ جامعة فاقدة لاستقلاليتها بكل المعاني لن تكفل لطلابها المستقيلين بدورهم والمستباحين أمام أجهزة السلطة كغيرهم أدنى هامش لحرية النشاط الطلابي أيا ًكان نوعه.
العلاقات بين الجنسين: جدلية الكبت والحاجة
إن التعليم ما قبل الجامعي في سورية يقوم في معظمه على الفصل بين الجنسين. لا تتوفر لديّ إحصاءات دقيقة لكن المعلومات والخبرة الشخصية تؤكد ندرة المدارس المختلطة بل وانعدامها في بعض المناطق. بالتالي فإن مراحل أساسية من تطور ونمو المراهق/المراهقة الجسدي والنفسي يتم بعيداً عن الجنس الآخر في مجتمعات مكبوتة أصلاً تفتقد إلى التربية الجنسية وتصنفها في خانة العيب والحرام.
ينتج عن ذلك أن تستحوذ على عقل كل من الشاب والفتاة الأفكار المشوشة أو الخاطئة عن الآخر المدعومة بالموروث البالي المتخلف الذي يُشيطن (من الشيطان) العلاقة بينهما ويؤثمها طالما أنها خارج إطار الزواج. لا صداقات بين الجنسين ولا ثقة بين آدم الطالب وحواء الطالبة. لتصبح المرأة جسداً مشتهى وغاوية بل وعاهرة والرجل ذئب وصياد وغادر يغلف كبته وحرمانه وشهوانيته بأخلاقٍ زائفة أو بتحرر مدّعى.
المعطيات السالفة بقدر ما توضح طبيعة العلاقات السائدة في جامعاتنا فهي ما تزال تحكمها وتتأصل مع زيادة انتشار سرطان الأصوليات الدينية. في أحد المؤتمرات الطلابية التي حضرتها منذ سنوات في كلية الحقوق بجامعة دمشق أذكر أن مجموعة من الطلاب قد اقترحوا أن يتم الفصل بشكل كامل بين الوحدات السكنية التي تضم الطالبات وتلك الأخرى التي تضم الطلاب بحيث لا يلتقي الذكور والإناث لا في المرافق كالمكتبة أو المقصف بل وحتى المداخل والطرق ضمن المدينة الجامعية لمنع الاختلاط وقطع الطريق على الرذيلة. المفارقة أن أصحاب الاقتراح ليسوا من كلية الشريعة ولا من طائفة واحدة، وأن هذا الاقتراح لاقى صدىً إيجابياً لدى عدد من الطالبات. لم يمرّ ذلك الاقتراح لكن والحال هذه لا ضمانات لعدم وضعه موضع التنفيذ في قادم الأيام. أمر آخر تجدر الإشارة إليه وتزخر به مدننا الجامعية وهو السلطة الذكورية التي ترافق طالباً من منطقة ما أو قرية ما على الطالبات القادمات من نفس المكان. سلطة لا تقف عند التدخل في شؤون الفتاة الدراسية وعلاقاتها وخياراتها فقط بل يصل أحياناً إلى منعها من التدخين في مقصف الجامعة مثلاً لأن ذلك عيب!.
مع ذلك كله تحصل اختراقات واسعة لمنظومات التخلف تلك وتنشأ علاقات مهمة بين الجنسين على مختلف المستويات تتسرب تدريجياً إلى خارج المدينة الجامعية بحثاً عن أماكن أكثر حرية لكنها تخضع لاعتبارات الوعي والوضع الاقتصادي لأطراف العلاقة في تحديد مآلاتها أياً يكن نوعها أو عنوانها فيمكن أن تجد عينات من كل الأنواع سواء كانت علاقات حب أو صداقة أو دعارة أو استغلال أو زمالة دراسة أو حتى مختلطة بين بعض ما سبق في عدة الحالات. جميع تلك النماذج مرشحة لتنتهي (أو لتستمر) بالزواج أو الفضيحة أو حتى المضي بسلام وكأن شيئاً لم يكن.
تبقى هذه الاختراقات المذكورة محفوفة بالمغامرة والخطورة على الصعيد الشخصي أو العام لما قد ينتج عنها من أزمات نفسية وأعباء مادية وصولاً إلى الفشل الدراسي ويتحمل نتيجة ذلك كله ويدفع ثمنه الطلبة على المدى القريب والمجتمع في المدى الأبعد.
الخروج من عنق الزجاجة..هل هو ممكن؟
لا شك أن حلولاً لأي من المحاور السالفة لن تكون بمعزل عن التغييرات الشاملة التي يجب أن تصيب الحياة العامة في البلاد ككل على الصعد كافة السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية وطبعاً الاقتصادية لتنال الجامعة حظاً من ذلك التغيير الشامل. ولن يجدي نفعاً البقاء أسرى لذلك الحل الفوقي الحلم، البعيد المدى والمنال والغارق في الغموض والمجهول وإنما يجب تحميل الطلاب مهمة التحرك، ومن ورائهم قوى المجتمع المدني والمهتمون بالشأن العام كتاباً وسياسيين ومثقفين بالمشاركة والدعم لأي نشاط شبابي وطلابي.
إنها على عاتق الطلبة: مسؤولية البدء بالتحرك وأخذ زمام المبادرة واستعادة الجامعة لهم، وإن أحداً من متابعيها لم ينسَ بعد تلك التحركات النوعية والشجاعة التي شهدتها جامعة حلب قبل سنوات رداً على القرار الاعتباطي حينها والذي تخلت بموجبه الحكومة السورية عن التزامها السابق بتعيين خر يجي الكليات الهندسية ضمن الوظائف الحكومية. مراجعة تلك التجربة بما لها وما عليها والاستفادة من الأخطاء والإيجابيات ربما يكون مدخلاً مناسباً لبداية حراك جامعي مستقل يعيد الاعتبار للجامعة كمؤسسة للعلم والحرية، وطنية ومستقلة. والكرامة والاعتراف للطلاب كشريحة واعية ذات رأي وتأثير تمسك مصيرها وتدافع عن مصالحها. الهدف كبير والألم أكبر ويبقى الأمل صغيراً يستجدي رمقاً أو بعض نتيجة.
