الحب والتعطّش لمياه الوحدة
لِمَ تخافون الوحدة! ألا تقلقكم كلّ الأسرّة فتتوقون لمخدع الوحدة؟
للوحدة ستة اتجاهات أو سبعة، بل ليس للوحدة اتجاهات، للوحدة شكل المثلث أو المربع، بل للوحدة شكل الدائرة فلا زوايا ولا انعطافات ولا انكسارات، إنّما رحابة وطوعيّة مطلقة، للوحدة رئة تتنفّس محبّة، الوحدة لا تنزلق في ضيق الحواس الخمس لأنّها المطلق، الوحدة مجدولة مع الزمن حيث السّرمديّة ذات اللابداية واللانهاية.
في الوحدة تتكسّر كلّ المفاهيم، فلا أعلى ولا أدنى ، لا داخل ولا خارج. الوحدة نقطة تتلاقى عندها كلّ التفاصيل، ومنها تتبعثر الحياة، الوحدة صمتٌ يتجلّى عنه الكلام والإيقاع.
تتشظّى الوحدة باحثة عن كلّ جدير بسكناها، الوحدة تغريك بالنّوم في حضنها، لكنّك لن تجيد الغيبوبة فيها إنْ لم تكن مكابداً لها، الوحدة لن تهب صدرها لمَنْ يخافها، لن تكون لمَنْ لا يليق بها، لن تمسح شعر من يتعامل معها على أنها مؤقتة.
حينما تجفّ المياه، فمياه الوحدة كافية لدهرين أو ثلاثة أو أربعة. حينما توصَد الأبواب، ففي الوحدة كلّ الأبواب مكسورة. حينما تغلق النوافذ، ففي الوحدة كلّ النوافذ مشرّعة. مَنْ لم يعرف طعم الوحدة سيبقى أسير أوهامه.
هل شعرتم بالوحدة وأنتم وسط المئات من المُبتذلين؟ الوحدة تنقذكم من كلّ الضّجيج الذي تودّون النّزوح عنه. حينما تنفرج يداك لاحتضان الكون فأنت غارقٌ في الوحدة، وحينما تغمض عينيك ينبثق النور ليعلنَ الله عن نفسه فيك، وإذا ما تنشّقت الهواء من على قمّة جبل أو في أسفل الوادي ستشعر أنّ الوحدة هي الصّديق القادر على انتشالك من تعبك. الوحدة لن تمنح نفسها للرّاكضين، المُسرعين، لن تمنح نفسها للمشغولين بهموم يوميّة.
نخاف الوحدة إلا أنها مُبتغانا في كلّ شيء، فمن اتصالٍ بين جسدين كمحاولة للوحدة، و (الجنس أقرب صلاة إلى الله) كما قال "ابن عربي"، إلى عالِمٍ يبحث عن الوحدة وراء كل تلك الكثرة، إلى فيلسوف يفسّر العالم بردّه كلّه إلى فكرة، والفكرة وحدة ترجيحيّة تروي عطش فيلسوف قلِق، نهم لمعرفة الوحدة اليقينيّة، إلى متصوّف اختصر المسافات فالتصق بالكون و أعلن أنه والوحدة واحد كما يصف "ابن الفارض" حالته مع الوحدة:
و ما زلتُ إيّاها وإيّاي لم تزل
ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبتِ
الخرابُ سيرمي كلّ أسلحته إذا ما أدرك أنّ الوحدة بيته وملجأه، ستتحوّل الحرب إلى زهرةٍ بريّةٍ لو عرفت أنّ سببها هو جهلها للوحدة.
لا تحتاروا، لا تركضوا فالوحدة موجودة، لا تخافوها فهي لكم و أنتم لها، لا ترحلوا عنها، صادقوها، امنحوها أنفسكم، كي تمنحكم صيرورتها اللامتناهية، تصالحوا معها فالوحدة أنثى أبديّة الخصوبة.
طريق الوحدة سهلٌ ممتنع، والوحدة بسيطة لدرجة اللاشيء، معقدة لدرجة كلّ شيء، هي برزخ بين هذا وذاك.
أكثِروا من أحلام يقظتكم، استمعوا للموسيقى، أشعلوا الشّموع في معابد الطبيعة، توحّدوا مع ذواتكم حيث اللاتشويش واللاصخب، كونوا بكليّتكم، بروحكم المؤنّثة والمذكرة، عيشوا الأنوثة والذكورة الدّاخلة في تكوينكم فيتكشّف لكم طريق الوحدة رويداً رويداً.
لا تشغلكم الجزئيّات فثمّة كليّة هي وحدة حاضنة لكلّ الجزئيّات، فارتقوا إليها بشغفٍ وحب. لا تحزنوا على ما فقدتموه فكلّ الأشياء في الوحدة صائرة، لا تيأسوا إنْ فشلتم مع الحبيب فهو ينتظركم في الوحدة، لا تقلقوا إنْ لم تتزوجوا ولم تنجبوا فثمّة متعة ما بعدها متعة هي متعة الوجود، الذوبان في الوحدة. لا تنزعجوا إنْ أضعتم أموالكم ففي الوحدة لستم بحاجة إليها، لا تبكوا إنْ مات قريبٌ لكم فالممكن في الوحدة أهمّ من الخلود البائس، وها هو "طاغور" يوصي روحه بألا تخلّد:
يا روحي
لا تطمحي للخلود
بل استنفذي
حدود الممكن
لِمَ تخافون الله؟ لِمَ تصنعون كلّ تلك المسافات بينكم و بينه؟ فأنتم و الله من عجينةٍ واحدة، في الوحدة سوف لن نخاف الله، سنحبّه حبّاً مضاعفاً كما فعلت "رابعة العدويّة" حينما أعلنت عن حبّها له:
أحبّك حبّين، حبّ الهوى
وحبّاً لأنك أهلٌ لذاكا
الوحدة خمرة إلهيّة، كلما شربتم منها ازددْتم عطشاً، فالشّوق دائم الاشتعال، لا ينطفيء، والوحدة لا تريد من ينطفيء شوقه تجاهها، تريد من يشربها ولا يرتوي، ثمِلٌ كثمالة "البسطامي" في الحب التي تجرّ ثمالاتٍ لا متناهية:
شربتُ الحبّ كأساً بعد كأسٍ
فما نفذ الشّراب وما رويت
الوحدة لا تحتاج لأحدٍ أنْ يدافع عنها، الوحدة لا تكشف نفسها إلا لمَنْ قدّم نفسه لها هبة خالصة كحالة "الحلاج" حينما قال: (ربّي هؤلاء عبادك قد اجتمعوا على قتلي تعصّباً لدينك و تقرّباً إليك، فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا!)
الوحدة…………الوحدة…..
