مقترحاتٌ سينمائيّة لنهاية العالم وبدايته

يقول أدونيس في مستهلّ حديثه عن النهايات : «يتحدّث المفكّرون في العالم الغربيّ عن «النهايات» : نهاية الإنسان، نهاية التاريخ، نهاية العقل، نهاية الأخلاق، نهاية الدّين، نهاية الحبّ… الخ. هذا دليل أزمة، لا شكّ. غير أنّ الخبرة التاريخية توضح لنا أنّ هذه الأزمة كمثل سابقاتها. أزمة حيوية، لا ركود. أزمة تنفّس، لا اختناق». ومن هنا فإنّ شروع الكثير من المفكّرين في الغرب، في بضعة العقود الأخيرة بالحديث عن النهايات، تلك التي تستبطن بدايات وولادات جديدة، تشكّل ثورة على سابقاتها، وقد طال حديث النهايات معظم المجالات، ولم تبقَ السينما بمعزل عنها، كونها في جانب منها، تعدّ صدى لأفكار مجتمعاتها وطروحاتها، وفي جانب آخر باعثاً على التخييل والابتكار، أي أنّها لا تكفّ عن البحث في أراضي بكر، لتطرح الكثير من الأفكار الجريئة فقط، بل تنطلق بحرّيّة وتنفتح على المستقبل الذي تعالجه بطرق مختلفة، معتمدة تارة الخيال العلميّ، والنبوءة الدينيّة تارة أخرى، أو حتّى التخييل الأدبيّ الفنّيّ. أي أنّها تستغلّ الأزمة، تجعلها منتجة دافعة..

ظهرت في الآونة الأخيرة عدّة أفلام تقدّم مقترحات سينمائيّة لنهاية مُحتملة للعالم، تقدّم سيناريوهات كيفيّة انهيار الحضارة الحديثة التي بناها الإنسان، تضع نقطة في آخر السطر الذي بدأ الإنسان كتابته منذ آلاف السنين. ومن تلك الأفلام ما أنتجته هوليوود، ومنها ما أنتجته دول أخرى. منها : «2012» للمخرج السينمائيّ الأمريكيّ الجنسية الألماني المولد «رونالد امريش»، و»2012 الوثائقي». والفيلم الكوريّ «موجات المدّ – إعصار تسوناميّ» إخراج «يحرر جي جيون».

انطلق «2012» اعتماداً على نبوءة دينيّة، تنبّأ بنهاية العالم في العام 2012، وضع سيناريو النهاية، بداية النهاية، ثمّ رسم طرق الخلاص، أشار إلى الفساد الذي سيغلّف عمليّة الإنقاذ، وقد شمل الفضاء المعالَج له، الكرة الأرضيّة كلّها، ثمّ يكون في الوثائقيّ ما يدعم الفرضيّة ويؤكّدها، يطلق صافرة الإنذار التي لا يملك الناس إزاءها إلاّ الاستنفار العامّ الذي لا حلول معه، سوى انتظار النهاية، والاستبشار بمن سيخلّصون العالم من كوارثه.. في حين أنّ الفيلم الكوريّ «موجات المدّ – إعصار تسونامي» يصوّر اجتياح تسونامي لكوريا وتخليفه للكوارث هناك، حيث يجنّ البحر ويصطخب إثر زلزال مدمّر، يكون مركزه قريباً من مدن كوريّة شاطئيّة، يجتاحها، يقتل مئات الآلاف، يخرّب مدناً بأسرها.. ينذر بنهاية وشيكة، لا بدّ من أخذ الحيطة والحذر إزاءها..

يحاكي «2012» الأسطورة الدينيّة بنوع من التحديث لها، فعندما حدث طوفان نوح، كانت سفينته سبيل الخلاص الوحيدة، وضع عليها من كلّ نوع زوجاً، اختار الخيّرين معه، وكانت العقوبة الإلهيّة التي طالت الفاسدين والمفسدين في الأرض، الذين لم يكونوا يولون نوحاً انتباههم، ولا يستجيبون لتحذيراته بتمثّل دعواته بوجوب إصلاح أنفسهم ومجتمعهم، فكان جزاؤهم أن قضي عليهم بإغراقهم، بإنهاء كلّ ما بنوه، وإعلان بداية جديدة، يكون نوح مؤسّسها الأوّل، يبني قاعدة سليمة لعالم مثاليّ، تننتفي فيه المفاسد، التي هي جزء أساسيّ من الفطرة الإنسانيّة. في الفيلم يكون قبطان سفينة الخلاص المخلّص، أو أداة التخليص، الولايات المتّحدة تتمثّل دور المخلّص ببنائها سفناً عملاقة، تضع عليها جميع الأنواع الموجودة على الأرض، كي تحافظ على مكوّنات الأرض في بدايتها التالية. تقود الولايات المتّحدة سفينة الخلاص، تجعل من نفسها الجانب الخيّر، كونها الأقوى والأقدر على التخليص والإنقاذ، والأجدر بذلك، مع تصوير بعض مظاهر الفساد التي تتخلّل عمليّة الإنقاذ. والحرص على أن يبقى رئيسها الأسود مع شعبه، يضحّي معهم، على عكس الرؤساء الآخرين الذين يسارعون إلى الهروب بجلودهم إلى السفينة..

يلتقي الفيلمان بنوع من «التناصّ» السينمائيّ، حيث كلاهما ينطلق من فكرة مائيّة، أي يعود إلى مرحلة البدايات الأولى، التي كانت مرحلة العَماء، المرحلة التي يغزو فيها الماء كلّ شيء، ويكون العنصر المكوّن للأرض، أحدهما ينطلق من انفجار بركان، والآخر من حدوث زلزال، لكنّ المجريات تتشابه في بعض النقاط، سواء أكان عبر شخصيّة العالم الذي يحذّر ولا تلقى تحذيراته آذاناً صاغية عند المسؤولين، أو عبر إيجاد قصص حبّ تقاوم الأعاصير والزلازل، وتصمد في وجهها، كأنّما يكون الحبّ حاجز الدفاع الأوّل في وجه الكوارث الطبيعيّة، ذلك أنّ الحبّ ينتج التسامح الذي يقف حائلاً دون تصعيد الحروب، ولكن هيهات ذلك في عالم تحكمه قوى جعلت همّها الأوّل والأخير استنزاف الآخرين بذرائع شتّى. ثمّ أنّ الفيلم الكوريّ يحاول أن يخفّف من المأساة بإدخال بعض الخطوط الكوميديّة، حيث تتمتّع الشخصيّات بحسّ الدعابة، سواء كانت ذكيّة أو غبيّة أو متغابية، كأنّما يتّخذ من الدعابة وسيلة مثلى لمواجهة المآسي.

يكون بالتزامن مع تلك الأفلام فيلم «آفاتار» للمخرج جيمس كاميرون، الذي بلغت كلفته الإنتاجيّة مبالغ ضخمة، يطرح بدوره أفكاراً خياليّة، يكون فحواها قيام الإنسان الأمريكيّ بتخليص الكون من الدمار الذي يخلّفه أخوه الإنسان، يحمي ذاك الخيّر، المعوّق، العوالم الأخرى، يعيش بين العالمين، يأخذ منهما الجانب الأفضل، يكون همزة الوصل الإيجابيّة، يحرص على تقديم العون والمساعدة للعالم الذي وجد نفسه واحداً منه، ولم يستطع التخلّي عن إنسانيّته، يكون الاحتفال بنوع من الشعائريّة، وعودة إلى الطقوس الدينيّة، العودة إلى إله مفترض، متخيّل علميّاً وفنّيّاً، غير متمثّل أو متجسّد، يعمّ الفضاء، يحتلّ الحيَزات كلّها، يتواجد في العوالم المتعاركة بالسويّة نفسها، يمثّل الخير، يوصي به، يبقى متفرّجاً، يستجيب عندما يجدّ المرء، يخذله إن استكان وخنع. أي أنّ الجدّ والعمل ينوبان محلّه، إن وُجدا وُجد، وإن غابا تغيّب.. حتّى وإن أظهر بعض المعجزات يكون للكائن يد فيها، أو هو الذي يضفي الإعجاز عليها، حين لا يحاول أن يبحث لها عن صيغ أو جذور أو احتمالات..

أمّا موقع العربيّ في تلك المقترحات السينمائيّة..؟! فذلك رهن بالتصوّر المسبق والحكم السالف عليه، حيث يقدَّم العربيّ، «أمير عربيّ، يرتدي الزيّ التقليديّ»، في «2012» على أنّه ذاك المِزواج، الذي لا همّ له سوى تخليص نفسه وزوجاته الأربع معه، ولا يلتفت إلى المليارات التي يدفعها رشىً في سبيل ذلك. يقدَّم بصورة الجاهل البليد، الذي لا يعنيه العالم من قريب أو بعيد، بل يتواكل، يدفع، لينهمّ ويتفرّغ لإشباع غرائزه. يظهر على سفينة الخلاص، وزوجاته الأربع منقّبات يسرن خلفه، يتطاوس أمامهنّ، لأنّه سيكون المؤسّس الأوّل بعد الطوفان المدمّر..

وبعد، هل ينبع الانهمام العالميّ بنهاية العالم وبدايته المفترضة من استفحال الأزمة..؟! وإن كانت هنالك أزمة، ما نوعيّتها، وكيف تكون..؟! هل هي أزمة منتجة، أم أزمة مُشلّة..؟! تكثر المقترحات السينمائيّة، تتضاعف الإيرادات، يجتهد الآخرون في الإبداع وعرض المشاكل المتوقّعة، واقتراح الفرضيّات للحلول، ونبقى في العالم العربيّ متفرّجين نتحدّث عن أزمات الآخرين، ونسهو عن التأزيم الذي نعانيه، ويشلّ الطاقات كلّها..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This