ردّ العلمانيّة إلى العالم (2/2)
{{براكسيس علمانيّ:}}
في ثمانينات القرن التّاسع عشر، رفض الكثير من المحلّفين في المحاكم الفرنسيّة أن يقسموا باسم الرّبّ (“أمام الربّ”)، ورفض الكثير من الشّهود رفع أيديهم أمام يسوع. وتفيد بعض المراجع التّاريخيّة حصول 61 حادثة رفض للقسم أو احتجاج عليه بين شباط 1882 وشباط 1886. هؤلاء الذين احتجّوا على فرض المعتقد الدّينيّ في المحاكم اضطرّوا إلى التّنازل عن مصالحهم، ومنهم من دفع غرامة مالية نتيجة احتجاجه.
حذفت عبارة “أمام الرّبّ” من جملة القسم في 23 ديسمبر 1972، أي أنّ الإصلاح العلمانيّ المطلوب جاء بعد حوالي 90 عاما. (انظر في ذلك مقال : Jacqueline Lalouette, Expulser Dieu : la laïcisation des écoles, des hôpitaux et des prétoires، مجلّة “كلمات” Mots، 1991، عدد 27، ص 35.)
لكنّ الذين تمرّدوا على القسم الدّينيّ في المحاكم لم ينتظروا تغيير القوانين حتّى يجسّدوا مسعاهم إلى العلمانيّة. يتعلّق الأمر هنا بـ”براكسيس”، ونقصد بالبراكسيس الفعل المخصوص الذي تسنده الفكرة، والفعل الذي يقاوم الإكراهات، ويغيّر الإنسان والمجتمع بإحلال الغاية والرّغبة المبدعة محلّ الأسباب الدّافعة.
فآليّة الفصل بين الدّين وأجهزة الدّولة لم تنشأ نتيجة قرار سياسيّ أو نتيجة ثورة تلغي القديم دفعة واحدة بأوروبّا، بل نتيجة تجارب حرّيّة مصغّرة، قاومت هيمنة الدّين المؤسّس قبل أن تتحوّل العلمانيّة إلى واقع تشريعيّ. إلى جانب الحراك الفكريّ المطالب بالفصل العلمانيّ، كانت هناك أفعال فرديّة، أفعال مقاومة هي التي سرّعت الإصلاحات العلمانيّة. فقد كانت علمنة المدارس والمستشفيات والمحاكم بفرنسا نفسها، عسيرة، وقد انجرّت عنها ردود فعل عنيفة أحيانا من قبل المتديّنين، وكانت علمنة للإطار العامل والأمكنة، أي تعويضا تدريجيّا للرّهبان بالموظّفين، وللصّلبان والرّموز الدّينيّة بتماثيل وآثار فنّيّة.
{{
“فطّارين رمضان بلا تفلسيف”:}}
لو فتحنا أعيننا صوب المعيش العلمانيّ الرّاهن ببلداننا، لوجدنا ما يضاهي هذه التّجارب المصغّرة. وسأقدّم مثالا على ذلك من المغرب الأقصى.
“فطّارين رمضان بلا تفلسيف” كان أحد شعارات المجموعة التي نظّمت، عبر الفايس بوك ثمّ في الواقع، تظاهرات للاحتجاج ضدّ تجريم الإفطار في رمضان بالمغرب. سلاح المجموعة التي سمّت نفسها “الحركة البديلة للدّفاع عن الحريات الفردية” لم يكن متفجّرات، بل “سندويتشات” حملها شبّان يطالبون بإلغاء الفصل 222 من القانون الجنائي المغربيّ. “بلا تفلسيف” ربّما تعني تبنّي هؤلاء الشّباب أسلوبا في العمل مختلفا عن الأساليب المعتمدة : لعلّهم استلهموا تجربة مبدعي الأوضاع situationnistes باختيارهم النّزهة وهذه الطّريقة في جعل قيمهم معيشة. (هذا الرّبط بينهم وبين مبدعي الأوضاع، أفادني به الكاتب المغربيّ إدريس كسيكس، مشكورا). وهم على أيّة حال يعملون في العلن، ولا يخفي المحقَّق معهم هويّة رفاقه، وليست لهم رغبة في الهجرة، ولا في لعب دور الضّحيّة رغم تعرّضهم للقمع البوليسيّ والرّفض المجتمعيّ المحافظ.
“بلا تفلسيف” تعني رفض هؤلاء الشّبّان للشّعارات وللأدلجة البعيدة عن الواقع، ولكنّهم عمليّا يجسّدون مطلبا علمانيّا، هو مطلب حرّيّة المعتقد، وتبعا لذلك، المساواة بين كلّ المواطنين بقطع النّظر عن معتقداتهم أو عن تطبيقهم أو عدم تطبيقهم للشّعائر الدّينيّة. إنّهم بهذه الحركة قد وسّعوا مجال تطبيق المبدإ العامّ، حرّيّة المعتقد، بجعله متعيّنا دقيقا، متعلّقا بحرّيّة الإفطار أو الصّوم. ويبدو أنّ بعض الصّائمين تظاهروا معهم، رغم صيامهم، لأنّهم يؤمنون بحقّ غيرهم في عدم الصّيام.
هل تدلّ هذه التّجربة على وجود حراك علمانيّ مجتمعيّ واسع؟ لا أعتقد، فرغم مظاهر التّعلمن الصّامت الذي أشرنا إليه، تظلّ التّقاليد جاثمة بكلكلها على مجتمعاتنا، وتظلّ تجارب افتكاك الحرّيّة ذات طبيعة هامشيّة أقلّويّة.
وهنا نصل إلى بيت القصيد، أو إلى المأزق. إذا كانت المحافظة غالبة على مجتمعاتنا، والعلمانيّة مرفوضة، فكيف نرى العلمانيّة والتّعلمن في كلّ مكان، عبر تلك الأمثلة والشّذرات المقدّمة سابقا؟ هل تمثّل هذه التّجارب إرصاهات بالتّغيير، تحدّد اتّجاه الحركة وأفقها، رغم كلّ قوى التّقليد والرّفض؟ وأيّ معنى نسنده للعلمنة والتّعلمن لا يؤدّي إلى إفراغ هذه المسمّيات من محتوياتها من جديد؟
{{
فتح العلمانيّة على الممكن:}}
العلمانيّة يمكن أن تحتمل معاني أوسع، وصيغا مختلفة. والمعيش العلمانيّ الذي حاولت أن أتحدّث عنه يشمل الأمرين الذين تعبّر عنهما بالفرنسيّة لفظتان مختلفتان : اللاّئكيّة laïcitéوالعلمنة sécularisation. فاللّفظة الأولى تعني الآليّة السّياسيّة القانونيّة التي تؤدّي إلى الفصل بين الدّين والدّولة وبين الدّين والقانون، والثّانية تعني مسارات العلمنة التّلقائيّة، وهي مسارات ناتجة عن ديناميكيّة اجتماعيّة وثقافيّة تؤدّي إلى الانفصال أو الاستقلال عن الأديان المؤسّسة، أو إلى بناء علاقة أخرى بالعقيدة غير العلاقة التّقليديّة، وغير العلاقة الأصوليّة.
وهناك وثيقة أعتبرها علامة فارقة، هي “الإعلان العالميّ عن العلمانيّة في القرن الحادي والعشرين”، وقد أطلقه سنة 2005 أساتذة جامعيّون من 22 بلدا. ليست لهذه الوثيقة طبيعة قانونيّة بل رمزيّة، وربّما يكون إعلان من هذا القبيل أداة مكمّلة للمواثيق الدّوليّة في يوم من الأيّام. وأهمّيّتها تكمن في توسيع مفهوم العلمانيّة، وعدم تقييدها بالتّسمية، واعتبارها قيمة كونيّة لا تقتصر على حضارة بعينها، أو زمن بعينه. ينصّ البند الخامس من هذه الوثيقة التي صدرت بلغات مختلفة على أنّ “العلمانيّة ليست حكرا على أيّ ثقافة، وأيّ أمّة، وأيّ قارّة. إنّها يمكن أن توجد في سياقات لم تستعمل فيها هذه الكلمة تقليديّا. إنّ مسارات علمنة وجدت ويمكن أن توجد في ثقافات وحضارات مختلفة، دون أن تطلق عليها هذه التّسمية.”
ويتعارض هذا الإعلان مع الخطاب الماهويّ الاستشراقيّ أو الأصوليّ الذي يشترك طرفاه في الاستدلال على الاستثناء الإسلاميّ، أي على التّعارض بين العلمانيّة والإسلام. وفي بعض ما كتبه الدّكتور صادق جلال العظم عن “لا الصّراطيّة ونعم التّاريخيّة” ما يدلّ على أنّ الواقع السّياسيّ الإسلاميّ الفعليّ كان دائما متعلمنا، وما يبيّن إعراض هذه التّصوّرات الماهويّة عن الإسلام التّاريخيّ. (انظر “العلمانية من وجهة نظر صادق جلال العظم” وهو بحث في جزءين، منشور بشبكة العلمانيّين العرب).
يسمح لنا هذا الإعلان بالتّخلّص من “الاسمويّة” وبتوسيع دائرة العلمانيّة إلى صيغ أخرى تسمّي “العلمنة كسيرورة تاريخية وحضارية”، قد تكون “[جهادا في سبيل الدنيا كخيار بديل->http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9.html]”، حسب عبارة الأستاذ جورج طرابيشي. وتحويل وجهة “الجهاد” إلى الدّنيا يذكّرني بالرّئيس التّونسيّ السّابق، الحبيب بورقيبة، عندما رفع شعار “الجهاد الأكبر” باعتباره نضالا ضدّ التّخلّف، لأنّ التّخلّف هو العدوّ الأكبر بالنّسبة إليه. لكنّ لفظة “الجهاد” ربّما تبقى محمّلة بالمعاني السّلبيّة الحربيّة القداسيّة التي قد تعود فتعترض طريق الرّفع من شأن الدّنيا. لكنّ كلّ بناء لعلاقة جديدة بالدّين، تحرّر الإنسان من هوس الشّعائر ومن رفض المختلف، ومن الإصرار على اعتبار الكتب المقدّسة نصوصا تشريعيّة، وتُحرّر الفضاء العامّ من استعمال الدّين لغايات تجاريّة أو سياسيّة يمكن أن تدخل في باب العلمانيّة أو التّعلمن، وعلينا مواكبة هذه التّجارب وتسجيلها، لخلق نماذج يمكن أن يتماهى معها الشّبّان في مجتمعاتنا الشّابّة. علينا أن نفعل هذا من أجل علمانيّة إيجابيّة فاعلة لا تكتفي بالبكاء على ضياع العلمانيّة.
{{علمنة الوقاية من نار المقدّس:}}
وممّا يسمح به توسيع صيغ العلمنة، وتحريرها من النّماذج الأوروبّيّة المعروفة، استقطاب “علمنة” تلقائيّة توجد في المجتمعات التّقليديّة نفسها، وتتمثّل في جعل المقدّس على مسافة معيّنة من الأفراد والجماعات، وترمز إليها عبارة “أدّ الفرض وانقب الأرض”، وقد أفادنا أحد المعلّقين على [الجزء الأوّل من هذا المقال->http://www.alawan.org/%D8%B1%D8%AF%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89.html]، هو الكاتب السّوريّ شاهر خضرة، أنّ لهذا المثل مرادفا شاميّا هو “صلّي الفرض ونام بالعرض”. هذه الحكمة الشّعبيّة هي التي نجدها في حياة المسلمين غير المؤدلجين، وهي التي نقرأها في كتب الأدب القديمة إذ تصوّر لنا مسلمين يتناولون الغبوق ويعقدون مجالس اللّهو والطّرب والسّمر، ثمّ يتوضّؤون ويصلّون، أو يصلّون الفجر ثمّ يقبلون على الصّبوح… وهي التي سمحت بوجود حقول ثقافيّة مستقلّة عن الدّين إلى حدّ بعيد.
فما سبب ميل المجتمعات التّقليديّة إلى جعل المقدّس على مسافة من الأفراد والمجتمعات؟ سببه أنّ المقدّس حسب تشبيه روجيه كايوا Caillois كالنّار التي تدهش الطّفل وتخيفه وقد يقترب منها ليحترق. المقدّس هو مجال الخطر والممنوع الذي يمكن تعريفه بنقيضه الدّنيويّ، وهو مجال “الاستعمال المشترك، والأفعال التي لا تتطلّب أيّ حيطة، وهي تقع عادة في الهامش الضّيّق غالبا والمتاح للإنسان حتّى يمارس نشاطه دون إكراهات”. والمقدّس حسب ميرسيا إلياد Eliade “يظهر باعتباره واقعا من قبيل آخر مختلف عن كلّ الوقائع”.
هناك واقعيّة ما، وهناك مبدأ اقتصاد ومجهود أدنى، وظيفتهما حماية البشر من مطلقات المقدّس وإكراهاته وواجباته التي قد تتمدّد وتأتي على الحياة العمليّة. نار المقدّس تغري بالاحتراق أو الإحراق، وبالانخطاف إلى وهم ملتهب متوهّج وراء الواقع.
وظيفة جعل المقدّس وناره على مسافة من الأفراد والمجموعات اضطلعت بها المؤسّسة الدّينيّة. فهي التي تفرض زمنيّة خاصّة بالطّقوس، تجعل المؤمن يدخل في حالة إحرام ثمّ يخرج منها، وهي التي تفصل بين رجال الدّين وعامّة النّاس، لتخلق واسطة بينهم وبين المقدّس، عبر إدارة المقدّس، وهي التي تبدي الحذر من التّصوّف، لأنّ المتصوّف قد يتحوّل فراشة إلهيّة تلقي بنفسها على نار المقدّس. فالمؤمن، مهما كان عمق إيمانه، لا يمكن أن يبقى طويلا في حضرة المقدّس، ولا يمكن أن يبقى طويلا بلا حاجز يقيه من ناره المتوهّجة.
في العصر الحديث، لم تعد العلمنة تلقائيّة ولم تعد قائمة على جعل المقدّس على مسافة من الذّوات، بل أصبحت فلسفيّة سياسيّة وأصبحت قائمة على جعل الدّين المؤسّس كلّه على مسافة من الذّوات، بل ومن المؤسّسات الأخرى. ولذلك كانت الحداثة فقدانا لبداهة التّقليد وخروجا من الدّين وتفكيكا لمنظوماته. أدّى هذا التّفكيك للأديان إلى فقر رمزيّ وفراغ هو ما سمّاه ماكس فيبير بـ”زوال السّحر من العالم” ويعني به أفول نجم السّحر والدّين باعتبارهما واعدين بالخلاص، وانتشار الشّعور بالفراغ نتيجة تعدّد أنظمة الحقيقة. كأنّ الحماية التي كانت تقدّمها الأديان للمؤمنين حتى لا يحترقوا بنار المقدّس، زعزعتها قطيعات الحداثة.
إنّ ما مكّن من تقبّل هذه الخيبة وهذا الفراغ في العالم الغربيّ هو انفتاح مجال الفعل السّياسيّ، ووجود تراكمات ثقافيّة تسمح للأفراد المنعزلين بالتّماهي مع نماذج إيجابيّة غير النّماذج الدّينيّة. (انظر في ذلك [“الإسلام والتّحليل النّفسيّ”، فتحي بن سلامة->http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84.html]). أمّا في المجتمعات التي كانت تقليديّة ولم تنفتح فيها السّاحة السّياسيّة، ولم يحصل فيها التّراكم الثّقافيّ لسدّ فراغ القطيعات المختلفة، فقد جاء الحلّ من نار المقدّس.
لقد تمّ إخراج الإله من عرشه لإحلاله في الفضاء العموميّ، وكانت مطالب الإسلام السّياسيّ ومبدأ الحاكميّة الإلهيّة بالذّات تجسيدا لهذا الإحلال. ويتساوق قرب المطلق الإلهيّ من الأرض مع السّعي الحثيث إلى مطلق المثل، وهو سعي أقصى لا يجد حلاّ له إلاّ الموت باعتباره ملاذا أقصى. وقد كان الإرهاب الأصوليّ علامة فارقة على هذا الاقتراب الحارق للمقدّس. فالإيديولوجيا الإرهابيّة تفكّ التّضحية من عقال الطّقوس وزمنيّتها الخاصّة، وتحوّل النّاس إلى شهيد مقبل على الموت، أو أضحية مقبلة على القتل، بل إنّها أبدعت صورة الانتحاريّ الذي يجمع على نحو غير مسبوق بين الانتحار والشّهادة، وبين فاعل التّضحية وموضوعها. أمّا الأصوليّة القائمة على الرّغبة في التّطابق التّامّ مع النّموذج الدّينيّ، والالتزام التّامّ بالشّعائر، فإنّها تنبني على هذا القرب من المقدّس، لكنّه قرب لا يؤدّي إلى اقتران الموت بالحياة كما في الإرهاب الدّينيّ، بل يؤدّي إلى رفض منهجيّ للحياة وزينتها.
لكنّ الحياة البشريّة، وإن كانت تنبني على نظام رمزيّ وقيم، فإنّها تضيق بالمطلقات، والحلول القصوى لا يمكن أن تكون سائدة، ودائمة، لا لأنّها تولّد العنف وقد تتعارض مع السياسيّ ومع الدّولة كما هو شأن الإرهاب، بل لأنّها تخضع إلى مسار كفّ ذاتيّ يعتمل داخل الممارسة الدّينيّة المفرطة أو الأصوليّة، ويجعلها غير محتملة على المدى الطّويل لدى الفرد والجماعة. فكما يفرض منطق الدّولة نفسه على الواقع السّياسيّ، يفرض منطق الحياة نفسه على الواقع النّفسيّ والاجتماعيّ، بحيث يبدو التّديّن، لا سيّما المفرط، حاجزا هشّا لا يصمد أمام التّناقضات والمغريات. فالالتزام الدّينيّ كثيرا ما يكون عرضة إلى رياح الدّوافع الجنسيّة، تعصف به في كلّ آن، مهما أكثر المؤمن من النّسك والصّلاة، ومهما تمّ تشديد الحجب، وتوسيع محرّمات الزنا، ومنع الاختلاط. ومن المعروف أنّك إذا “طردت الطّبيعيّ، عاد إليك راكضا”، حسب المثل الفرنسيّ، ويمكن أن نضيف “عاد إليك في أقنعة أخرى”. وما تفيدنا به تجربة التّحليل النّفسيّ هو أنّ الصّراع الذي يعيشه المتديّنون بين الله والشّيطان، يمكن أن يزول قناعه ويظهر على أنّه صراع بين قوى النّفس الواحدة : بين الرّغبة والأنا الأعلى الصّارم مثلا. والأمثلة العياديّة التي قدّمتها سابقا، مع تغيير بعض المعطيات الطّفيفة حفاظا على السّرّيّة، هي شذرات من حالات موجودة في مصر، أكثر بلد متديّن في العالم حسب تقرير معهد Gallup الذي نشر في شبّاط 2009، وأكثر بلد تنتشر فيه علامات التّديّن، على نحو فوضويّ واستعراضيّ أحيانا.
{{قلب الأرضيّات:}}
إنّ ما نعتقده هو ضرورة “قلب الأرضيّات” إلى حدّ ما عند تحليل الواقع : ليس التّديّن المفرط وليست الأصوليّة الدّينيّة أرضيّة يندرج ضمنها مطلب العلمانيّة، بل أكاد أقول إنّ العكس هو الصّحيح : العلمنة هي أرضيّة لرفض العلمنة ورفض العلمانيّة.
فالواقع يبيّن أنّ عداء العلمانيّة لا يمكن أن يتمّ إلاّ في “العالم” وعلى مهاد علمانيّ، وفي اتّجاه علمانيّ بالأساس، وأنّنا على النّطاق العالميّ وعلى نطاق المنظومة القانونيّة الدّوليّة التي تنضوي تحتها كلّ الدّول، بما فيها دولنا، نعيش في زمن علمانيّ. فالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، والأدوات المكمّلة له لا تذكر كلمة “العلمانيّة” أو “اللاّئكيّة”، ولكنّها تنصّ على حرّيّات أساسيّة منها حرّيّة المعتقد، وتنصّ على المساواة بين النّاس بقطع النّظر عن اعتبارات منها الدّين والجنس.. وهذه هي المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها المطلب العلمانيّ. كيف ننسى أنّ الشّرعة الدّوليّة منظومة علمانيّة، وتفضي إذا ما تمّ احترامها إلى اعتماد صيغة من صيغ العلمانيّة؟ أليس المناهضون للعلمانيّة من الأصوليّين هم يتامى هذا العالم الحديث؟
وباستثناء خطاب الجهاديّين الرّاديكاليّين استثناء نسبيّا، تتحرّك الخطابات الأصوليّة عموما على أرضيّة فكريّة علمانيّة وتعتمد حججا علمانيّة. ولذلك فإنّ الإسلاميّين عندما يدافعون عن الحجاب في أوروبّا لا يلجؤون إلى الآيات القرآنيّة فحسب، بل يلجؤون خاصّة إلى مبدإ حديث هو حرّيّة الملبس، ويلجؤون إلى مبادئ حقوق الإنسان للاستدلال على سماحة الدّين، أو يلجؤون إلى العلم للاستدلال على الإعجاز العلميّ للنّصوص المقدّسة. كما يحتاج قطاع عريض من أنصار الإسلام السّياسيّ إلى النّموذج الدّيمقراطيّ لاكتساب الشّرعيّة السّياسيّة. وبصفة عامّة فقدت الأديان القدرة على أن تكون لها مرجعيّة ذّاتيّة في العصر الحديث، وأصبحت تحتاج إلى “عكّازات” من خارج الدّين، هي العلم أو الدّيمقراطيّة أو حقوق الإنسان. وهذه الظّاهرة ممّا يدلّ على “زوال السّحر”، وتفكّك الأديان المؤسّسة.
وبذلك قد تكون “عودة الدّينيّ” وهما بصريّا. يقول أوليفييه روا : “بهذا المعنى لا تكون عودة الدّينيّ سوى وهم بصريّ، ويكون من الأنسب أن نتكلّم عن تحوّل لا عودة. فالدّينيّ، في نفس الوقت الذي يكون فيه أكثر ظهورا، هو غالبا في أفول.”
وربّما يكون مردّ هذا “الوهم البصريّ” أنّ المدّ الأصوليّ بألوانه المختلفة مُمشْهد أكثر من اللّزوم، لسببين أساسيّين هما سياسة الإعلام الجماهيريّ المستجيب لحاجة النّاس إلى العواطف الدّينيّة في زمن تفكّك الأديان، واستراتيجيّة المنظوريّة التي تعتمدها القوى الأصوليّة، والسّببان يخدمان سياسة المنظوريّة. يجب أن يكون كلّ النّاس مؤمنين ومتديّنين، بالوعظ والتّخويف ونشر الشّعور بالذّنب، ولكنّ هذا غير كاف. فبما أنّ الإيمان لا يمكن معرفة باطنه ولا التّأكّد منه، فإنّ الآليّة المعتمدة هي آلية الوسم، وسم الفضاء العامّ لإثبات قوّة الدّين، بكتابة اسم الله في كلّ مكان، ونصب المآذن وأماكن الصّلاة في كلّ مكان، ووسم الأجساد وتحويلها إلى علامات، وهذا الوسم ينغرس اجتماعيّا بتمفصله مع ثنائيّة مذكّر/ مؤنّث : فللنّساء الحجاب والنّقاب، وللرّجال اللّحية أو اللّحية والزّبيبة التي يتمّ حفرها على الجبهة.
ربّما اخترت الحديث عن “المعيش” المتعلمن أو العلمانيّ لأنّ المدافعين عن العلمانيّة في البلدان العربيّة، وأنا منهم، إذا ما أمعنوا في تأمّل مشاهد “المدّ الأصوليّ”، وإذا ما تأمّلوا مشاهد بقاء دين الدّولة على ما هو في الدّساتير العربيّة، وثبات المرجعيّة الدّينيّة في “دولة الدين” أو في الدّولة الدّينيّة، تترصّدهم حالة كآبة ماليخوليّة علاماتها هي التّالية : مرارة وتقوقع للخطاب، قد يصل إلى الإعراض عن الواقع، وفي الحالات القصوى : متعة بهذه المرارة وهذا اليأس، وتمطيط لها عبر مواصلة التّحديق في الظّلام، وعدم التفات إلى الحراك الخفيّ الذي يؤدّي رغم كلّ شيء إلى تحوّلات داخل الأديان نفسها، وحركات تعلمن يخضع إليها المناهضون للعلمانيّة أنفسهم.
هذا التّهديد بالكآبة حقيقيّ حسب رأيي، وأشعر به كلّما يلقي الإعلاميّون علينا أسئلة توحي بأنّ العلمانيّين في بلداننا فصيلة بشريّة على وشك الانقراض : “ماذا بقي للعلمانيّة؟ “ألا تعدّ العودة القويّة إلى العنصر الدينيّ والتديّن إعلانا صريحا عن فشل تيار العلمانية في حياة الإنسان…؟” وأسئلة أخرى من هذا القبيل. وكأنّ هناك فواتا للأوان، عبّرنا عنه بـ”انتهاء الصّلوحيّة” يستشعره مناهضو العلمانيّة، فيسقطونه على العلمانيّة، فتنقلب الآية ويشعر العلمانيّون أنّ “انتهاء الصّلوحيّة” في جانبهم.
لكنّ الماليخوليا هي حالة فقدان الوهم، والتّشبّث به، أي عدم الحداد عليه. والعلمانيّة أو العلمنة بمعناها الأرحب ليست وهما بل واقع يتمّ إنكاره بشتّى الوسائل، والإنكار وسيلة دفاع قد تتضخّم وتفني الطّاقات، وهنا الإشكال الذي يستدعي الاهتمام بالمعيش وبالبراكسيس، بدل التأجيل -ذي الطّبيعة الدّينيّة الخلاصيّة- لعلمانيّة قد تتحقّق بين عشيّة وضحاها، كما تتحقّق القيامة والبعث.
هذا على الأقلّ ما حاولت بيانه، لا من باب التّفاؤل، وهو في حدّ ذاته فضيلة، بل من باب التّحديق في العالم الأرحب وأفقه : العلمانيّة من العالم، ويجب ردّها إليه، ومناهضة العلمانيّة رفض للعالم على أرضيّة العالم، فهي عرضة إلى التّعلمن.
