المهمشون والهامشيون (6)
المهمشون والهامشيون في المجتمعات العربية موضوع يصبّ في قلب المعضلات متعدّدة الوجوه لهذه المجتمعات، بل يضع اليد على جرح عميق يشعر به كلّ مواطن، عندما يحسّ أنّه حقاً يعيش حالة من الهامشية أو التهميش القسريّ في كلّ ما يتّصل بكينونته. دأبت التصنيفات والتحديدات اللغوية على تعيين أنواع المهمشين وتصنيفهم وفق مقاييس يتصل بعضها بالسوسيولوجيا، لجهة اعتبار الرجل الهامشيّ ذلك الفرد الذي ينتمي في واقعه إلى ثقافتين أو مجتمعين، فيعجز عن التوفيق بينهما وعن الاندماج الكلّي في أحدهما. وينظر إلى الهامشية من الزاوية الاقتصادية، وهو ما يغلب على دارسي التنمية وتعيين مقاييس الفقر في المجتمع، فتصنّف الهامشية في خانة ضعف الإنتاجية أو بدائيتها والعجز عن استيعاب التقنيات اللازمة من أبناء الشعب. وهذه النظرة الاقتصادية تولي اهتماما مركزياً لكون الهامشية نتاجا للنظام الرأسمالي بوصفه نظاماً مولدًا للفقر والاستغلال. وتذهب تعريفات أخرى لترى في الهامشية نتاجاً ومخلفات تركها النظام الاستعماري الذي تسبب في إفقار البلدان التي احتلها وخلق ملايين الفقراء والمعدمين.
إذا كانت التصنيفات السوسيولوجية والاقتصادية تتعمق في تعيين الفئات الهامشية في المجتمعات العربية، فتركز على الفقراء والعاطلين عن العمل و”البروليتاريا الرثة” وفق التصنيف الماركسي، والعاجزين عن الاندماج في مجتمعات هاجروا إليها، إلاّ أنّ التصنيف في هذه المرحلة من تطور المجتمعات العربية يجب أن يتسع ليرى التهميش في ما يتعدى الأفراد أو المجموعات ليطال الشعوب العربية في معظمها، التي تفرض عليها الهامشية من جوانب متعددة. يمكن القول إنّ العالم العربي في مجمله يعيش على هامش التقدم، إلى حدّ كبير، قياساً إلى ما أفرزه التطوّر العلمي والتكنولوجي، وما تركه من آثار وتحوّلات في الإنتاجية والثقافة والحياة السياسية والمشاركة. وهي هامشية تتحمّل مسؤولية في الإقامة الواسعة والمديدة لمجتمعات عربية في التخلّف، مقرونة بعجز عن الدخول في العصر.
لكنّ الهامشية الأساس التي تغلب على المجتمعات العربية، تلك المتصلة بتغييب غالبية الشعوب العربية عن المشاركة في الحياة السياسية واختيار الحاكم ومحاسبته، والقدرة على توظيف الثروات العربية بما يخدم مصالح المجموع العام. خلافا لوعود أنظمة الاستقلال لشعوبها إثر تحررها من الاستعمار، أو بوعود الانقلابات العسكرية في الأيام الأولى من حصولها وإطلاقها البلاغ الأوّل، الذي يضع في رأس الشعارات العودة إلى الشعب وحقّه في إدارة البلاد والانطلاق من أمانيه في الديمقراطية والتقدم.. خلافاً لكل ذلك، وعلى امتداد العقود الماضية، كرست أنظمة الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. كلّ ما يؤدّي إلى تغييب هذا الشعب عن المشاركة في الحياة السياسية، واختزلته بمجموعة من نخبها ورموزها الذين تحولوا طبقة مهيمنة، تحتكر السلطة والثروة وتوظفهما في خدمة مصالحها الخاصة ومصلحة زبائنها. هكذا تسبّب الاستبداد، ليس بوجود فئات هامشية معينة، بل بتهميش أوسع وغربة أشمل بكل معنى الكلمة. لم تعد الفئات المهمّشة تقتصر على الفقراء والعاطلين عن العمل أو سكان المخيمات وأحزمة البؤس وأحياء الصفيح.. بل باتت طبقات اجتماعية ومثقّفون وعاملون في القطاعات الثقافية والاجتماعية يشعرون أنهم حقاً يحيون على الهامش في مجتمعاتهم. هذا جانب أوّل.
جانب آخر يزيد من تفاقم التهميش والهامشية في المجتمعات العربية، ذلك الانفكاك في البنى الاجتماعية وانبعاث العصبيات العشائرية والطائفية والإثنية.. واحتلالها الساحة السياسية والاجتماعية والسعي الحثيث لإلحاق المواطن بمنظومتها. في ظل هيمنة الدولة وسيادة قوانينها، يشعر الفرد المواطن أنّ هناك مشتركاً يطال العامّ من المجتمع، في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأنّه رغم الهامشية التي يعيش فيها، يبقى لديه شيء من الأمل في تحوّل السياسة العامّة للدولة نحو الأفضل، وبما يؤدّي إلى تحسين ما في أوضاعه أو تدخله في الشؤون العامة. أما في زمن انبعاث بنى ما قبل الدولة، وعلى حساب الدولة نفسها، فإن الهامشية ستجد تجلّياتها في الالتحاق بأكثر البنى تخلّفاً، والخضوع لمنطق هذه البنية، وقوانينها وعاداتها وتقاليدها، وهو أمر يضع الرافض لهذه الهيمنة في موقع النبذ والتهميش بما لا يقاس عن التهميش الذي يعانيه في ظل سلطة الدولة.
إذا كان التهميش في جانبيه المشار إليهما لا يقع في اختيار الفرد في المجتمع، بمقدار ما هما مفروضان عليه، إلاّ أنّ تهميشا اختيارياً يبدو ضرورة ماسّة للفرد العربي في هذه المرحلة من تطوّر المجتمعات العربية. يفرض انبعاث بنى ما قبل الدولة، ومعه صعود الحركات الأصولية وفرضها أيديولوجياتها نظاماً في الفكر والممارسة، نظاماً في الحياة يقيد الفرد الحرّ والمستقلّ بحبال غليظة، ويضعه بين مطرقة الاندماج بهذه الفئة أو التهجير والارتحال، والخياران يحملان من الصعوبة ما لا يستطيع الفرد تحمّله. في ظلّ هيمنة هذه البنى وعصبيتها، يؤدّي الاندماج بها والتنظير لما تطرحه إلى اغتراب ووحشة تطال الفرد الساعي إلى الحرية في التعبير والاستقلال في الرأي. ممّا يعني أنّ ابتعادًا وإقامة في الهامش يصبح أفضل السبل لتحرّر الفرد من استلاب الهيمنة العشائرية والقبلية والطائفية. وهو موضوع يطال العاملين في ميدان الثقافة والعلم، مثلما يطال العاملين في ميدان السياسة.
يقدّم الحال اللبناني اليوم مثالاً على “نعمة” اختيار الهامشية والعيش وسطها ورؤية الواقع اللبناني من منظارها. من المعروف أنّ الطائفية تحكم الحياة اللبنانية على جميع المستويات. فاللبناني يولد ويحيا ويموت طائفياً، هذا هو القانون اللبناني العامّ والسائد منذ تكوّن لبنان قبل قرن من الزمان. قبل اندلاع الحرب الأهلية في السبعينات من القرن الماضي، استطاع البلد أن يحقّق حدًا من الاندماج الاجتماعي بما يسمح بتكوّن فئات وقوى اجتماعية عابرة للطوائف، وتقديم مشاريع قوانين قابلة إلى نقل البلد من الطائفية الضيّقة إلى رحاب الوطن الأوسع، وبما يسمح بتمثيل سياسي وشعبي يتجاوز الطوائف، ويعبر عن حقيقة القوى الشعبية العابرة لهذه الطوائف. تسبّبت الحرب الأهلية في دمار هذه القوى، وفي استعادة حادّة لهيمنة الطوائف على الشعب وعلى الجزء الأكبر من المشترك الذي تمثله الدولة. يحيا لبنان اليوم في ظلّ هيمنة الطوائف وأمرائها، بحيث يصعب إقرار شيء خارج منطق المحاصصة الطائفية. لكنّ الأسوأ في هذا المجال أنّ المواطن ملزم اليوم في حياته ومصالحه أن يلتحق بطائفته شرطاً للتعلّم والعمل والإنتاج، وكلّ ما يمسّ حياته الخاصة والعامّة، بعد أن باتت الطوائف قنوات تأمين الدخل الأهلي. يقدّم المشهد اللبناني صورة “فجّة” عن الالتحاق بالطوائف والاندماج بها، ويتسبب الرفض في حرمان المواطن من أبسط الحقوق التي يفترض أن تؤمّنها لها الدولة في الحالات العادية. نجم عن هذا الواقع عجز عن رؤية قضايا البلد ومصالح الناس خارج منطق الطائفة ومصالحها الفئوية، ولم يعد بالإمكان توجيه النقد إلى هذا المتنفّذ في الطائفة، لأنّ النقد سيتحوّل إلى نقد لموقع الطائفة الإجماليّ وما تمثله.. في هذا الواقع يصبح اختيار الهامش، بل وتهميش الذات، والخروج من الشرنقة الطائفية، شرطاً ضرورياً لرؤية الأمور بشكل موضوعيّ، وللتنفس بحرية وإبداء الرأي المستقل دون أن يجري اتهامه بخيانة الطائفة والمسّ بها. وتصبح الهامشية معبرا يساعد في تعيين تناقضات ومعضلات التطور القائم خارج منطق الطائفة، بل في القدرة على رؤية العام الأكبر والأشمل، وقراءة الطائفة عبر هذا العام، خلافاً لما هو حاصل اليوم من إصرار الطوائف وممثليها ومثقفيها على قراءة البلد ومكوّناته انطلاقاً من موقع الطائفة، كما يستحيل اليوم قراءة الطوائف قراءة موضوعية من داخلها، فالخروج عنها وحده يتيح هذه القراءة. والهامشية الاختيارية لدى المثقف المستقل وغير الملتحق شرط لاستعادة موقعه والإنتاج في ميدانه بحرية بعيدًا عن هواجس الطائفة ومتطلباتها.
ليس النموذج اللبناني فريدًا في بابه اليوم، فجميع المجتمعات العربية تحمل في جوفها عوامل الانقسام والتفتت والتذرّر، منها ما يشهد انفجارًا، ومنها ما ينتظر دوره. إذا كانت الدعوة إلى الهامشية والتهميش، وفق الحالة اللبنانية، تبدو ممرّا إجباريا اليوم لنيل الاستقلال الذاتيّ والحرية، ونوعاً من “النضال السلبي” إلاّ أنها أبعد ما تكون شعارًا تجري دعوة الشعوب العربية إلى التزامه. إنّ وصول الشعوب العربية إلى هذه الدرجة من التهميش يحتّم النضال الجادّ لمجمل هذه الشعوب من أجل قيام دول ومجتمعات تحقق سياسات اجتماعية واقتصادية وثقافية في صالحها، وعلى قاعدة إطلاق حرية الحياة السياسية والفكرية وإقامة دولة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يكفل الحدّ من الهامشية والتهميش الذي تعيش في ظلّه الغالبية الساحقة من أبناء المجتمعات العربية. إنّها دعوة للمقاومة وليس للهروب.
