أسئلة حول أصل مُشكلتي الكتابة والهُويَّة عند دريدا
أودّ، منذ البداية أن أوضِّح أنني لن أُعالج هُنا إشكاليتي الكتابة والهُويَّة عند دريدا من خلال نصوص هذا الفيلسوف أو أفكاره حول تينك المسألتين اللتين شغلتا الفيلسوف دريدا على امتداد حياته الفكريّة. إن هذا المقال يطمح فقط إلى مُساءلة حضور هذين السؤالين في بنيّة اللاوعي الدريدي، وما أقصده هنا في طفولته. وبمعنى أوضح: سأحاول في هذا المقال إبراز الأصل اللاواعي الذي أفترضه لهاتين المسألتين لدى دريدا الطفل، ذلك الأصل الذي قد لا يكون سوى الكامن النفسيّ الذي حرَّض على توليد سؤالين إشكاليين مركزيين في اهتمامات فيلسوفنا الفكريَّة. وعلى حدِّ علمي، فإنّ الدخول إلى فكر دريدا من هذا المدخل النفسيّ هو مقاربةً جديدة وبابٌ ربما لم يُطرق من قبل.
إن هذا البحث هو بأحد المعاني استقصاءٌ ﻟ “الأثر” (النفسيّ أو اللاواعي هُنا) ونبشٌ في النصوص (المنقوشة في اللاوعي وليست المخطوطة على الأوراق) وتقصّﻟ “للأصول” اللاواعيّة والمجهولة لفيلسوفٍ وجد في عُدّة فرويد النظرية حول اللاوعي معيناً لا ينضب ومرجعاً لا يمكن بدونه فهم التفكيك الدريدي. ومن أجل هذا فإنني سأعمل هنا على قراءة مُقابلة أُجريت مع دريدا هي أشبه ما تكون بالسيرة الذاتيّة يتحدث فيها عن طفولته في المدرسة في الجزائر. في قراءتنا لهذه المقابلة “النص” سنتوقف عند الهوامش وندقّق ما بين السطور لنظهر ما حجب نص دريدا وما أخفى، ولنكشف بين النقاط والفواصل عن بعض “الحقائق” المُحتجبة. إذن سيكون موضوع اشتغالنا هو تلك المقابلة التي أجراها دريدا عام 1989 مع برنار دفرانس بعنوان “لقد كانت المدرسة جحيماً بالنسبة لي (1)”.
المسألة التي سنتوقّف عندها في هذا اللقاء هي مسألة الكتابة؛ حيث يتحدث دريدا في تلك المناسبة عن طفولته في المدرسة الابتدائية، وعن كونه كان تلميذاً متفوّقاً في الصفوف الأولى إلا أنّ خطّه في الكتابة كان رديئاً لا يُقرأ، وهو يصف نفسه بالكلمات التاليّة: ” تلميذٌ جيّد إذن … ولكن كتابة مُستحيلة. لقد كان عندي خطّ لا يُقرأ وقد بقي دائماً على حاله من حينها. ومنذ تلك اللحظة كان هناك تلك الصورة التي شعرتُ أنني قد أعطيتها عن نفسي لأولئك المعلمين: ولدٌ موهوب، ولكنّ كتابته مُستحيلة.(2)” إنّ السؤال الذي يقفز في وجهنا هو التالي: هل يوجد هناك رابطٌ خفيٌّ ما بين تلك “الكتابة المُستحيلة” للطفل دريدا وعمله الدؤوب كفيلسوف حول مسألة الكتابة التي سيُكرِّس لها دريدا جُلّ أعماله؟ ألا يسمح “الخطّ غير المقروء” بإمكانية تعدُّد القراءات والتأويلات والجهد في فكّ الرموز؟ أليس صحيحاً أنّ الفيلسوف دريدا لم يتوقّف حتى آخر أيام حياته عن التَّفكُر بمسائل من قبيل: الكتابة، الإملاء، الأثر، الرسم، الخطّ، الحرف، النقش، الرمز، الكتابة المُرمّزة، الهيروغليفيّة، التسجيل، التدوين، المخطوط، غياب المُرسَل إليه، الخ الخ..؟ مجرّد سؤال مفتوحٌ على التأمل..
النقطة الثانية التي أودُّ التوقُف عندها في طفولة دريدا والتي ربما يكون لها أثرٌ لاحق على فلسفته، وهي وإن كانت غير بعيدة عن الكتابة إلا أنها تمسُ هنا سؤال الهُويّة.
عندما وُلِد دريدا (وهذا اسم عائلته أو كنيته) سُميّ باسم جاكي Jackie وكمُعظم الجزائريين كان لدريدا اسمٌ آخر غير رسميّ (أي غير مُسجّل في دوائر الدولة والأحوال الشخصيّة) وهو اسم إلي Élie. كان هذا حاله في الجزائر، لكن ومع قدومه إلى فرنسا بعمر 19 سنة، أراد دريدا أن يُصبح “فرنسيّاً حقيقيّاً” فقرَّر أوّلاً تغيير لهجته التي كان يمكن أن تفضح أصله الجزائريّ حيث كان ذوو الأقدام السوداء (وهو الاسم الذي أُطلق على الفرنسيين العائدين من الجزائر) يُعاملون من قِبل الفرنسيين المقيمين مُعاملةً فيها شيء من الاحتقار. هل كان لهذا الحرج من اللهجة عند دريدا علاقة ما بين تفضيله للكتابة (الصامتة) على الكلام (الذي يُمكن أن يفضح الأصل)؟ سؤالٌ على السؤال.
بتغيير لهجته، أراد دريدا أن يُلغي كلّ ما يفضح انتماءه، وبالأحرى كان يريد أن يتحلّل من كلّ انتماء ومن أيّة هويّة ممكنة. لم يكتفِ دريدا بتغيير لهجته لتُصبح لهجةً فرنسيّة خالصة، بل وباريسيّة، وإنما قام أيضاً بتغيير اسمه الأوّل عندما بدأ بنشر أولى مقالاته. هكذا سيختار جاكي أو إلي اسم جاك ليُعرف به ككاتب وكفيلسوف. كان دريدا يُريد من جديد أن يتخلَّص من هوية أُخرى، فباختياره لاسم جاك، يختار دريدا اسماً فرنسيّاً مسيحيّاً بل وكاثوليكيّاً سيعفيه من حرج سؤال الهويَّة التي كان يمكن لجاكي أو لإلي أن يفضحاها. باتخاذه اسم جاك يُشبِّه دريدا نفسه بأولئك اليهود الذين يعتنقون الكاثوليكيّة في الظاهر مُداراةً ومسايرةً للواقع(3)؛ إذن جاك ليس سوى هويّة مسيحيّة مزيّفة وليس تبنِّيا لهويّة جديدة. ولكنّ أسئلةً أُخرى لا تني تتقافز هنا في رأسي: فهل لهذا التنكُّر للهوية والرغبة في التنصُّل من كلّ ما يُحدِّد الانتماء جذرٌ في لا وعي دريدا حول الغاء مفهوم الهُويّة أو انتثارها وتعدُّدها وتفكيك مفهوم الأنا؟ وهذا سيقودنا إلى التساؤل: من هو دريدا إذن؟ ما هي هُويته وراء هذا التعدُّد الاسميّ؟ ثم هل هناك رابط يحدّده اللاوعي بين هذه التعددية الاسمية لدريدا وبين عمله كفيلسوف على اسم العَلَم « le nom propre » الذي محوَّر سؤاله الأساسي حول: “مَنْ الذي يتكلَّم؟” ؟ مَنْ يحجب مَنْ إذن جاكي أم إلي أم جاك؟ مَنْ مِنْ هؤلاء يُمسك بالقلم ويكتب؟
في حوارها مع دريدا تُقدِّم هيلين سيكسوس جواباً غير مباشر على سؤالي الأخير حين تُصرِّح له: “إن الوجود القابع وراء حروفكَ هو أنتَ بشكلٍ آخر وأكثر عُرياً من روسو، إنّ فلسفتكَ هي حجابٌ شفّاف. تحتوي كُلُ كُتُبِكَ على سيرة ذاتية من نوعٍ غير معروف فهي مكتوبة باطنياً وعلى الجِلد”(4).
أليس لكلّ هذا علاقة باعتياد دريدا تقديم نفسه بالسلب بوصفه ما ليس هو؟ هل لحياة دريدا بين الصحراء والبحر، بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا، بين اليهوديّة والإسلام والمسيحيّة علاقة لاهتمامه بمسألة الحدود والتخوم والهوامش؟
إنّ هذه الأسئلة ليست في النهاية سوى أسئلة، أسئلة واضحة وغامضة، جديّة وعبثيّة، مواربة ومفضوحة، صحيحة وخاطئة، أسئلة ممكنة، بل ربما أسئلة مُستحيلة… لعلّ هذه الأسئلة حول الطفولة لا تعدو كونها أسئلة طفليّة أو ربما أسئلة طفل، ولكن مَن غير الأطفال يجيد طرح أسئلةٍ عمي الكبار والبالغون عن رؤيتها؟ أوليس الفيلسوف هو بأحد المعاني طفلٌ كبير يحتفظ بطزاجة السؤال أمام اندهاشه الدائم من سحر العالم والوجود والحياة والموت والعدم والغياب والحبّ، بل وأمام سحر السؤال أيضاً؟…
{{الهوامش:}}
1- “L’école a été un enfer pour moi…”, Conversation avec B. Defrance, Cahiers pédagogiques, n°270 – 272, janvier et mars 1989.
2- Ibid.
3- J. Derrida, Prière d’insère, in Sauf le nom, Galilée, Paris, 1993, P.1.
4- « Du mot à la vie : un dialogue entre Jacques Derrida et Hélène Cixous », Magazine Littéraire, N° 430, Avril 2004, pp. 26-27.
