البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(4)
لا يختلف شخصان حول كون طبيعة الصراع الدائر اليوم، في مجال البيوطيقا، صراعا يتمحور أساسا حول إشكالية الجسد؛ فمنذ أن مكّن علم الوراثة، بفضل إنجازاته الباهرة، الإنسان المعاصر من وسائل التحكّم في مصيره وإخضاع قدره لإرادته الخاصة (الفصل ما بين الجنس والإنجاب، التعديلات الوراثية والتشخيص ما قبل الولادة، وكذا الاستنساخ وإمكانية تحسين النسل والقضاء على مرض الشيخوخة، سيما منها المبكّرة، وعلاج الأمراض الأكثر استعصاء كالسرطان وداء السكري…) بدل الإرادة الطبيعية أو ما يسمّيه آخرون بالمشيئة الإلهية. ظهر إلى السطح موقفان متعارضان: الأوّل هو موقف “الهيئات والمنظمات الأخلاقية” les comités d’éthiques المعروفة بنزوعها المتزمّت وميولاتها المحافظة، حيث أنها تروم تخليق علوم الحياة وتبغي الحدّ من الأبحاث العلمية، أمّا الثاني فهو موقف الأطبّاء والعلماء المهووسين بالكشف عن أسرار العالم متناهي الصغر للجسم البشريّ، وبالمغامرة بإجراء تجارب على هذا الجسد تكاد تخرج عن نطاق المعتاد والمألوف.
من ثمّة فلا بأس أن نعرج بدءا للتنبيه على أنّ الموقف الأوّل الذي تلتفّ حوله الهيئات الأخلاقية والمنظمات المنشغلة بهذا الموضوع، وكذا البرلمانيون المنكبُّون على صياغة نصوص قانونية، وشركاؤهم من العلماء والخبراء المدعَّمون من طرف حكومات يمينية ويسارية، هو أساسا موقف الديانات التوحيدية، يهودية كانت أم مسيحية أم إسلامية. والحال أنّ الدِّين الذي بطبعه ظلّ يكره الجسد ويلعن الرغبات دونما سند عقلانيّ، ليس له أن يشتغل إلا على نحو ضدّ علميّ، أي وفق ثنائيات الحلال والحرام، الطاهر والنجس. وهي ثنائيات انتهى من خلالها إلى تصفية حساباته مع الجسد باعتباره مذنبا وملعونا مادام مرتع الأهواء والملذات كما العواطف والنزوات؛ ولا عجب أن تكون التوراة والإنجيل والقرآن، التي لا تعطينا أيّ جواب واضح ومباشر عن الإشكالات التي يطرحها حاليا التطور العلميّ، مُتْخَمة حتى الثمالة بآليات المنع، ومُجَيَّشة بترسانة رهيبة من القوانين والمحرمات والطابوهات هي باسم الله الذي أوحى بها، قاعدة النظام العقلي والروحيّ، الفلسفيّ والأنطولوجي والميتافيزيقي بله والسياسي الذي لم نعد على حدّ تعبير أونفراي نَعِي تفاصيله ولا آليات اشتغاله مادمنا قد نُسِجْنا سلفا من خلاله. فخلف كلّ تلك التحفّظات الأخلاقية الاحترازية، المشفوعة بنوع من الحكمة والرزانة، نلفي ترسانة من التصورات الدينية التي ما فتئت تنظر إلى الكون على نحو ترنسندنتالي، يحيل باستمرار إلى المقدّس والربّاني ويستند إلى معايير أسطورية، مفارقة ومهووسة بأبدية الخلود واللاتغير؛ مما يجعلها تقف ضدّ كلّ قراءة تاريخية للكون المشمول بالصيرورة والتغير. بناء عليه فنحن بقدر ما لا نعيش إلا تحت نير هؤلاء الوعّاظ الذين ربحوا الحرب الثقافية منذ بدء الحضارة الإنسانية، بقدرما غدا التاريخ كل التاريخ سواء منه تاريخ الأفكار أو الطب أو الفلسفة أو الجغرافيا… تاريخا يُقرأ دوما بنظارات الغانمين في هذه المعركة، الذين تَشرَّبوا المثالية أيما تشرب. لكن ماذا عن المنهزمين؟ ومن هم؟ وما تصوّرهم للأشياء؟ لا شك أنّهم أولئك الذين يتبنّون موقفا معاديا للمثاليين، فهم إذن إذ يهجون المثالية يمدحون المحايثة، وعندما يُفَنِّدون أطروحة السماء وعالم الماورائيات، يتشبثون بعالم الأرض وجدارة العيش دونما رُهاب الموت. لكن ماذا لو توقفنا عند مراحل تاريخية بعينها لندرك طبيعة المعركة الدائرة مابين التيارين : فضدّ أفلاطون الذي كانت تعاليمه سند المسيحية( كلاهما يلتفّ حول فكرة الروح اللامادية الخالدة الآيلة إلى التحرّر من سجن الجسد المادّيّ المدنّس الفاني)، ثمّة أبيقور وتصوّره المادّيّ الذرّيّ. وضدّ المسيحية واليهودية والإسلام، هنالك سبينوزا ومنظوره ذو النزعة الواحدية المحايثة. وضدّ كانط، هيغل والنزعة المثالية التي طبعت الجامعات البروسية ثمّة النزعة النفعية المتعوية التي تزعمها جريمي بنتام. فلولا هؤلاء ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من انتصارات أعادت الكفّة لصالح الجسد وبدّدت من ناحية أخرى خرافة الروح الخالدة. وذلك بعد أن نجح الطبّ في القضاء على الألم، لا بعلاجه فحسب، بل وهو الأهمّ بتفادي الأمراض المتسبّبة فيه عبر ما يدعى اليوم بالطبّ التنبّؤي الذي بفضل تقنية التعديلات الوراثية، استطاع أن يُخَلِّص الكائن البشري من كل تبعات المرض المحتمل إصابته بها على طول حياته .
فالتدخل الجينومي وتعديل المورث المسؤول عن المرض المستقبلي، يوقف مسلسل اشتغال آليات القصور الحراري مثلما يعفي كل أولئك المرشحين لأن يدركهم المرض من كل آليات العلاج المكلفة ماديا ومعنويا.
إن الطب التنبؤي يقلب التعامل الكلاسيكي مع المرض رأسا على عقب : إذ يرمي إلى الحفاظ على الصحة أكثر مما يرمي إلى ترميمها. فالتشخيص الجيني للمرض يتيح التحكّم في مصير الطفل حتى قبل مجيئه للعالم، وذلك بإجراء التعديلات الجينية الضرورية في حينها تفاديا للعاهات المرضية المحتملة أو تجاوزا لها، بينما الطفل ما يزال في بطن أمه، مما يعفيه كما أسلفنا من رزنامة لا يُستهان بها من الويلات والآلام التي قد يكابدها هو وعائلته لولا ما هو متاح اليوم.
على هذا الأساس إذن حريّ بنا الدفاع عن العلم بتبنّينا لتصوّر بيوطيقي متحرِّر يجعل الاستفادة منه تعمّ أغلبية الناس لا الأغنياء فقط. هؤلاء الذين استحوذوا على الثروة وشرعوا يُسَخِّرون بنزوعهم الليبرالي كل الأبحاث والاكتشافات العلمية لغاية واحدة هي التسويق تكديسا للمزيد من الأموال لا غير. مما يستوجب نهج سياسة حيوية تعيد للمهمشين والفقراء والأقليات والمرضى والنساء …حظا وافرا ليغدوا سعداء. كيف؟ بتخليصهم من آليات الاستغلال الممنهجة التي تقودها حفنة ممتلكة للرأسمال، امتزجت فيها مصالح السياسي العنصري بأهداف التيولوجي الاستئصالي. فالتحرر الذي ندعو إليه ونتبنّاه هنا تحرّر ينبغي أن لا يحصر الاستفادة من الخدمات الطبية في ثلّة من الزبائن الأغنياء القادرين على الدفع المسبق جراء نهبهم لأموال ضحاياهم الفقراء.
ومن أجل بيوطيقا تحررية، من اللازم مرة أخرى نهج سياسة حيوية تنحّي جانبا كل مسعى تأطير دينيّ للأبحاث العلمية. ولا بأس أن نستأنس هنا مثلا بالقوانين المعمول بها في بلد معروف بلائكيته كفرنسا، بحيث أنه بمقارنتنا ما بين القانون الجزائي والقانون المدني، ومابين قانون الصحة العمومية وميثاق موظفي الصحة الصادر عن المجلس الحبري لرعوية الصحة بالفاتيكان، نلاحظ إجماعا مطلقا حول أهم القضايا والعديد من التفاصيل. فالدولة الفرنسية والفاتيكان يؤكدان معا على: وجود ذات افتراضية une personne potentielle بداخل الجنين، وكلاهما بالتالي يمنع استخدامه في أبحاث ذات غايات علاجية؛ ضرورة تقنين طرق منع الحمل وعدم تركها تحت مجرد تصرف حرّ للأشخاص، لأنّ الجنس ينبغي أن يخضع لما دونه أي للقوانين الوطنية عماد الجمهورية ولمفتيي الكنيسة المتزهدين، هكذا تم رفض تحسين النسل باعتبار أن تعديل أو تنحية الصبغي المسؤول عن مرض ما خلال عملية تناسل موجهة طبياPMA هو بحد ذاته تحسين للنسل، كما مُنِع أيضا توظيف هذه التقنية من لدن المثليين جنسيا؛ الرفض المطلق للاستنساخ حتى ولو كان يسعف على معالجة ومشافاة وإنقاذ حياة الناس؛ منع استئجار الرحم واللجوء إلى هذه التقنية حتى ولئن كانت النساء المعنيات من اللواتي فقدن رحمهن جراء مرض سرطاني؛ عدم الترخيص كذلك لاستعمال المسكنات والمعاقبة عليها في حين أنه يُغَضّ النظر عن الترويج للعقاقير المهلوسة التي بواسطتها يتم التحكم في النفوس عبر تطويع الأجساد بطبيعة الحال.
المعاقبة كذلك على الإشهار للانتحار، بدعوى أنّ قتل النفس حرام بينما رؤساء الدول رفاق حميمون للقوّاد العسكريين الذين هم أكثر شغفا بالأسلحة قبل توظيفها الحربي وبالكراسي الكهربائية قبل استعمالها كآليات للتعذيب، وفي ذات السياق دائما وانسجاما مع مضامين الوصية الخامسة من وصايا المسيحية(لا تقتل أبدا)يمنع القانون وكذا الدين، الموت الرحيم، مشجّعيْن اللجوء في حالتنا هاته إلى العلاج بالمسكّنات، وهي فرصة ذكية لترسيخ السلطة الدينية ضمنيا وضمان اشتغالها حتى داخل المستشفيات الفرنسية عبر استرسال مضمون للألم .
ويعتبر الاستنساخ الجنسي le clonage reproductif بحسب المادة 21 من القانون الفرنسي(الفقرة الثالثة الجديدة من المادة 16-4 من القانون المدني) جريمة في حقّ البشرية يعاقب عليها بثلاثين سنة سجنا نافذة وغرامة مالية قدرها 7,5 مليون أورو. مثلما يمنع أيضا الاشتغال على أجنّة بشرية بغاية البحث العلمي. بناء على ما سبق يتضح أننا في خضمّ هذا الصراع المرير أمام خسارة عظمى تستدعي عتق رقبة العلم والعلماء من براثن الكنيسة ورجال الدين .
فهؤلاء ولئن كانوا في كل صغيرة وكبيرة يقفون حجرة عثرة أمام كل ما يعود على الإنسانية بالنفع والسعادة، فذلك ليس إلا لأنهم مسكونون بغريزة الموت وناقمون على الجسد؛ يكفينا تِبْيانا لذلك أن نتذكّر تلك السلسلة من الأخطار والمعاناة التي لقيها الطبيب”فيزال”؛ حيث اضطهد وطورد في كلّ البقاع الأوربية لا لشيء إلا لأنه جرّاح يفتح جثث الموتى تخليصا للأحياء من الأوبئة، نفس الشيء عانى منه “باستور” الذي جازف بحياته لمّا أصرّ مهما كانت العواقب على إنقاذ حياة الطفل “جوزيف مايستر” فلقحه ضدّ داء الكلب قبل أن يرى اكتشافه يُعَمَّم ويغدو تلقيح الأطفال إلزاميا في السياق الرسميّ المدرسيّ.
وسيرا على ذات النهج تمّت معارضة علم أصل الأمراض، لأنّ الأديان ترى دونما سبب منطقيّ أنه لا ينبغي الاشتغال على أجساد الموتى، رافعة بذلك شعار المنع في وجه الأبحاث الطبية لأنّ الشر والموت مصدرهما حوّاء المذنبة كما أنّ الألم والمرض، كلاهما ناتج عن إرادة الله الراغب في ابتلاء خلقه وامتحان مدى إيمانه. وعندما أكد علماء آخرون وجودا متواقتا عند بداية الكون لمجموعة بشرية في عدة أمكنة جغرافية وأقرّوا بنظرية تعدّد الأصول le polygénisme ، ردّت الكنيسة بأنّه غير ممكن، لأنّ آدم وحواء هما أوّل رجل وامرأة عرفتهما البسيطة ومن قبلهما لا أحد. فالزوج الأوّل هو زوج الخطيئة الأصلية الذي وحده يُيَسِّر انتقال الخطيئة والتكفير والاتهام والخلاص. إذ ماذا سنفعل بالرجال والنساء الذين كانوا قبل الخطيئة؟ أي معفيين منها.
يستحيل من ثمّة القول بوجود ماقبل الآدميين.
لا شك إذن أنّ الجسد طيلة مساره إن كان وما زال العدوّ رقم واحد بالنسبة لرجال الدين، فذلك ليس إلا لأنه أوّلا رهان المتعة وثانيا لبعده المادي اللامحدود. فالجسد من حيث هو نفي كلّي للفراغ يكاد يكون الوجود كله. منه تبدأ الأشياء وإليه تؤول. وهذا التصوّر المادي للوجود من فرط ما كان غير مستساغ من لدن اللاهوت، هو ما أثار ردود فعل قوية ذهب ضحيتها العديد من رواد المذهب المادي منهم على سبيل الذكر لا الحصر، “جيوردانو برونو” و”غاليلي” و”نيكولا دوتركور” وغيرهم كثر. فعندما أحرق المسيحيون جيوردانو برونو في محرقة campo dei fiori سنة 1600م لم يقتل الرجل لأنه كان ملحدا(إذ لم ينكر وجود الله ) أكثر مما قتل لأنه مادّيّ يقول بامتداد الله والكون، فهو من لم ينكر وجود الروح لكنه ولسوء حظه قال بتواجد الروح على المستوى الفيزيائي في الذرات، فالله بالنسبة له موجود لكنه يشارك المادة وهو من ثمة ليس إلا بعدا من أبعادها الغريبة، مما أفضى به إلى القول بتجسّد الله.
نفس المشكل كان مع غاليلي الذي بقي يردد عندما خرج من المحكمة: ورغم ذلك فهي تدور. فهو لم يحاكم لأنه قال بأن الأرض تدور حول الشمس(وهي الأطروحة التي تتناقض مع الموقف الأرسطي الكنسي) بل حوكم لموقفه المادي .وللعلم، فإنّ القول في تلك الفترة بمركزية الشمس يعاقب عليه بالإقامة الجبرية مدى الحياة وهو حكم هَيِّن بالمقارنة مع المتهم بالمادية والذي كان يزجّ به مباشرة في المحرقة.
أما نيكولا دوتركور الذي طرح نظرية معاصرة وذرية حول الضوء سنة 1340م يؤكد فيها على طبيعة الضوء الجسيمية (وهذا ما أثبته العصر الحديث) مفترضا أن ثمّة تماهيا مابين المادة وخصالها، فالكنيسة تصدّت له في الحال وأكرهته على العدول عن نظريته وأحرقت كتاباته. ومنذ سنة 1632م سيتمّ منع كل الأبحاث العلمية ذات النفحة الذرية من لدن المسيحيين ليظلّ المذهب المادّي أكبر المذاهب الموضوعة في قفص الاتهام لدى الكنيسة بموجب البندين من التعليم المسيحي رقمي 285 و2124 . ومع هذا وذاك فالعلم اليوم يسير بخطًى ثابتة نحو التأسيس لجسد أكثر تحرّرا وقوّة ممّا كان، جسد مابعد لاهوتيّ مادام تخلّص من قدر الألم والمرض واستطاع أن يستمتع دونما خوف أو رعب، سيما بعدما مكّنه الطبّ من التحرّر بشكل لا رجعة فيه من عبء الإنجاب فاسحا أمامه أفقا رحبا للإمتاع والاستمتاع دونما عقدة ذنب أو تبكيت ضمير. من ثمّة حقّ لنا القول بأنّ إنسان العصر الحالي إنسان فاوستيّ بامتياز، يحتال على الطبيعة ويروم دوما مجاوزتها.
ليس يعني هذا أنه يعاكس الطبيعة أو أنه بطبعه من يناقضها، بل يعني أنه كائن يسعى نحو توسيع إمكاناته في الوجود لأنّ ما تمنحه لنا الطبيعة تتحدّاه الثقافة، تزيد فيه وتنتقيه. آلياتها في ذلك المكر والدهاء الذي بموجبه تستنفر قوى الطبيعة الموجودة سلفا وتحرض أيما تحريض. على هذا النحو نعيد التأكيد على أنّ كل ما كان قدرا بالأمس هو ما غدا اليوم قرارا ومسألة عزيمة وما عرف حتميا وضرورة صار مجرد إرادة ذاتية وتصرّفا حرّا؛ فحدث الفصل مابين الإنجاب والجنس وكذا اختراع الفياغرا ليس حدثا سهلا إن تأمّلنا آثاره في حياتنا اليومية، إذ مع هذه الاكتشافات ولج الإنسان لأول مرة في تاريخه، طورا جنسيا جديدا لم يعد فيه مجال لمرض العصاب التيولوجي الأخلاقي الذي بموجبه تنهزم الأنا وتندحر الرغبة يائسة محبطة.
مع هذه التقنيات صار الإنسان قادرا على تحويل الطاقة الليبيدوية الكامنة فيه عمليا إلى نشوة واستمتاع مضمونين، فلا شك في أنّ حبّة الفياغرا الواحدة تمنح متناولها ما يكفيه من القدرة حتى يتمكن بنشاط وحيوية من تجاوز لا إعاقة الانتصاب فحسب بل وبلوغ لحظة الأورجازم المنشودة. كذلك الشأن فيما يخص القضاء مثلا على العقم ما أن غدا ممكنا استنبات كائنات خارج الرحم في أنابيب الاختبار، ناهيك عن اكتشاف الخلايا الجدعية الذي مكننا من علاج أمراض كانت إلى عهد قريب تبدو مستعصية من قبيل مرض الشيخوخة والعقم وأمراض الكلي والسكر والسرطان وأمراض المناعة والقلب والدم …فضلا عن عمليات زرع الأعضاء التي أطاحت بفكرة الهوية الشفافة الصافية مادام الإنسان سرعان ما يكفّ عن أن يكون هو ذاته ما أن نشرع في زرع عضو من الأعضاء له، أي ما أن نستبدل قلبه بقلب آخر أو قرنية العين بأخرى أو الرئة …
أما فيما يخص ما أشرنا إليه سالفا من تمكّن الإنسان بفضل الاكتشاف الطبي من الفصل مابين الجنس والإنجاب عبر اكتشاف حبوب منع الحمل والغشاء الواقي مثلا، فهو إن صحّ التعبير يأتي في مقدّمة هذه الثورات المتتالية لأنه مكنه من التحرّر من سلطة قدر الإنجاب على نحو لا رجعة فيه، وبالتالي تخليص جسده لأول مرة في التاريخ من حتمية التناسل الحيواني التي كانت تخدم دوما الأديان والكهنة والجنود ورجال السياسة والديماغوجيين وغوغاء الشعب. فكل هؤلاء إذ يشنّون اليوم حربا ضروسا ضدّ وسائل منع الحمل ساعين إلى الإفتاء بتحريمها، إنما يرومون في واقع الحال إخضاع الكل لقدر الانتحاء الطبيعي وتمجيده باسم إكثار السواد الأعظم الذي يسمح بازدياد مطرد لعدد المؤمنين بالله ومريدي السلطة، وكل الإمعيين المفيدين في شن الحروب والعمل ليل نهار كعبيد دونما تعطيل لآلة إنتاج الثروات والخيرات. كلّ هؤلاء أكيد من سلالة واحدة، يكرهون الفرد ولا يتصوّرون الجسد إلا مستعبدا، وغير جدير بالحرية مادام باعتبارهم مدنسا لا يستحق غير التكفير والقصاص. كيف ذلك؟ بإكراهه على أن يضحى مرتع الأبوة والأمومة بطبيعة الحال. فعندما يضحى الواحد منّا أبا أو أمّا سرعان ما يتخلّى عن أهم ما يؤلّف ماهيته ألا وهو: حريته. إنّه بذلك يغدو مجرد أداة اجتماعية فيتخلّى بوعي أو بدون وعي عن قواه الذاتية تشييدا لصرح معتقله: فالتناسل يقوم ههنا على ضرب من الاستعباد الإرادي الذي يسهر على تدبيره الفاعلون الاجتماعيون الذين يستحسنون تسخير كل طاقات الناس لإعادة إنتاج النسل والحفاظ على بنية النظام بدلا من الاستفراد بها في سياقات المتعة الذاتية والسعادة الخاصة.
وعلى هذا الأساس يكون الطبّ قد حرّر الناس من إكراهات الآلات القطيعية، مخولا كل شخص على حدة، إمكانية التحكم في عملية تناسله وإخضاعها لإرادته فحسب؛ وليس لإرادة أسياده. فوسيلة منع الحمل انتصرت للجسد باعتباره حقا لا يتفرد به إلا صاحبه. إنها تقوم على نوع من الإرادة الذاتية وتؤسس لأحقّية امتلاك الذات للذات بفضل الجنسانية. معنى ذلك أن تحرير الليبيدو بفضل طرق منع الحمل إن دل على شيء فإنما يدل على أن الإنسان يوقع أول انتصار له على ذاته، انتصار مكّنه من أن ينقلب على ما كان يُعَدّ إلى وقت قريب قدره الأبديّ؛ ففصل نهائيا مابين الجنس والإنجاب متحرّرا من الكارثة الميتافزيقية، فاسحا أفقا مغايرا ليس للمتعة فحسب بل لانبثاق علاقات وجودية أرقى، معها أضحت المتعة ممكنة دونما مخلفاتها المرعبة.
يكفينا توضيحا لذلك الإشارة إلى ما استطاع الطبّ اليوم أن يحقّقه من ثورات لا يستهان بها في ذات المجال، إذ في سياق فصله مابين الجنس والإنجاب والحب تمكّن كذلك من الفصل مابين الحمل والأمومة، بحيث يمكن لكلّ امرأة أن تنتظر ميلاد ابن دونما حبلها به مثلما بوسعها كذلك أن تكون أمّا وعذراء في الوقت نفسه(وهو ما لم يكن متاحا إلا لمريم أم عيسى). ناهيك عن قدرتها أن تكون أمّا حتى ولو لم يسبق لها أن مارست الجنس. مثلما بوسعها الحمل بابن الغير أو أن تحمل لمدة تسعة أشهر بجنين ليس ثمرة ممارستها الجنسية.
كل هذه الفرص المتاحة علميا حررت الجسد من إكراهات لا تطاق احتفاء بغريزة الحياة وتمجيدا لها ليس بالحفاظ عليها فحسب، بل وهو الأكيد بالزيادة من درجاتها ضد كل ما ينقص أو يقلل من قدرها. إنها حرب ضدّ ميكانيزم القصور الحراري أي ضدّ كلّ ما يحذو حذو الموت ويدفع بالجسد إلى الانهيار والكلل، الخور والألم، العذاب والأنين. وإذا كان الموت هو القانون فالحياة استثناء بات مع التطور التقني يُعَزَّز ويُدَعَّم على نحو ما يضحى فيه هذا الاستثناء لحظة جديرة بالاعتناء. فالتقنية تسمح لنا لا بالقضاء على الموت بل بمواجهته من حيث هو ضرورة إبقاء على الذات أقصى ما يمكن في كامل عنفوانها، حتى نصل عند الساعة الأخيرة من عمرنا ونحن كلنا هدوء وثبات، مخلّفين وراءنا حياة كلها غنى وثراء، نكون قد أشبعنا فيها كلّ الرغبات والملذات وعشناها دونما وقت ضائع ولا عراقيل.
فالحكمة إن كان لا بدّ منها، تتجلّى أول ما تتجلّى في ضرورة ملاقاتنا للموت لكن في الوقت المناسب. إذ علينا ألا نُسَمِّم به حياتنا: وعلى حدّ تعبير أبيقور فما دمت موجودا فإنّ الموت لا وجود له وحالما يكون الموت، فأنا لست موجودا. بدهي أن الموت ولئن بدا هنا، كأحد أبعادنا الأنطولوجية المؤسس للفقدان، عمادَ اللاهوت طيلة مسار البشرية، لترهيب الإنسان وجعله ناقما على وجوده، نابذا كيانه المادي الذي هو جسده، فذلك ليس إلا لأن الأديان كما أسلفنا، تكره الجسد القادر على الاستمتاع والتلذذ، ولا تريده من حيث هو باعتبارها طرَفنا المدنس، إلا مريضا عليلا ونحيفا. وهي بذلك وإلى حدود الساعة لا تفتأ تمارس التضليل وتنشر الأوهام ضد تقدم العلم والتنوير.
يكفينا هنا أن نتذكر أن التفكير الطبي المنشغل منذ بداياته، بماهية الحيوان المنوي، توقف مباشرة بعد جالينوس (129-199م)أي مع قدوم Tertullien (160-220م): بحيث اختفى الطبيب وحلّ محله التيولوجي. ومن ثمّة سياسة المنع التي طالت العلماء واضطرتهم بالاكتفاء بترديد المعارف القديمة لا غير. فمع التيولوجيا صارت المادة الحيوية مادّة مدنّسة وغدا العامل المؤسّس للحياة عدوى ناقلة للموت. فالحيوان المنوي أداة لنقل عدوى الخطيئة الأصلية، وهو لا يعدو أن يكون ما يصلنا بالشرّ، ويذكّرنا (لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين)بالسلب. السائل المنوي وفق هذا النهج هو القصور الحراري ذاته الذي يقرن مصير كل كائن بغريزة الموت.
وهكذا ظل التصوّر السائد منذ هزيود حتى توما الأكويني بخصوص الحيوان المنوي تصوّرا ميتولوجيا ومزاجيا، تيولوجيا ووجدانيا. لكنّه مع مجيء الحداثة صار مادّة بيولوجية وكيميائية ثم مورتية ورقمية. يطرأ هذا بطبيعة الحال مع التقدم التقنيّ واكتشاف الميكروسكوب والتلسكوب، بحيث يدشن عصرا جديدا في تاريخ البشرية ليحلّ التدقيق محل الاعتباطية، ويتمّ الحفر في العوالم على منحيين إثنين: منحى العالم متناهي الكبر ومنحى العالم متناهي الصغر. الأول هو عالم الأجرام والكواكب بينما الثاني عالم العثة والخلية.
في هذه المرحلة بالذات، أضحى الحيوان المنوي بشكل واضح مادة كيميائية، مستعيدا بذلك خصال المرحلة الأرسطية المادية. وللعلم، فإنّ التقنية لم تتمكّن من اكتشاف الحيوان المنوي إلا سنة 1677م وبعدها بقليل سيتمّ أيضا اكتشاف البويضة سنة 1683م. لكنّ العلماء رغم ذلك لم يستطيعوا الوصول إلى أنّ اللاقحة تتألّف من اتّحاد الحيوان المنويّ بالبويضة إلا سنة 1860م.على هذا الأساس يظهر أنّ تبديد سرّ الحياة ونزع طلاسم الجهل التي تستغلّها التيولوجيا عبثا ليس في شيء بالأمر الهيّن، آيتنا في ذلك المدة الطويلة الفاصلة مابين اكتشاف الحيوان المنوي وإدراك ميكانيزم حدوث التناسل، والتي تراوح قرنين من الزمن(وهي المدة التي قضاها فقهاء الإسلام في نقاش ما إذا كانت السيجارة حلالا أم حراما، ولم ينتهوا في الأخير إلى تحليلها ولا إلى تحريمها).
وبعد مرور ما يناهز قرن ونصف فقط، تتحقّق طفرة عظيمة في تاريخ العلم تجلّت في تمكّنه من فكّ شفرة الجينوم البشري، وبالتالي زوال تلك النظرة الخرافية والأسطورية ذات الجذور التيولوجية إلى الحيوان المنوي مع حلول سنة 2000م، بحيث سيغدو عددا ثمّ فيما بعد رقما. ممّا يَسَّر انبثاق عصر جديد هو العصر الجينومي الذي معه صارت تقنيات عديدة في الحقل الطبي تترسخ وتَعِدُ بالكثير، قد نسوق منها على سبيل الذكر لا الحصر: تقنية الاستنساخ بنوعيه الجنسي واللاجنسي، وكذا تقنية أطفال الأنابيب، فضلا عن تقنية تجميد البويضة أو الجنين وكذا الحيوان المنوي وبزوغ ما يسمّى ببنك الحيوانات المنوية…ممّا أفضى إلى طرح إشكاليات كبيرة أهمّها علاقة الإنسان بالزمان، بحيث تنهار الأشكال المعهودة القائمة على التصوّر الكانطي الخطّيّ الذي قوامه الماقبل والمابعد، وننتقل من الزمان الطبيعي إلى الزمان الاصطناعي.
فالمادّة المجمّدة تتجاوز الزمان الواقعي وتنفلت منه لتخلد في فضاء أنطولوجي غير مسبوق. إنها قادرة على الاستغراق والخلود في سياق زمن لا طبيعي، في الوقت الذي يبقى فيه الآباء مشمولين بقدر الزمن الطبيعي ومعرضين بخلاف نسلهم للفناء والشيخوخة. من هنا تختلط الأوراق وينطرح علينا السؤال: ما علاقة المادة المجمّدة بآبائها؟ لَمَّا أضحى بوسع زوج ما أن يعمل على تجميد جنينه، ليمكث عمر هذا الجنين بالتالي في سنّ الحبل به، وقد يمضي نصف قرن على ذلك فيشيخ الآباء بيد أن الجنين دائما في نفس العمر بله بدون عمر. وقد يبقى كذلك قرنين من الزمان ينتظر ساعته، بينما الأبوان الشابان قد صارا مجرّد هياكل عظمية.
فَلِمن ينتمي إذن؟ ومن يكون؟ بل ما الذي يمكننا أن نصنعه منه؟ هل هو صاحب حقّ أم موضوع خلاف؟ وهل لديه الحقّ في معرفة أية عملية طبية كانت وراء مجيئه للعالم؟ أليس جديرا بمعرفة ما إذا كان من أطفال الأنابيب أم نتاج عملية استنساخ؟ هل من حقّ لديّ على أبي ولو كان فحسب مجرد رقم في بنك الحيوانات المنوية؟ وإذا ما وُلِدْتُ بعدما يكون والدي قد مات، هل لديّ الحقّ في أن أكون على علم بالأمر أم لا؟ هل لديّ الحقّ في أن أعرف ما إذا كان عقيما؟ وما إذا كانت أمّي مصابة بتشنّج المهبل؟ ومن تكون المرأة التي حبلت بي لمدّة تسعة أشهر رغم كونها ليست أمّي الحقيقية؟ هل أعتبرها أمّا بحقّ؟ أم أمّا من درجة ثانية؟ أم مجرّد نصف أمّ؟ وماذا عن الرجل الذي يفترض أن أكون سليله بعد عملية استمناء بأحد المستشفيات، تاركا حيوانه المنوي في أحد الأنابيب؟ لا شك أنّ هذه الأسئلة كلها أسئلة تنطوي على قدر من الإحراج وتضع موضع الريبة تقنيات تصنيع التناسل، لكن ومع ذلك هل من المعقول أن نتوارث أبا عن جدّ، التشوّهات الخلقية ونبقى نعيش متألّمين ومرضى؟ أليست هذه التقنيات التي ساعدت ملايين البشر على تجاوز إعاقاتهم ورَدَّتْهم قادرين على الإخصاب بعدما كانوا عقيمين، ومعافين بعدما كانوا مرضى عليلين، وأقوياء بعدما كانوا ضعفاء، وسعداء بعدما كانوا أشقياء و.و.و. هي ما يستحقّ كل تقدير، لا ما ينبغي اعتبارها على نحو ما يخال دعاة البيوطيقا الاختزالية مجرد نزوات مجانية؟ هب معي أبا عقيما؛ هل عليه أن يصرّح لابنه بأنه ليس أباه؟ والحال أنّ قول الحقيقة هنا يؤذي ويقتل. الحقيقة ههنا تسيء لوضع كائن غير مسؤول عن نتائجها. وعلى نحو ما يؤكد أونفراي، فمن الضرورة بمكان عدم العمل بالنصيحة الكانطية التي تقول بضرورة البوح بالحقيقة، أيّا كانت العواقب وخيمة ومؤذية، بدعوى أنّ الكذب يخلّ أصلا بالحقّ. وبوسعنا أن نسترشد هنا بـ”ألان”الذي على نحو صائب يحدّد الكذب من حيث هو ما يحجب الحقيقة عن شخص نحن مدينون له بها. وإذا كان كانط يلحّ بأننا مدينون بها له على نحو مطلق، وبلا شرط وكيفما كانت الأحوال، فـ”ألان”يرى خلاف ذلك. من ثمّة فالجواب على سؤالنا سالف الذكر إنما هو ضرورة التزام الكتمان والإبقاء على السرّ. لأنّ البوح بالحقيقة سيخلّ لا ريب بالسلامة العقلية للابن. والكذب الذي ينقذ من الكارثة أفضل بكثير من الحقيقة الضارّة والقاتلة. وعلى كلّ حال فجنسانية الآباء كما مشاكلهم وعقمهم وخصوبتهم ليست تنتمي إلا لهم لا لأبنائهم. بناء عليه يتبدّى أنه لا داعي لمعاداة التقنية أو كرهها، إذ المشكل ليس يكمن في التقنية بحدّ ذاتها سواء كانت نقلا للمورثات أو إنجابا طبيا اصطناعيا أو استنساخا…أكثر مما يتعلّق بقدرة الناس على التعايش المشترك والتحاور صناعة للحياة لا الموت.
{{الهوامش: }}
اعتمدنا في هذا المقال على المؤلفات والنصوص التالية:
-Michel onfray, Féeries anatomiques ,généalogie du corps faustien, Ed.Grasset,2003
-Onfray,Traité d’athéologie, Ed.Grasset,2005
-La charte Des Personnels De Santé Conseil Pontifical Pour La pastorale Des services De la Santé Cité Du Vatican 1995
-la loi n°2004-800 du 6 aout 2004 relative à la bioéthique (parue au journal officiel du 7 aout 2004)
-العصر الجينومي، تأليف موسى الخلف، منشورات عالم المعرفة يوليو2003
-الخلية الجدعية، تأليف خالد أحمد الزعيري، منشورات عالم المعرفة فبراير2008.
