موقع “الأوان” التَّنويري: نقد المحرَّمات في زمن الانسداد الفكريّ

يتساءل إيمانويل كانت (Immanuel Kant) (1724-1804) ما هي الأنوار؟ واضعاً العقل البشري أمام معضلة تطورية، ربما تُعد الأكثر صعوبة في مسيرة تقدم الأمم نحو العقلانية، وخروجها المرتجى من الارتهان الفكري. يعرف الفيلسوف الألماني “سؤال الأنوار” أو “التنوير” بأنه “خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه، والذي يعني عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير. وإن المرء نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه، عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصاً في العقل، بل نقص في الحزم والشجاعة في استعماله دون إرشاد الغير. تجرأ على أن تعرف! كن جريئاً في استعمال عقلك أنت! ذاك شعار الأنوار. الكسل والجبن هما السببان في أن عدداً كبيراً جداً من الناس يفضلون البقاء قُصَّراً طوال حياتهم، بعد أن حررتهم الطبيعة منذ أمد بعيد من أي توجيه خارجي. وهما السببان أيضاً في أنه من السهل على الآخرين أن ينصّبوا أنفسهم أوصياء عليهم “.[1]

حين تلقيت الدعوة من “المكتبة الوطنية التونسية” بإدارة الدكتورة رجاء بن سلامة، بالاشتراك مع موقع “الأوان” و”جمعية العفيف الأخضر للفكر الحر“، لإلقاء ورقة بحثية ضمن هذه الفاعلية الثقافية، لفتني أمران: الأول: عنوان الندوة والمعرض، التحفيزي والمستقبلي، “أوان التنوير“؛ والثاني: تكريم أحد أبرز العقلانيين العرب، وأقصد العفيف الأخضر، داعية إصلاح التعليم في العالم العربي[2] وإلغاء الأحكام القانونية المخالفة لحقوق الإنسان. تبرز الكلمات المفتاحية العامة للندوة مؤشرين واضحين: مركزية العقل عبر سؤال التنوير (عقل الفرد هو الوعي واللاوعي هو الجمهور[3])؛ والدعوة إلى تبني الفكر الحر المرتبط بحدود العقل وضوابطه. لن أتحدث في كلمتي عن المفكر العفيف الأخضر (1934-2013)، على الرغم من كوني قرأته وتابعته على مدار السنوات الماضية فكراً وإنتاجاً، لاسيما كتابه المهم “من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ” (منشورات الجمل، بيروت، 2014)، وهذا لا يعني أن طيفه سيغيب عني طالما أنه ذلك “العقلاني الثائر”.

سأتطرق في ورقتي إلى الحديث عن “موقع الأوان” الذي أنجز العقد الأول من ربيعه، ونأمل له الاستمرارية، كمنبر يرفع لواء العقل وسط الجنون الديني والسياسي الذي يهدد مجتمعاتنا وحاضرنا ومستقبلنا، وفي ظل نهج تكميم الأفواه ومحاربة العقل النقدي الخارج على ذهنية الجموع. سأبدأ أولاً بقراءة للبيان التأسيسي الذي أصدرته “رابطة العقلانيين العرب” -بالإشارة إلى أهم مفاصله- التي اتَّخذت من الأوان (من أجل ثقافة عقلانية، علمانية، تنويرية) موقعاً إعلامياً لها، على أن أُعرف الحضور على هوية موقع الأوان ومجالات اهتمامه، وإصدارات رابطة العقلانيين العرب، وبعض الموضوعات التي تطرق إليها، وسيكون الختام بأهمية موقع الأوان في زمن الانسداد الفكري الذي يكاد يسيطر على واقعنا.

أولاً: رابطة العقلانيين العرب: العقلانيّة، العلمانيّة، الفرديّة المستقلة، والتَّعدديَّة

صدر البيان التأسيسي لرابطة العقلانيين العرب من العاصمة الفرنسية باريس، وهو نتاج مؤتمر امتد من 24 إلى 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، بدعوة من صادق جلال العظم (1934-2016) وجورج طرابيشي (1939-2016) ورجاء بن سلامة وعزيز العظمة ومحمد عبد المطَّلب الهوني، وبحضور مجموعة من المثقفين العرب.

ينطلق البيان التأسيسي من مشهد تاريخي ترك تأثيرات كارثية علينا، حيث يُستهل بما شهده العالم العربي بعد “هزيمة”  حزيران (يونيو) 1967، من تحولاتٍ اجتماعيةً ارتكاسية، من مظاهرها: الإجهاز على المنجزات الحداثية التي سبقتْ مرحلةَ الاستقلال الوطني أو تلتْها مباشرة، وصعود التيارات الإسلاموية التي تكفِّر الفكرَ والمعرفةَ والإبداع، والتراجع المتصاعد لدور المثقَّف النقدي إلى تخوم الاستقالة والتلاشي”[4].

دعت الرابطة “لإعادة الاعتبار إلى الثقافة النقدية”،  متطلعة “إلى مجتمع بديل، متحرِّر من تديين السياسة وتسييس الدين، ومنعتق من العموميات الإيديولوجية اللاَّعقلانية التي تذيب جميع القضايا في شعارات دينية مبهمة (مثل: “الدولة الإسلامية”، “المجتمع المسلم”، “الاقتصاد المسلم”… إلخ) – وهي كلها على مَبعدة شاسعة من روح العصر وأفكاره وقيمه.”[5]

لقد وضع البيان التأسيسي على سلم أولوياته “ضرورة السعي إلى تفسير الخراب العربي بأدوات عقلانية، والسعي، في موازاة ذلك، إلى إعادة بناء ما تخرَّب بوسائل عقلانية – وهي وسائل كانت أخذت بها الشعوبُ التي نأتْ بمصيرها عن المصائر العربية. والمطلوب، في الحالين معًا – كما جاء في البيان- رفض اللاَّعقلانية التي تحكم العالم العربي اليوم في مجالات السياسة والقانون والاقتصاد والتعليم والموروث والقيم الثقافية الإنسانية…إلخ. فقد أفضى تعميم اللاَّعقلانية، سياسيًّا واجتماعيًّا، بعد مرور عقود عدة على هزيمة 1967، إلى إلغاء الحريات المختلفة، وتبرير الجهل والتخلف، وتوسيع الاستبدادَين السياسي والدِّيني، وصولاً إلى المجانسة بين الشعب المهزوم والسلطة القروسطية”.[6]

ثمة خمسة مصطلحات أساسية ركز عليها البيان: “العقلانية”، “العلمانية“، “الحداثة“الفردية المستقلة” و”التعددية“. تبدو هذه المصطلحات متقاربة إلى درجة أن كل مصطلح منها يفرض وجود الآخر. إن العقلانية (Rationalism) التي تمت الإشارة إليها، تشكل ملمحاً جوهرياً وأساسياً في فلسفة التنوير، والعقلانية بمعنى العقل: هي المذهب الذي يقوم على الإيمان بالعقل وقدرته عن طريق الاستدلال العقلي الخالص على تحصيل الحقائق عن العالم.[7] يحدد البيان إطاره المعرفي في تعريف المصطلحات المشار إليها أعلاه على النحو الآتي:

  • العقلانيّة: اعتبرها البيان “مطلبًا مركزيًّا من مطالب الحداثة التي تقوم، في جُملة الأسُس التي تقوم عليها، على العَلمانية والمجتمع المدني ودولة القانون وحقوق المواطَنة، الاقتصادية والسياسية والثقافية والتعليمية والمدنية”.[8]
  • العلمانيّة: “التي لا يجوز أن تُختزَل إلى ثنائية الإيمان والإلحاد، ولا أن تُختصَر إلى إيديولوجيا مكتفية بذاتها – ذلك أنَّها سيرورة اجتماعية متصاعدة، غايتها فرد مستقل، قادر على التفكير الحر، ومجتمع ديمقراطي حر، قائم على تعاقُد اجتماعي بين أفراد أحرار. وهي في السياق دعت رابطة العقلانيين العرب إلى فصل المجال الديني عن مجال الدولة والسياسة والقانون؛ وإلى حرية الضمير، من حيث إنها تشمل حرية الاعتقاد وعدم الاعتقاد وحرية الرأي والتعبير، والأخذ بما جاءت به “شرعة حقوق الإنسان” المعترَف بها دوليًّا. فللدين حيِّز خاصٌّ به، من حقِّ البشر التعامل معه بتصورات مختلفة؛ وللسياسة والقانون وفروع المعرفة والآداب والفنون والإبداع عمومًا مجالات خاصة بها، مستقلَّة في تصوراتها ومعاييرها الاستقلالَ كلَّه عن الإيديولوجيات والتصورات الدينية”.[9]
  • الفرديّة المستقلّة الحرَّة: “التي تعترف بغيرها ويعترف غيرُها بها. ومن حقِّ المرأة، والحال هذه، أن تتمتع بالمساواة التامة مع الرجل في مجال الحقوق والحرِّيات، بما يؤكِّدها مواطنًا مستقلاًّ، متكامل الحقوق”.[10]
  • التَّعدديَّة: تنظر إليها الرابطة انطلاقاً من: “أنماط التعددية التي يشتمل عليها العالم العربي، من إثنية ودينية وثقافية، والتي ينبغي أن تقوم على مبدأي المواطَنة الواحدة والمساواة التامة، بعيدًا من كلِّ تصوُّر مجزءو يمحو حقوق المواطَنة بمصطلحات غائمة أو بدائية، مثل “الأقلية” و”الأكثرية” وروابط الدم والأواصر الأُسرية والقبلية والطائفية”.[11]

نتفق مع ما أورده البيان انطلاقاً من هدفنا بأن نكون عقلانيين تنويريين، نسعى عبر الأفكار الحداثوية ومحاولات تطبيقها إلى دعم مرتكزات العقلانية، أساس نهوض الأمم وتقدمها نحو المستقبل بعيداً من أغلال التراث وقيود التفسير الماضوي للدين وتوظيف السياسات في حروب الأديان وتهميش الإنسان وحقوقه، تحديداً في العالم العربي الذي يغزوه صراع الجهالات[12] المقدسة. أود التعقيب –بسرعة- على جملة مهمة وردت  في البيان، وأظن أنها الأشد حساسية بالنسبة للمتلقي العربي، الذي لا يتقبل –غالباً- المساحة الأعمق من الحريات سواء في تغيير دينه أو اتخاذ مسلك إلحادي. دعا البيان إلى (حرية الضمير، من حيث إنها تشمل حرية الاعتقاد و”عدم الاعتقاد”). إن الحديث عن “عدم الاعتقاد”: خطاب متقدم يتقاطع بل يتجاوز الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، التي ورد في المادة (18) منها: “لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”.[13] والحال، ماذا يعني عدم الاعتقاد[14]؟ وهل ثمة تماثلٌ بين الإلحاد[15] وعدم الاعتقاد؟ أليس اللااعتقاد –كما يتساءل زهير الخويلدي- هو في حد ذاته اعتقاداً؟ لا نهدف من هذه الأسئلة الغوص في فلسفة الميتافيزيقا، فهذا ليس تخصصنا ولا ندعي أننا على معرفة به، إنما من المفيد محاولة فهم ما المقصود بـــــ “عدم الاعتقاد” الذي شغل التفكير الفلسفي والعلمي. المقصود بـــ “عدم الاعتقاد” –وهذه وجهة نظر خاصة- حرية الاعتراف بمسألة عدم وجود الله، وهو خيار من بين خيارات عقلانية أخرى يصل إليها الإنسان بعد تجارب ذاتية وقناعات وخبرات ومسالك عقلية؛ وقد لا يتقاطع هذا التوجه–لا سيما لدى بعض الفلاسفة- مع إنكار وجود الله، بقدر كونه يمثل رفضاً لاعتبار وجود الله وجوداً مضافاً إلى باقي الموجودات[16]؛ وكأنه موجود آخر. ويقابل إنكار وجود الله، المسلك الإيماني المتضمن لتجليات التوحيد على مستوى الأديان الإبراهيمية. وعلى الرغم من أن إرهاصات الإلحاد تاريخية وقديمة، لكنها تبقى محدودة التأثير وفردية، في موازاة الجماعات المؤمنة شرقاً وغرباً، وهذا لا يدعو إلى إبطال مقولة “الإيمان التوحيدي” وخيار الإلحاد أيضاً، طالما أن منظومة الاعتقاد بالإلحاد والإيمان الديني تنحصر بما هو جواني/ فردي.

ثانياً: موقع الأوان: التَّنوير، هويَّة، كتابة وصراعاً

سنحاول هنا دراسة السياق الفكري لموقع الأوان واهتماماته المعرفية مع الإضاءة على بعض المقالات والدراسات التي نشرها.

  1. في الهويّة: الأوان من أجل ثقافة علمانيّة عقلانيّة

يعلن موقع الأوان عن هويته بمصطلحين (العلمانية/و العقلانية) وهما يحملان دلالات مهمة تتصادم -كثيراً أو قليلاً- مع واقع المجتمعات العربية التي تعاني من متلازمة الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، هذا عدا أن الجمهور العربي هو جمهور ديني، تعاني بعض فئاته من “أمية ثقافية” و”أمية دينية” ملحوظتين في الفضاء العام التداولي؛ وهو إن تخطى وتقبل –على مضض – موجبات العقلانية، فإنّه لن يحتوي أو يهضم مصطلح العلمانية، إذ يعتبرها بسبب غياب الوعي العقلاني الجمعي، دعوة للإلحاد وهذا ليس له أساس، فالعلمانية موقف فكري وتاريخي وتطوري “وفي حالات كثيرة تطورت الإيديولوجيا العلمانية تاريخياً من موقف سلبي من الدين إلى موقف غير سلبي، يتلخص بالدعوة إلى موقف محايد للدولة تجاه العقائد”[17]. يلحظ الفيلسوف ناصيف نصّار[18] في كتابه “الإشارات والمسالك من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية” أن   العلمانية تطور تاريخي بالنسبة إلى الدين؛ هي معركة من أجل التطور، مفتوحة بدورها على غنى الثقافات وتنوعها. ويرى في العلمانية سياقين مجتمعين: المجتمعات المتطورة نحو العلمانية، والمجتمعات المتطورة في العلمانية؛ وبهذا المعنى، فإنّ العلمانية تدرّج حتمي تطوري.[19]

يعرف “الأوان” عن نفسه بأنه “( موقع فكريّ ثقافيّ انطلق منذ آذار/ مارس 2007 بمبادرة وتمويل من رجل الأعمال والمثقّف اللّيبيّ محمّد عبد المطّلب الهوني، وهو منبر “رابطة العقلانيّين العرب”[20] التي تمّ الإعلان عن تأسيسها في باريس يوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2007). ويهدف الموقع إلى :

  • خلق هامش للتّفكير الحرّ المستقلّ والمعرفة النّقديّة.
  • ربط الصلة بين الطاقات الفكرية والأدبية والفنية في العالم العربي بتوفير فضاء التقاء وتبادل وحوار.
  • العمل على نشر وتطوير المعرفة حول مبادئ حقوق الإنسان، وحول القيم السّياسيّة والأخلاقيّة الحديثة، لاسيّما العلمانيّة التي تتأكّد الحاجة إلى إرسائها في العالم العربيّ.
  • الانتقال من المنهج الدّفاعيّ السّلبيّ عن الحرّيّة إلى منهج إيجابيّ، يهتمّ بتجارب الحرّيّة في مجالات مختلفة.[21]
  1. أبواب الموقع وقضاياه

هذا على مستوى التعريف، فماذا عن الأبواب وأبرز الموضوعات التي يتناولها وتتصدر موقع “الأوان”؟ جاءت الأبواب على النحو الآتي: مقالات/ أبحاث/ حوارات/ إصدارات وقراءات/ تعريفات/ ملفات/ نقاش/ شهادات/ تحقيقات/ ذاكرة الحداثة/ كتابة/ فنون.

أخذ الموقع على عاتقه معالجة قضايا شديدة الأهمية ويعتبر من أهم المواقع العربية وأكثرها وضوحاً وصدماً في ما يتعلق بـــ “نقد الخطاب الديني الإسلامي” السائد، و”الأصوليات الدينية” وتفكيك “أنماط التدين المتطرف” من زوايا متداخلة التخصصات، عدا التطرق إلى قضايا المرأة العربية والمسلمة من ناحية نقدية خصوصاً الموضوعات التي تُعد من المحرمات: الجسد/ الجنس، السلطة الفقهية/ المرأة، العورة / الجسد الأنثوي، والمثلية الجنسية. طبعاً ثمة ملفات وأفكار وإشكاليات وهموم معرفية كثيرة ومتشعبة قام موقع “الأوان” بنشرها” تتشبع بالسياسة والمجتمع والثقافة والدين والفن والفلسفة والفكر.

تعد صفحة “ملفات” الأكثر غنى وقد نشرت ضمن موضوعات ضمن حلقات بدءاً من عام 2008 حتى عام 2017، اختلفت مقارباتها وتنوعت في الحقول السياسية والأنثروبولوجية الدينية والتاريخية والثقافية، نذكر منها على سبيل المثال: “انتفاضات العالم العربي”، “الأقليات والمواطنة”، “المثلية الجنسية”، “داروين والداروينية”، “الإعلام وثقافة الجموع”، “محمد عابد الجابري والفكر النقدي”، “ما العقلانية؟ أيّ عقلانية؟” “طابو البكارة اليوم في ديارنا نحن”، “الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة”، “الذكورات المنبوذة”، و”جورج طرابيشي ودوره في التنوير العربي”. إن الجزء الأكبر من هذه الملفات صدر ضمن سلسلة “كراسات الأوان” التي تصدرها رابطة العقلانيين العرب بالتعاون مع دار بترا السورية.

  1. إصدارات رابطة العقلانيين العرب

أولت رابطة العقلانيين العرب اهتماماً بنشر مجموعة من الكتب الريادية (بالتعاون مع دور نشر عربية أو بشكل مستقل)، وقد تنوعت الإصدارات وتشعبت بين علم النفس، علم الاجتماع، تاريخ الأديان، العلوم السياسية، والتاريخ وغيرها. الجدير بالذكر أن الرابطة أصدرت سلسلة “الإسلام واحداً ومتعدداً (بالتعاون مع دار الطليعة، بيروت)، وضمت هذه السلسلة العناوين الآتية – على سبيل المثال لا الحصر-: “الإسلام السُنّي” (بسام الجمل)، “الإسلام الخارجي” (ناجية الوريمي بوعجيلة)، “إسلام الفلاسفة” (منجي لسود)، “إسلام الفقهاء” (نادر حمامي)، “الإسلام الشعبي” (زهية جويرو)، “الإسلام البدوي” (محسن التليلي)، “الإسلام الأسود” (محمد شقرون)، “إسلام الساسة” ( سهام الدبّابي الميساوي)، و”إسلام المجددين” (محمد حمزة). يضاف إلى هذه السلسلة إصدارات أخرى بينها: “أعلام النبوة: الرد على الملحد أبي بكر الرازي” (أبو حاتم الرازي) (بالتعاون مع دار الساقي)، “فلينزع الحجاب” (شاهدورت جافان) (بالتعاون مع دار بترا, سوريا) “حرية الاعتقاد الديني: مساجلات الإيمان والإلحاد منذ عصر النهضة إلى اليوم” (مجموعة باحثين، بالتعاون مع دار بترا، سوريا)، “المرض بالغرب التحليل النفسي لعصاب جماعي” (جورج طرابيشي، بالتعاون مع دار بترا، سوريا).

  1. عناوين وموضوعات من موقع الأوان

نختار هنا بعض النماذج من موقع الأوان على أن نكتفي بعرض بعض العناوين وفقاً للأبواب المدرجة:

  • باب “مقالات”: “ظاهرة تقتيل النساء” (مرزوق الحلبي، 3 شباط/ فبراير، 2017)؛ “في الحاجة إلى الغير” (أحمد العطار)، “في العلاقة بين العلمانية ومفاهيم أخرى” (عبد الإله إصباح)، “ولي الأمر هروب منك أم معك” (هند سليمان).
  • باب “أبحاث”:اللغة والفكـــر عند فيتغشتين” (الحاج بنزينب)، “ألغاز الأناجيل: بولس نبي المسيحية” (فراس السواح)، “دراسة في حديث نبويّ متأخر “حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”” (يعقوب قسطر).
  • باب “حوارات”: “حوار مع الأنّاس موريس غودلييه” (حاوره: جان فرانسوا بيرت)، “الفيلسوفة المغربية ناديا تازي وسياسة الفحولة في الإسلام” (حاورها: مها حسن)،الإسلاموفوبيا ومخرجات الرَّبيع العربيّ مقابلة مع د. وليد مهدي” (حاوره: صلاح شعبي).
  • باب “تعريفات”: “في جذور فكر ميشال فوكو” (محفوظ أبي يلعد)، “مصطلحات حول المرأة” (سماح الشيخ)، “بدايات السيرة الذاتية النسوية العربية” (كمال الشيحاوي)، “الذات والآخر” (هشام روحانا).
  • باب الملفات[22]: “الرسوم المسيئة للرسول” ( حلقتان، أيمن رمزي)، “بوعلي ياسين أحد وجوه الفكر النقدي” (خضر الآغا، 5 حلقات)، “المهمشون والهامشيون” (9 حلقات، عثمان أشقرا).
  • باب “نقاش”: “نقد النقد الماركسي للإصلاح اللاّهوتي” (سعيد ناشيد)،”الدولة العلمانية والمسألة الدينية مرة أخرى” (جاد الكريم الجباعي)،”المثالية المفرطة – حول الانعتاق السياسي المفضي إلى الاغتراب” (سلامة كيلة)، “إلى السيّد رضوان السّيّد : الخليج لا يحتاج إلى قرضاوي آخر” (محمد عبد المطلب الهوني).
  • باب “شهادات”: “من البدايات إلى تحليل الخطاب” (نصر حامد أبو زيد)، “حديقة الجنوب في شمال أفغانستان” (خالد منصور) “في ذكرى النيسان اللبناني: ما يحزن هو رفض الذاكرة” (خالد سليمان)، “للنساء مسرات الغياب” (لطيفة الدليمي)، “محمد أركون مشروع نقدي كبير” (محمد وقيدي).
  • باب “تحقيقات”: الجنس واليسار والإعلام” (عبد الصمد الديالمي)، “اللجوء السياسي والتحول إلى المسيحية في النروج” (محمد حاج صالح)، “من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو” (فتحي بن الحاج يحيى).
  • ذاكرة الحداثة: “الحداثة المترددة” (محمد الشرفي)، “من جرح الهزيمة إلى ضمادة التراث” (جورج طرابيشي)، هنَّ يكتبن… هنَّ يفعلن (2/2) (موقع الأوان).
  • باب “كتابة”: “قصائد الأب” (إبراهيم زولي)، “ابتسمي.. سيعلو هذا الصراخ”، (قصي زهر الدين)، “سركون بولص: عظمة أخرى لكلب القبيلة” (نجوى بركات)، “الملك الأخير” (علي سيف الرواحي).
  • باب “فنون”: “لأننا نبني الجدران” (لواء يازجي)، “الهوية اليهودية بين قلق الشتات” (معاذ حسن)، “خادمتا الأسدي” (يارا بدر).

الخاتمة

تعاني الأقطار العربية من انسداد فكري يتبدى بأنماطٍ وسلوكيات وأساليب تعبير سياسية وثقافية ومجتمعية ودينية عدة. لقد شهد العقد الأخير، عربياً، أشد أنواع العنف المادي والرمزي مارسته السلطات السياسية والدينية، الساعية إلى احتكار “معنى الحقيقة” ضمن قوالب رسمية، سلطوية وعقدية، وقد انعكس ذلك في مجمل حركية العقل النقدي لدى العديد من الكتّاب ودور النشر والباحثين والصحف والمثقفين والنخب الثقافية، التي انسحبت من دورها الطليعي وانزوت تحت قبة مثقف السلطة- مع أهمية الإقرار بأن هذه الظاهرة ليست ظاهرة عامة ولا تنطبق على الجميع- ولم يكن توظيف المال (مال السلطان) في الثقافة والفنون بمنأى عن آليات الترويض. هذه العوامل، وغيرها من العوامل، أسهمت – إلى حد كبير- في تراجع اللغة النقدية، لاسيما النقد الموجهة للخطاب التقليدي الإسلامي والفكر الديني، إلى جانب نقد السياسات السلطوية. وعلى قتامة الصورة العامة للمشهد الثقافي العربي، تصدح أصوات ومنابر عدة، تعمل على كسر جدران الصمت ونهج تكميم الأفواه وصناعة اللون الواحد. ويعتبر “موقع الأوان” من المواقع العربية الريادية والسباقة في تعرية “المسكوت عنه” في الدين والثقافة والسياسة والاجتماع، وبقي صامداً على الرغم مما تعرض له من هجوم مضاد من قبل “حراس العقائد والحدود”  أو من قبل الناطقين باسم المقدس بخلفياته الدينية والسياسية.

خلال العشرة أعوام الماضية حدثت تحولات كبيرة، تتخطى خطورتها الانزياحات والتبدلات والجراح التي عرفها العرب بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، والتي أشار إليها البيان التأسيسي لــ “رابطة العقلانيين العرب”. ربما تكون ارتدادات “الربيع العربي” الأعنف والأخطر، ليس بسبب الاحتجاجات المدنية، وإنما بما أنتجته العسكرة من نتائج كارثية. واكب “موقع الأوان” عبر كتّابه وقضاياه أبرز الأحداث التي طبعت هذا العقد المضطرب والقلق والفوضوي، دون أن ينزلق إلى “أدبيات التحريض” المذهبي والطائفي، الذي تقف خلفه مؤسسات إعلامية ودول، أدت إلى إنهاك المجتمعات العربية، تحديداً في السنوات الأخيرة.

لقد صنع موقع الأوان “هوية عقلانية/ علمانية” واضحة، استطاع عبرها نشر الأفكار والأطروحات التي حاولت معاينة ونقاش معضلات وأمراض مجتمعاتنا، لاسيما الأمراض السياسية والدينية (الأصولية منها والتقليدية). وتأتي الاحتفالية بمرور عشرة أعوام على تأسيس موقع الأوان، في ضوء أسئلة كثيرة، نطرح هنا بعضها: كيف يمكن استعادة العقلانية العربية في ظل هذا الخراب العميم؟ وأي صلة بين “الخراب العربي” والاضطرابات المتلاحقة التي يمر بها العالم؟ ومن أين تبدأ معركة تحرير “العقل العربي” المكبل بالسلفيات والأصوليات ونفي الآخر الديني والإثني والإيديولوجي؟ وأين هي النخب الثقافية العربية من معارك الحداثة؟ وهل سيؤدي هذا المخاض العربي المؤلم إلى ولادة “عصر جديد” يماثل ما خبرته أوروبا في القرن الثامن عشر؟ نترك هذه الأسئلة مفتوحة على المستقبل ولا ندعي أننا نملك إجابة واضحة عليها.

**********

[1]  كانت، إيمانويل، تأملات في التربية, ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب وتعليق: محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر، تونس، الطبعة الأولى، 2005، ص 85 وما بعدها.

[2]  في مقال تحت عنوان “إلى عقلاء الكويت والخليج: ما مزايا تدريس الفلسفة؟” وجّه العفيف الأخضر رسالة إلى الدوائر التعليمية في الخليج، محدداً فيها أهمية تدريس الفلسفة في الثانويات. تقاطعت مقالته التي نشرها عام 2008 مع دعوة لجنة التشريع في مجلس الأمة الكويتي، أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، إلى التراجع عن تدريس الفلسفة في مرحلة الثانوي. يبين الأخضر مركزية الفلسفة ودورها في تكوين العقل النقدي مؤكداً أن تعليم الفلسفة لصغار المسلمين “حدث سعيد”. فما هي فوائدها لهم من وجهة نظره؟

أولاً: تساعد على تحديث ذهنياتنا بإعادة صوغ شعورنا ولا شعورنا وطرائق تفكيرنا. ثانياً: تعلمهم السؤال الفلسفي الغائب في ثقافتنا التي لم يسد فيها إلا سؤال الفتوى الدينية؛ وتعلمهم أن السؤال أهم من الجواب، السؤال يفتح آفاقاً بلا ضفاف للبحث وينشط الفضول المعرفي. ثالثاً: تدريس الفلسفة في الثانوي ضروري لإعداد أجيال الغد للمساهمة، مع بقية البشرية، في طرح السؤال الفلسفي ومحاولة تقديم مشروع إجابة عنه. الفلسفة وحدها تعلمهم التفكير الفلسفي، أي التفكير بالمفاهيم التي تساعدهم بدورها على مقاربة ناجعة لمشكلات عصرهم. قال كانت: “الكتابة الفلسفية هي كتابة للمفاهيم”. رابعاً: تعلّم إنتاج المفاهيم منذ الصغر هو الكفيل بإنتاج الإنسان ذي المشروع. إنسان أجيال الغد؛ الإنسان ذو المشروع يصوغ نظرياً فرضية جيّدة البناء تتبلور في فكره ثم يشرع في وضعها موضع التطبيق. خامساً: الفلسفة تعلّم الأجيال الطالعة أيضاً مبادئ التفكير الواقعي؛ المعيار الأول للتفكير الواقعي هو التمييز بين الضروري في المطلق شبه الميتافيزيقي والممكن في النسبي التاريخي؛ وهو تمييز حاسم في الفلسفة السياسية كما في فلسفة الأخلاق والقيم. راجع: الأخضر، العفيف: “إلى  عقلاء الكويت والخليج: ما مزايا تدريس الفلسفة” موقع إيلاف الإلكتروني، 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.

[3]  هذه الخلاصة خرج بها المحلِّل النفسي اللبناني عدنان حب الله  (1935-2009) (محلّل العنف الأهلي في لبنان).

[4]  رابطة العقلانيين العرب، البيان التأسيسي، موقع معابر، على الرابط التالي:

http://www.maaber.org/issue_january08/lookout2.htm

[5]  المرجع نفسه.

[6]  المرجع نفسه.

[7]  العقلانية، الموسوعة العربية، المجلد الثالث عشر، ص 328.

[8]  بيان رابطة العقلانيين العرب، مرجع سابق.

[9]  المرجع نفسه.

[10]  المرجع نفسه.

[11]  المرجع نفسه.

[12]  استخدم المفكر الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد عنوان “صراع الجهالات”  (The Clash of Ignorance) في مقالة له رداً على نظرية المنظر السياسي الأميركي صموئيل  هنتنغتون (1927-2008) حول “صراع الحضارات”.

[13]  الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، موقع الأمم المتحدة، على الرابط التالي:

http://www.ohchr.org/Documents/Publications/FactSheet2Rev.1ar.pdf

[14]  يرى إيمانويل كانت أنه “توجد ثلاث درجات من الاعتقاد: الظن، الإيمان، والعلم. الظن اعتقاد يعي عدم كفايته ذاتياً وموضوعياً، أما إذا كان الاعتقاد كافياً من الناحية الذاتية فحسب، على حين أنه غير كافٍ من الناحية الموضوعية فهو يسمى إيماناً، وأخيراً أن الاعتقاد الكافي من الناحيتين الذاتية والموضوعية معاً يطلق عليه اسم العلم”. موقع ملتقى ابن خلدون للعلوم والفلسفة والأدب، على الرابط التالي:

http://ebn-khaldoun.com/les_lecons_plus.php?id=43

[15]  الإلحاد  هو عدم الاعتقاد بأي إله شخصي أو غير شخصي أو آلهة، وعدم الاعتقاد بأي كينونة خارقة للطبيعة, الإنسان الملحد Atheist هو عكس ألتأليهي لا يؤمن بإله خلق الكون ويتحكّم به أو بآلهة. مقابل الإلحاد هناك التأليهيّة: وهي الاعتقاد بوجود إله شخصي (أي إله الأديان الإبراهيميّة) خلق الكون ويتحكّم به، ويؤثر بطريقة غامضة في عمل كل شيء فيه, فالإنسان التأليهي (أو المؤمن بإله شخصي) يعتقد أن كل ما يحدث في الكون هو نتيجة مباشرة للعناية الإلهية, والإنسان التأليهي أيضاً، يمكن أن يؤمن بأكثر من إله واحد (كالميثولوجيا الإغريقيّة). راجع موقع: (Scientific Agnostics) على الرابط  المختصر التالي:

http://cutt.us/JZt1m

[16]  عزمي، بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الجزء الثاني، المجلد الأول، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الدوحة، الطبعة الأولى، 2015، ص 382.

[17]  المرجع نفسه، ص 97.

[18]  راجع: نصّار، ناصيف، الإشارات والمسالك من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2011.

[19]  في السياق العربي يقول ناصيف نصّار: ” لم يكتب حتى الآن تاريخ دقيق لتطور فكرة العلمانية في العالم العربي الحديث، وعلى الرغم من ذلك يمكن القول: إن تاريخ العلمانية عند العرب في العصر الحديث مرّ بمراحل صعود ومراحل هبوط، ولم تكن العلمانية في يوم من الأيام قضية مركزية فاعلة في الثقافة والاجتماع والسياسة. لقد جرى تطور نحو العلمانية في الحقبة التي سبقت حقبة الثورات التي ظهرت في أواسط القرن الماضي، وبعد ذلك وقعت العلمانية في مواجهة أنظمة استبدادية لم تعارضها ولكنها لم تحملها كقضية مركزية. المفعول الرئيس لتلك الأنظمة الاستبدادية كان تجميداً للوضع العلماني، فلم تعمل على ترسيخ استقلالها عن الدين ولم تفسح في المجال لتحرر العقل من هيمنة الدين أيضاً. من هذه الناحية، عرقلت الأنظمة نمو الفكرة العلمانية في البلدان العربية، ومن جملة نتائج هذا الوضع أن الفكرة العلمانية لم تكتسب وضوحاً وقوة ومناعة كافية في الرأي العام، علماً بأن العلمانية قابلة لتأويلات متباينة جداً، فبعضهم يرى فيها منطلقاً للإلحاد أو الابتعاد من الدين، وبعضهم يرى فيها إنتاجاً غربياً خالصاً لا يصلح إلاّ للبلدان الغربية، وبعضهم يرى فيها مؤامرة على الدين الإسلامي وبعضهم يردها إلى انفصال الدولة عن الدين بهدف محاربته وهكذا. في حين أن العلمانية في نظري فكرة فلسفية كونية تقوم على ركنين أساسيين: الأول: استقلال السلطة السياسية عن الدين؛ والثاني: استقلال العقل عن الدين، وهذا لا يعني إطلاقاً ترك الدين بالكامل ولا يعني تحرر المجتمع الإنساني من الدين، إذ إن الدين يقوم على الإيمان، والإيمان ممكن مع استقلال العقل والدولة عن الدين”. راجع: صحيفة “الراي” الكويتية، قضايا، الثلاثاء 10 كانون الثاني (يناير) 2012، على الرابط التالي:

http://www.alraimedia.com/ar/article/issues/2012/01/10/305652/nr/nc

[20]  تضم الهيئة الاستشارية للأوان أسماء بارزة للأسف فارقنا عام 2016، صادق جلال العظم، وجورج طرابيشي. أما بقية أعضاء الهيئة فهم: عزيز العظمة، محمد عبد المطلب الهوني، رجاء بن سلامة، عادل الحاج سالم، وائل السواح، وسعيد ناشيد.

[21]  راجع موقع الأوان على الرابط التالي:

من نحن

[22]  نشير هنا إلى بعض العناوين التي لم نشر إليها خلال حديثنا عن أهمية باب الملفات في موقع الأوان أعلاه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

الرد على 1 |

إلغاء الرد

Share This