معنى الحقيقة في الفيزياء المعاصرة
مقدمة
إذا ما أردنا أن نحدد المعيار الّذي يحدّد تطورنا المعرفي، لما وجدنا غير تلك السّمة الّتي تلازم الإنسان – كوعي متطور- إنها السعي الرهيب والحثيث نحو ما يسميه ” الحقيقة “، التي قد تنطوي على معنى نفسي أكثر مما تنطوي على معنى وجودي. إنّها الرَّغبة الأزلية في تأطير الوجود الخارجي ضمن سياق مفاهيمي يمكن فهمه ومن ثمّ التعامل معه، من خلال ما يدعى “القانون”، الّذي اعتدنا على فهمه كأنّه “هناك” نسعى إليه. فهل استطاعت الفيزياء كعلم شامل كلي ينطوي على أكثر الاشكالات الفلسفية تعقيداً في عصرنا الحاضر، أن تصل إلى هذا الغامض الغائب الحاضر الذي ندعوه “الحقيقة” أم أنها قدمت لنا معيار جديد آخر.
الحقيقة مطلب موضوعي
الواقع أنّ اكتشاف النظريّة الموحدة كمعيار للحقيقة، ربّما لن يساعد نوعنا على البقاء، بل قد لا يؤثر ذلك في نمط حياتنا، ولكن منذ فجر الحضارة الإنسانيّة لم يكن البشر مقتنعين أن يروا الأحداث غير مترابطة وغير مفهومة، لقد كنا شغوفين لفهم النظام الذي يسير عليه العالم. ولا نزال حتّى اليوم نتطلع إلى معرفة السبب في وجودنا، ومن أين أتينا. والرّغبة الإنسانيّة العميقة للمعرفة سبب كاف للتّساؤلات المستمرة، ولا يزال هدفنا هو الوصف التّام للعالم الذي نعيش فيه. حيث ولأكثر من ألفي عام، ظلّ سؤال ” لماذا هناك شيء ما بدلاً من لاشيء؟ ” تحدياً لافتراضيّة مؤداها أن كوننا الّذي يحتوي على تعقيد واسع من النجوم والمجرات والبشر، يمكن أن يكون قد انبثق من دون تصميم أو غاية، وبينما هذا السؤال يؤطر على أنّه سؤال فلسفي أو ديني، فهو أولاً وأخيراً سؤال عن العالم الطبيعي [1]، الّذي يدرسة العلم الطبيعي وهو الفيزياء.
وليس من ريب أنّ العلم ليس ذلك التعبير الجامد عن القوانين الكونية التي نسمع عنها جميعاً في مراحل التعليم، وليس أيضاً مجموعة من القواعد الاعتباطية، وإنّما هو كيان معرفي متطور، وكثير من الأفكار الّتي نبحث فيها حالياً سيثبت خطؤها أو عدم اكتمالها يوماً مّا، فالأوصاف العلمية تتغيّر بالتّأكيد مع تخطينا حدود معرفتنا، وخوضنا غمار المجهول لنصل إلى مناطق أبعد يمكننا فيها أن نلمح إشارات لحقائق أعمق. إنّ المزيد من إدراكنا للكون والمادة، يعني المزيد من الإثراء لوجودنا. والمزيد من الإحساس بالجدوى والقدرة والثبات، إنّه الشّعور الحقيقي، ولو لفترة تطور أو تقصر، بأنّ الذّات متّحدة في الكون وليست غريبة ومغتربة عنه. وعندما يقول العلماء أنّهم يعلمون شيئاً مّا، فهم لا يعنون بذلك إلاّ أنّ لديهم أفكاراً ونظريات محدّدة خضعت تنبؤاتها للاختبار الدّقيق (على نطاقات معينة من المسافات والطاقات) كما أنّ هذه الأفكار أو النظريات، لا تمثّل بالضرورة قوانين أبدية لجميع العصور، أو أساساً للقوانين الفيزيائية، وإنّما هي قواعد قد تنطبق على النحو الّذي يمكن لأيّ تجربة اختباره في إطار المعطيات المتاحة للتكنولوجيا الحالية. ولا يعني ذلك أن هذه القوانين لن تحل محلها قوانين أخرى جديدة: فنظريّة نيوتن مثلاً، نافعة وصحيحة، لكن فعاليتها تتوقّف عند حدود سرعة الضوء التي تنطبق عليها نظرية آينشتاين، أو بالقرب من ذلك الحدّ، ومن ثم فإن قوانين نيوتن صحيحة وغير كاملة في الوقت نفسه، فهي تنطبق على نطاق محدود.[2] وقبل سنة 1915 كان الاعتقاد السائد أنّ المكان والزمان مسرح ثابت تجري عليه الأحداث وحسب، ولا يتأثر بما يحدث عليه، وقد كان ذلك صحيحاً حتّى بالنسبة للنظريّة النسبيّة الخاصّة الّتي وضعها أينشتاين قبل ذلك بعشر سنوات، وكانت الأجسام تتحرّك وتتنافر وتتجاذب القوى، بينما كان الزمان والمكان كما هما لا يتأثران بشيء، وكان من الطبيعي أن الزمان والمكان أبديان. غير أنّ الوضع لم يعد كذلك في النسبيّة العامة، إذ تغيرت الحقائق، وقد أصبح الزّمان والمكان كميّات ديناميكية: فإذا تحرك جسم أو أثرت فيه قوة، فذلك سيؤثر في تحدب الزمان والمكان، وستقوم بنية الزمكان بدورها بالتأثير في طريقة حركة الجسم، والقوى التي تؤثر فيه. ولا يؤثر الزمان و المكان في الأشياء، بل يتأثران بكل ما يحدث في العالم. وكما أننا لا نستطيع الحديث عن أحداث العالم من دون إخضاعها لمفهوم الزمان والمكان، كذلك الأمر في النسبية العامة يصبح لا معنى له أن نتحدث عن الزمان والمكان خارج حدود العالم. وكان لا بد أن يؤدي فهمنا الجديد عن المكان والزمان بعد عام 1915 إلى تطوير نظرتنا للعالم، فالفكرة القائلة بعالم ثابت لا يتغيّر، قد استبدل بها مفهوم ديناميكي لكون متمدد، والّذي يبدو أنه قد بدأ في وقت محدد من الماضي، وسينتهي في وقت محدد في المستقبل .[3]
لقد كان كانط يعتقد أنه ما لم يستطيع تأسيس حقيقة قبلية تركيبيّة في الفيزياء على الأقلّ، فإنّ المجال سينفتح أمّا تحدّي الشّك من جانب أولئك الّذين ينكرون قدرة البشر على اكتشاف القوانين الطبيعية، وأولئك الّذين يقولون بأن القوانين التي نميط عنها اللّثام لا تكشف عن الطبيعة الأساسيّة للأشياء. وكان كانط يقصد هنا حجة هيوم الّتي تقول أنّه إذا كانت قوانين الطبيعة لا يمكن معرفتها باعتبارها قبلية، فإنّها إذا يمكن معرفتها عن طريق خبرتنا، غير أنّ الخبرة يمكن أن تزودنا بقدر محدود من الشواهد على قانون مّا. وحيث إن القوانين تزعم أنّها صادقة في كلّ مكان وزمان، فإنّ ذلك يستتبع أن مزاعمها تتعدّى أي قدر من الشّواهد الّتي نستطيع أن نقدّمها لها. وبالتّالي، نصبح القوانين العلميّة في أفضل الحالات فرضيات غير مؤكّدة، وتصبح دعاوى الفيزياء مفتوحة إلى الأبد أمام الشّك. وعندها، كان يخشى أن تسعى الميتافيزيقا التأمليّة إلى سدّ هذا الفراغ الشكّي .[4] هذا التّصور لم يكن إلاّ نتيجة الربط الّذي كان يعتقد أنّه لا بدّ أن يكون بديهياً، والقائل أنّه لكي نتصوّر فكرة مّا عن حقيقة القوانين الطبيعيّة ينبغي أن ننطلق من تصوّرات ذهنيّة ذات صفة مطلقة ويقينيّة نبني عليها قوانيننا. لكن ما تفاجئنا به الفيزياء أنّ ذلك ليس ضروري لبناء حقائق عن العالم، و إن العلاقات الإحصائيّة في حدّ ذاتها لا تفسّر الارتباط السّببي، ولا تعكس وجوده.
ذلك أنّ الحقيقة العلمية ليست هي الوقائع، بل ما يقرّره العلماء عن هذا الواقع، وليس ثمّة حقيقة علميّة نهائيّة، بل تواصل النظريات المتعاقبة خطواتها عن طريق ذلك الطموح والتّطلع الّذي لا يكفّ لحظة عن التّقدم.[5] إذ أنّ الفيزياء لم تعد تكتفي بتفسير ما هو مألوف وفق المنطق الكلاسيكي. وقد تعتقد أنّ بعض ما نؤمن بصحته على قدر من الجنون والإزعاج يجعلك لا ترغب في قبوله، لكن ذلك لن يغيّر من حقيقة أنّ هذه هي الكيفيّة الّتي تسير بها أحوال الطبيعة.[6] والفيزياء تحقّق التّقدم من خلال دراسة الظواهر في نطاقات مختلفة، فيطرح الفيزيائيون أسئلة مختلفة عند دراسة الأحجام والمكونات المتباينة، مثلاً: تختلف الأسئلة التي نطرحها بشأن إرسال سفينة فضاء إلى المريخ اختلافاً تاماً عن الأسئلة التي نطرحها عن كيفية تفاعل الكواركات، كلا النّوعين من الأسئلة مشروع، لكن لا يمكننا استنتاج أحدهما من الآخر، ومع ذلك، فإنّ المادة التي تُرسل إلى الفضاء مصنوعة من المكونات الأساسيّة الّتي نطمح إلى فهمها في النّهاية.[7] هناك حقيقة إذا تقول أنّ سفينة الفضاء ستنطلق إلى المريخ، وأنّ أرض المريخ صلبة لتحط عليها تلك السفينة، لكن السفينة و أرض المريخ وبنية الكون مؤلفة من ذرات، والذرات مكوّنة من إلكترونات وكواركات وجسيمات أخرى، والكوارك صغير مقارنة بالبروتون والنيوترون، بقدر ما يكونان هما مقارنة بالذّرة، وما بين النواة المضغوطة المركزية والالكترونات الّتي تدور حولها عن بعد، تعد الذرات خاوية بشكل شبه تام من المنظور الجسيمي، ويمكن أن يُقال الشيء نفسه عن الأجزاء الداخلية للنويات الذرية. خلاصة القول، التركيب الأساسي للذّرة يتجاوز حدود التصوّر الواقعي، وفراغها عميق .[8] وبالوقت نفسه فإنّ هذا الفراغ الهائل هو فقط من منظور الجسيمات الّتي بداخل الذّرة، وهذا ليس سوى جزء من الحقيقة، فالفراغ الدّاخلي مليء بمجالات القوى الكهربائيّة والمغناطيسيّة الّتي تتمتع بقوة هائلة، وهي القوى الّتي تمنح الصلابة للمادة على الرغم من الافتراض أن ذراتها فارغة. إذ يقول فيلسوف العلم مارجينو “لكي نكون منسجمين مع روح العلوم الفيزيائيّة، يجب أن نقبل نتيجة لم يدركها كثير من المفكرين في الماضي، وهي أنّ الاحتمالات رهن بدرجة من درجات الحقيقة … ومن ثمّ فإنّ الاحتمال، باعتباره حقيقة فيزيائيّة، ممتد خلال الفضاء كلّه. مثل الوسط المتصل الخالي من المادة. وهو في الواقع يشكل مجالاً”.[9]
الحقيقة والفيزياء
إبستمولوجياً، يمكن التّحدث عن إنقسام حاد جرى خلال تطور الفكر الفيزيائي، ففي فترة الفيزياء النيوتونية، أعتبرت الكتل المادية وتحركاتها وحدها على أنّها حقائق، بينما لا تذكر فيزياء القرن العشرين، لا سيّما الكمومية، أي شيء عن ماهية الحقيقة. وقد أصبحنا مع هذه النظريّة العظيمة – الكموميّة – نفهم أنّ جميع النظريات الفيزيائيّة، هي مجرّد نظريات فعالة تصف الطبيعة عند نطاق معين من المقاييس. فلا توجد حتّى الآن شيء يسمّى “حقيقة علمية مطلقة” إن كنّا نعني بذلك نظريّة تصلح لجميع المقاييس ولكل الأزمنة، ومن المفارقات أنّه على الرّغم من أنّ نظريّة الكوانتم هي أنجح نظريّة اقترحت من العقل البشري (غالباً ما تكون دقتها بنسبة واحد إلى عشرة مليارات) إلاّ أنّها مبنيّة على رمال من المصادفة والاحتمالات، وعلى النقيض من نظرية نيوتن الّتي أعطت أجوبة محدّدة صعبة لحركة الأجسام، لا يمكن لنظرية الكوانتم إلاّ أن تعطي احتمالات.[10] وبالتالي لا بدّ أن نسلّم معها على النتيجة الّتي توصلت إليها فلسفة الفيزياء الناتجة عن الثورة الفيزيائيّة الكموميّة، بأنّه ينبغي على وجه الإجمال ضمن مجال البحث العلمي الفلسفي أن نميّز بين “القوانين الطبيعية” الصادقة في كلّ زمان ومكان سواء كشفنا عنها أم لم نكشف (وهو للمفارقة طرح افتراضي يتعلّق بإمكانيّة وجود تلك القوانين المنفصلة عن الإنسان بالمعنى الأفلاطوني أم لا) وبين ” القوانين العلميّة” وهي تلك الّتي سوف نسمي بها الفرضيات المؤسسة بشكل جيّد في العلم، باعتبارها أفضل ما نملك في الوقت الراهن من التقديرات لماهية القوانين الطبيعية، وبما أننا لا نستطيع معرفة ما إذا كانت قوانيننا العلميّة هي قوانين طبيعية، أي ما إذا كانت صادقة، فإنّنا من ثمّ لا نستطيع أبداً أن نعرف ما إذا كان أي تفسير يحقق شرط الصدق الكلي.[11]
لقد وضع مبدأ الارتياب، النهاية لحلم لابلاس عن نموذج حتمي للعالم، ويمكن أن نتصور أنّه لا تزال هناك فئة من القوانين الّتي يمكن بتوظيفها تحديد الأحداث تماماً لكيان ما ذي قوّة خارقة للعادة (مختلف عنّا)، إذ تستطيع هذه القوة مشاهدة الحالة الحالية للعالم من دون أن يحدث لها أي اضطراب. وقد أدى ذلك بكل من هايزنبرغ وشرودينغر وديراك إلى إعادة صياغة ميكانيك نيوتن وتحويله إلى نظرية جديدة هي (ميكانيكا الكوانتم أو الكم) تقوم على مبدأ عدم اليقين أو الارتياب، وفي هذه النظرية لم يعد للجسيمات مواقع أو سرعات محددة منفصلة، وبدلاً من ذلك اقترح هؤلاء العلماء حالة كميّة خليط من الموقع والسرعة محدّدة بواسطة مبدأ عدم التيقن وحسب.[12] والمشكلة هنا أن كل من حدسنا ولغتنا، مستمد من التّفكير الكلاسيكي، الّذي لا يأخذ ميكانيكا الكم في الاعتبار، لكن ذلك لا يعني أن أي ظاهرة غريبة ممكنة بمنطق الكم. علينا إذا، كما بين بور، ألّا نعزو إلى الشّيء الذري (كالالكترون) شيئاً من الخواص التقليدية للجسيم. إنّ ” موضع الجسيم وسرعته” تعبير ليس له معنى تشغيلي إذا طبق على الجسيمات الصغيرة، ولكن لكي نقرب هذه الجسيمات إلى تصوّرات الطبيعة البشريّة نفعل ذلك. فهي جسيمات ليست لها الصفات التقليديّة للجسيمات، وعندما نتناول الحديث عن تأثر قياس سرعة الجسيم بموقعه أو العكس، فإنّنا نتحدّث تبعاً للفطرة السليمة في فهم الأمور. فالجسيمات هنا “ذات” موضع وزخم، غير أنّه لا يمكن مشاهدتهما في وقت واحد. هذه الطّريقة من الحديث طريقة سليمة وفق التّصور التقليدي، ولكن إذا ادعينا أن هذا هو ما يحدث فعلاً، فإنّ هذه الطريقة في الكلام تصبح عندئذ تفسيراً ميتافيزيقياً للسلوك الواقعي للجسيمات الذريّة.[13]
وميكانيكا الكم لا تعني أنّه لا يوجد تنبؤات يمكن الاعتماد عليها، ومعظم القياسات محكومة بقيود عملية وليس بمبدأ عدم اليقين وحسب.[14] يعني ذلك أن الحاجة الفيزيائيّة لإعادة التّطبيع بسيطة: النظريّة المطلقة – أي النظريّة الّتي نستنبطها من واقع المشاهدات بصورة اعتباطية نزولاً حتّى المقاييس الصغيرة، ليست هي النظرية الصَّحيحة، و القيم اللاّنهائيَّة هي العلامة الدّالة على هذا .[15] ذلك أنّ الافتقار إلى الفحص الدّقيق التّجريبي للمسافات بالغة الصغر، كثابت بلانك، يمكن أن يتجاوز كونه مظهراً لمحدوديّة الخيال أو التكنولوجيا، أو حتّى التمويل، فعدم القدرة على الوصول إلى المسافات الصغيرة يمكن أن يكون قيداً حقيقياً تفرضه قوانين الفيزياء. إنّ الفحص الدقيق للمسافات الصغيرة يتطلب طاقات عالية، لكن بمجرد أن تصير الطاقة المحاصرة في منطقة صغيرة كبيرة للغاية، تنهار المادة مخلفة ثقب أسود، وفي هذه المرحلة، تكون الغلبة للجاذبية، وتؤدي زيادة الطاقة إلى جعل الثقوب السوداء أكبر حجماً، وليس أصغر، وهو الأمر الاعتيادي في المواقف العيانية المألوفة حيث تلعب نظرية الكم دوراً محدوداً وحسب، نحن لا نعلم كيف نستكشف أي مسافة أصغر من طول بلانك، وزيادة الطاقة لا تفيد، كما أنّ الأفكار التقليدية بشأن الفضاء لا تنطبق على هذا الحجم الدقيق.[16] ومن الملاحظ أنّه في السنوات الأخيرة صار للنظر بالتخمين، نزعة لأن تفوق على التجربة في سرعته لا سيّما في الفيزياء النظرية، وأصبح للأفكار النظرية الجديدة نزعة يتزايد مداها لأن تنال قبولاً واسعاً هو ممّا يسبق كثيراً أي أمل لاختبارها تجريبياً، وقد أظهر المجتمع العلمي في بعض الحالات استعداداً لقبول أفكار لا يمكن اختبارها مطلقاً.[17]– الأوتار الفائقة – الكون التضخمي- .
إنّ مفهوم ” الحالة ” تعني في ميكانيا الكم ضمناً، كلّ ما يمكن معرفته احتمالاً حول المنظومة في أية لحظة”. وهنا تتطوّر المنظومة حتمياً، كما هي الحال من النّاحية الكلاسيكية تماماً، على النحو الّذي تكون فيه الحالات المستقبلية محدّدة تماماً إذا عرفت الحالة في لحظة ابتدائية مّا. بهذا المعنى، هنا أيضاً، يكون الحاضر هو الذي يحدد المستقبل. لكن هناك اختلاف عميق جداً يتمثل في أن الحالة الكمية لا تحدّد بدقة مواضع الجسيم وكميات تحرّكه، وإنّما تحدّد احتمالات ذلك فقط. وهذا يعني أن ميكانيكا الكم احتمالية. على سبيل المثال: هناك حالات يكون فيها التوزيع الاحتمالي لموضع جسيم ما متموضعاً بوضوح تامّ بحيث يمكن القول بأن الموضع محدد تقريباً (في اللّحظة المحدّدة)، من ناحية أخرى، هناك حالات يكون التوزيع الاحتمالي فيها عريض المدى بحيث يحتمل تواجد الجسيم في كل مكان تقريباً أثناء إجراء القياسات. وهناك احتمالات عديدة لا حصر لها، لوجود حالات في منزلة وسط بين هذه وتلك. ينسحب هذا أيضاً على كميّة التّحرك، حيث تكون محدّدة بوضوح لبعض الحالات، ويكون توزيعها الاحتمالي عريضاً لحالات أخرى، وتوجد في الوسط احتمالات عديدة غير محدودة .على سبيل المثال: افترض أنّ أحداً قام بوضع مكشاف في مواقع مختلفة لتحديد موضع جسيم معروف (بكيفية مّا) أنّه في حالة كميّة معينة عند لحظة زمنيّة معينة. فإذا طقطق أو ومض المكشاف، فإن هذا يدلنا على أن الجسيم كان موجوداً في الحيز الذي يشغله هذا المكشاف في نفس اللحظة المشار إليها. هذا يعني أن هناك تواجداً محدداً للموقع سيتمّ الكشف عنه. لكن إذا أعيدت التجربة مراراً و تكراراً بحيث ينظم الجسيم دائماً في نفس الحالة، فإنّ النتائج الحاصلة ستكون متناثرة لأنّ المكشافات سوف تعطي قراءات مختلفة باختلاف عدد مرّات تكرار التجربة. وعليه فإنّ المعرفة التّامة لحالية الكم لا تسمح للمرء بأن يتوقع النتائج حدثاً حدثاً، وإنّما يتنبأ بالتوزيع الاحتمالي فقط.[18] وبالتالي فإنّ الأسباب نفسها في الشروط نفسها لا تحتم النتائج نفسها على الصعيد الذري الكمومي.
وقد بتنا نعرف أنه في الفيزياء بعد الكمومية، لم تعد الصيغ الرياضية تمثل الطبيعة، بل تمثل ما نملكه من المعرفة بها، وهذا يعني كما يقول هايزنبرغ أنّنا عدّلنا من توصيفنا للطبيعة الذي كان يمارس خلال مئات السنين والذي كان يُعتبر لبضعة عقود خلت أنه الهدف الطبيعي لكل علم دقيق، وفيما يخص النتائج النهائيّة يجب أن نذّكر أنه لم يوجد قط في دائرة علم الطبيعة الدّقيق حلول نهائية إلاّ في عدد محدود جداً من مجالات التجربة، وكلمة نهائي كما نطبقها على علوم الطبيعة تعني وضوحاً أنه يوجد دوماً منظومات مفاهيم وقوانين تشكل كلاً مغلقاً وتكون قابلة لأن تُصاغ رياضياً، وهي تصح في مجالات معينة من التجربة، فهي في هذه المجالات ذات صحة شاملة ولا تخضع للتحويل أو التحسين، ولا يحق لنا بالطبع أن نأمل من هذه المفاهيم والقوانين أن تكون فيما بعد قادرة على تمثيل مجالات أخرى من التجربة، والمفاهيم والقوانين الواردة في نظرية الكم، لا يمكن أن نسميها هي الأخرى نهائية إلا بهذا المعنى المحدد، وبهذا المعنى المحدد وبه فقط يمكن للمعرفة العلمية أن تتحدد نهائياً في لغة رياضية أو في شيء آخر[19]. فإذا كانت قوانين فيزياء الكم تحدد سلوك الدّالة الموجية، فإنّ الفيزياء تقول لنا إنّه في ظلّ وجود الدالة الموجية لجسيم مّا، في زمن معين، تتيح لنا ميكانيك الكم من حيث المبدأ، حساب الدالة الموجية للجسيم – على نحو حاسم تقريباً – في وقت لاحق. حتّى هذه النقطة، لا يزال الأمر مثل قوانين نيوتن تماماً، الّتي تخبرنا كيف تتطور الحركة التقليديّة لكرة بيسبول مع الزمن، أو معادلات ماكسويل، الّتي تقول لنا كيف تتطور الموجات الكهرمغناطيسية مع الزّمن. والفارق أنّ الكميّة الّتي تتحرّك مع مرور الزّمن بأسلوب محدّد لا يمكن مشاهدتها مباشرة في حالة ميكانيكا الكمّ، وإنّما هي مجموعة من الاحتمالات للتوصل إلى مشاهدات معينة، وهي في حالتنا هذه احتمالات لقياس وجود الجسيم في مكان معين، في زمن معين، والنتيجة الأكثر غرابة هي أن الدالة الموجية نفسها، لا تصف بصورة مباشرة احتمال العثور على جسيم ما في مكان مّا، وفي زمن مّا، وإنّما “مربع” الدّالة الموجية هو الّذي يعطينا تلك الاحتمالات، هذه الحقيقة بذاتها هي المسؤولة عن النّتائج الغريبة الّتي تحيط بعالم الكمّ.[20]
ما تخبرنا به فيزياء الكوانتم عن الحقيقة، هي أن الطبيعة تبتكر مفاجآت تتجاوز كثيراً ما يمكن أن يولده الخيال البشري. وفي مقالة نشرها بور مع كرامرز وسليتر نجد أبرز سمة من سمات التفسير الصحيح لنظرية الكم عندما اقترحا ما يسمى بموجات الاحتمال، الّذي كان شيئاً جديداً تماماً في الفيزياء النظرية منذ عصر نيوتن، لأنّ مغزى الاحتمال في الرياضيات أو الميكانيك الإحصائي، كان يعبر عن قصر مدى معرفتنا بالواقع الموضوعي، فنحن عندما نرمي مكعب نرد فإنّنا نجهل التفاصيل الدقيقة لحركة يدنا الّتي تتحكم في كيفيّة سقوط حجر النرد، ولهذا السبب نقول بأن احتمال ظهور رقم معين يساوي السدس تماماً، لكن موجة الاحتمال التي اقترحها بور تعني أكثر من هذا، إنّها تعني نزوعاً نحو شيء مّا، إنّها تعبير كمي لمفهوم أرسطو عن الوجود بالقوّة، بذلك تجلب موجة الاحتمال شيئاً آخر يقع في منتصف المسافة بين فكرة الحادث (قبيل وقوعه)، وبين الحادث الواقع نفسه، إنّها نوع عميق من الحقيقة الفيزيائية يتوسط المسافة بين الإمكانية والواقع، تلك الموجة يمكن اعتبارها بشكل أو بآخر كمرادف للاحتمالات بالقوّة الّتي تدفعها صدفة معينة لتتحوّل إلى وجود فعلي، فتابع الاحتمال بخلاف ما يجري عادة في ميكانيك نيوتن لا يعبر عن الحادث، بل عن مجموعة من الحوادث الممكنة الوقوع أثناء عملية الرصد على الأقل [21]. وعملية الرصد نفسها تحول هذا التابع من الإمكان إلى الواقع. وبالتّالي فإنّنا عندما نقوم بعملية قياس، فإنّنا نسبب “إنهيار الدالة الموجية”، بعبارة أخرى، إنّنا نقلص فجأة نطاق الاحتمال إلى صفر في كل الحالات، ما عدا واحدة. لذا، يكون احتمال أن يأخذ النظام شكلاً واحداً فقط هو مائة بالمائة، ولا تتداخل الأشكال المختلفة المحتملة بعضها مع بعض. لكن هذا قد يثير بعض التّساؤلات، منها: كيف تؤدي عملية قياس لانهيار الدّالة الموجية، وما الشّيء المميّز في عملية قياس كهذه؟ وهل هناك حاجة لوجود بشري لإجراء عملية الرصد؟ الواقع أن مسألة الوعي ليست هي الأساس، فقد زعم فاينمان أنّه لا بد من اعتبار النظام والراصد معاً نظاماً كمياً واحداً، فإذا كانت أداة الرصد ” كبيرة ” – بمعنى أنّ لها عدة درجات داخليّة من الحريّة – فبإمكاننا إذن أن نبين أن مثل هذا النظام الكبير يسلك سلوكاً تقليدياً، أي إن التّداخل بين حالات الكم الممكنة المختلفة الّتي يمكن مشاهدتها بالعين المجردة لأداة القياس، يصبح متناهي الصغر إلى حدّ يكون معه غير ملائم على الإطلاق من الناحية العمليّة. وعن طريق إجراء فعل القياس نفسه، فإنّنا بطريقة مّا، نصنع تداخلاً بين نظام الرصد الكبير، وبين نظام كمي صغير، فيصيران مرتبطين معاً، هذا الارتباط يرغم في نهاية الأمر نظام ميكانيكا الكم الصغير على الوجود في حالة واحدة محددة بدقة، هي الحالة الّتي نقيس بعد ذلك النظام فيها، و بهذا المعنى نقول أن الدالة الموجية للنظام الصغير قد ” إنهارت ” – بمعنى أنّ نطاق احتمال كون النظام في أي حالة أخرى غير تلك التي نقيسها صار الآن صفراً – وليس للبشر أي علاقة بهذا الأمر، فنظام الرصد يجب ببساطة أن يكون كبيراً وتقليدياً ومرتبطاً بالنظام الكمي بواسطة عملية القياس.[22] وفي عصرنا الحاضر، يسهل عرض صورة خرق تناظر الانعكاس في التفاعل الضعيف من خلال الجسيمات الغريبة المسماة “نيوترونو”، وهي نواتج انحلال بيتا التي سماها فيرمي بهذا الاسم، والوحيدة المعروفة التي تتفاعل فقط بالتفاعل الضعيف، وهي جسيمات “عسراء” ، ذلك أنّ معظم الجسيمات الأوليّة تحمل زخماً زاوياً “سبين” وتتصرّف وكأنّها تدور في الاتجاه المعاكس إذا نظرنا إليها في مرآة، وجميع الجسيمات الأخرى المعروفة يمكن قياسها وهي تسلك سلوكاً يجعلها تبدو وكأنها تتحرّك مغزلياً إمّا في اتجاه عقارب الساعة، وإمّا في عكس اتجاه عقارب الساعة، حسب التجربة الّتي يتمّ إجراؤها. غير أن النيوترينوات، تخرق تناظر المرآة إلى أقصى حدّ ممكن، فهي تدور في اتجاه واحد وحسب. ألا يعبر ذلك على أن حقيقة المادة تعبر عن حقائق؟. ومن جهة أخرى موازية: لنأخذ الإلكترون، يخبرنا مبدأ هايزنبرغ أنّنا إذا قسنا الالكترون لبعض الوقت المحدد، يظلّ هناك قدر من عدم اليقين محدّد القيمة في معرفتنا بطاقته. ولكن إذا كان هناك قدر من عدم اليقين، فكيف لنا أنا نعرف أننا نقيس الإلكترون وحده؟ فمثلاً إذا كان الإلكترون يبعث فوتوناً يحمل طاقة ضئيلة للغاية، فإنّ الطاقة الكلية للمنظومة سوف تتغير، وإن كان التغيير ضئيلاً جداً، ولكن إذا كنا لا نعرف بالضبط مقدار طاقة المنظومة، فإنّنا لا نستطيع إذن أن نحدد هل بعثت فوتوناً منخفض الطّاقة أم لا. لذا فإن ما نقسيه حقاً ربّما كان هو طاقة الإلكترون بالإضافة إلى الفوتون الّذي أطلقه. لكن لماذا نتوقف عند هذا الحدّ؟ ربّما بعث الإلكترون عدداً لانهائياً من الفوتونات منخفضة الطّاقة، فإذا راقبنا الإلكترون فترة كافية، يمكننا قياس طاقته بدقة كبيرة، ويمكننا وضع عداد فوتونات بالقرب منه لنرى إن كان هناك فوتونات حوله، وفي هذه الحالة، تُرى ماذا حدث لجميع الفوتونات الّتي كانت تتحرك مع الإلكترون خلال تلك الفترة؟ الأمر بسيط، يمكن للإلكترون أن يمتص كلّ تلك الفوتونات قبل أن تتاح لنا فرصة قياسها. يطلق على نوع الفوتونات الّتي يمكن للإلكترون أن يطلقها ويعيد امتصاصها خلال فترة زمنية قصيرة للغاية لا تتيح لنا قياسها اسم “الجسيمات الافتراضيّة”. وقد أدرك فاينمان أنّنا عندما ندرج آثار كل من النسبية و ميكانيكا الكمّ، لا يكون هناك مفرّ من الإقرار بوجود هذه الجسيمات. لذا عندما نفكّر في إلكترون يتحرّك، يصير لزاماً علينا أن نفكر فيه على أنّه جسم شديد التّعقيد تحيط به ساحابة من الجسيمات الافتراضيّة .[23] وفي عالم الكم يمكن اعتبار القوتين الكهربائيّة والمغناطيسيّة ناتجتين عن تبادل الفوتونات الافتراضيّة، بحيث تغدو القوى المسؤولة عن تماسك الكون قائمة على أساس خلط هوامي بين عوالم افتراضيّة يحولها القياس إلى موجودات لها معنى منطقي، حيث أعلن ماكس بورن بأن الجسيمات الأوليّة لا يتحكّم في سلوكها قوانين العلية، وإنّما قوانين الاحتمال، وفي ضوء هذا التّفسير لا تكون للموجات حقيقة الموضوعات المادية، بل حقيقة المقادير الرياضيّة.
والآن إذا كان هذا ما يحكم الصغائر، ماذا عن العالم الكبير؟ في العالم الكبير كان السّؤال الأزلي ولا يزال و سيبقى يرافق الإنسان هو: ما أصل الكون، وما حقيقة تكونه. بدأت محاولات الإجابة من الأساطير، ثمّ الأديبيات الدينيّة، لتقوم الفلسفة بهذا الدور. وقد قدمت الفيزياء النظريّة بعد ذلك ثلاثة أنواع على الأقل من النظريات من الّتي يمكن أن يُعتد بها – نؤكّد أنّه من الصعوبة بمكان إمكان تأكيد أية واحدة منها – الّتي تحدّثت عن أصل الكون.
- تقول الأولى أنّه رغم أنّ الكون ليس أبدياً، فإنّه ليس له بداية ولا نهاية، إذ قال هوكنغ (وهو من واضعيها مع الفيزيائي هارتل) أن الكون قد يكون متناهياً إلاّ أنّه ليس له حد، وهو ربّما بدأ في زمان تخيلي. ففي كون هوكنغ ، تنغلق الأبعاد الأربعة على نفسها، وإذا ذهبنا وراء في الزمان بما يكفي، لن يعود هناك بعد أي زمان، وإنّما سيكون هناك فحسب أربعة أبعاد شبه مكانيّة، وبالتّالي فإن الكون ليس له بداية، لسبب بسيط هو أن الزمان لا يكون له بعد خاصيته كزمان. أمّا الزّمان فقد أصبح كما نعرفه عند الوقت الّذي بدأ فيه التمدد الكوني الانتفاخي. وهذا كان الكون لا بداية له، فإنّه أيضاً بلا نهاية، فلا يوجد حدّ للزّمان في المستقبل أيضاً، وذلك بسبب حدوث نفس الظاهرة بالضبط. وبالتالي يجب أن يكون الكون مغلقاً، كما يجب أن تكون له كثافة كتلة عالية جداً بما يكفي لأنّ يتوقف تمدد الكون في النهاية ليبدأ طور التقلص، وعندها يصير الكون مضغوطاً جداً بحيث تصبح تأثيرات الكم مهمة مرّة أخرى، وعندها فإنّ بعد الزّمان يصبح مكاني من جديد، ويصير للكون أربعة أبعاد متلاحمة من جديد بلا حرف أو حد. وهذا التصور يذكرنا بالتصور الفلسفي القديم القائل أن لا شيء يصدر عن لاشيء.
- تقول الثانية (النظريّة الكموميّة) أنّ الكون بدأ كتراوح كميّ ميكروسكوبي، وهو قد اندفع إلى الوجود من العدم تماماً مثلما تفعل الجسيمات التقديريّة. وفي هذا التّصور ما يذكرنا بأسطورة الخلق من فوضى بدائية غير متعينة تعتمد على مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ.
- وهي نظريّة منبثقة عن سابقتها وتقول أن كوننا قد بدأ كتراوح كميّ في كون موجود من قبل (ليس من العدم) وبالتالي فإنّ الأكوان تتوالد ذاتياً إلى ما لا نهاية، وبالتالي يوجد عدد لا متناهي من الأكوان المتوالدة ذاتياً.[24]
وتماماً كالبدايات، تبرز قصة النهايات الكونيّة في العلم بأقوى صوره، إذ تطرح أعظم الأسئلة وتستغل كل الآليات وتربط النظرية وقوّة العقل بالمهمة. وهي تبرز أيضاً أكبر مواضع عدم اليقين بالعلم، فإن كان يمكن استخدام الفيزياء للتنبؤ بالحالة المستقبلية للكون وكلّ شيء داخله، فإنّ إرادتنا الحرّة أكبر وهم على الإطلاق، لكن ما من سبيل لفحص الكون والتّنقيب داخله كما يمكننا عمل ذلك مع شيء مّا في المعمل، علاوة على أنّ معظمه غير مرئياً لنا.[25] رغم أنّه قد مرّ ما يزيد على نصف القرن منذ أن أصبح الإقرار بوجود المادة المظلمة في الكون معروفاً، إلاّ أنّ الفلكيين ما زالوا غير متأكدين ممّا تكونه، إذ لا يرصد منها سوى قدرتها الجذبويّة الهائلة، كما أنّهم ليسوا متأكدين على وجه الدّقة من مقدار ما هو موجود منها. فهم يعرفون فقط أنّه يوجد منها مقدار جد كبير. وحسب التقديرات الحالية، فإنّ المادة المظلمة يبلغ مقدارها ما يتراوح بين 90 و99 % من كتلة الكون.[26]
ومن المؤكّد أنّ التفسيرات الشموليّة في الفيزياء، هي تفسيرات اعتباطيّة لأنّه توجد في كلّ حالة عدة تفسيرات مختلفة يمكن قبولها، وفق مبدأ التتامية لبور، ومن ناحية أخرى، سوف يكون من الخطأ أن نقول أنّ التفسيرات الشموليّة والصورتين الجسيمية والموجية لا تنبئنا بشيء عن الكون الفيزيائي الموضوعي. ويمكننا أيضاً أن نتخيل كوناً يكون من المستحيل أن نقحم بين ظواهره نظماً من نوع نظم الموجات أو الجسيمات. يقول ريشنباخ (إنّ الطبيعة تسمح لنا، على الأقل على نحو جزئي، أن نبني عالماً من الظواهر البينيّة مع قوانين الظواهر).[27] كذلك يقول العالم البريطاني جيمس جينز: ” هناك اليوم اتّفاق على نطاق واسع يكاد يقترب من الإجماع في الجانب الفيزيائي، على أن سبيل المعرفة يتجه نحو حقيقة غير ميكانيكيّة. لقد بدأ الكون يبدو أقرب إلى الفكرة الضخمة منه إلى الآلة الضخمة. ولم يعد العقل يبدو دخيلاً عارضاً على دنيا المادة، وأحرى بنا أن ننادي به خالقاً وحاكماً لدنيا المادة “.[28]
فإذا اعتقدنا أنّ العالم ليس اعتباطياً، بل هو محكوم بقوانين محدّدة، فلا بدّ من ضمّ النظريات الجزئيّة إلى نظريّة موحّدة تماماً، تصف كلّ شيء في العالم، لكن هناك أمراً محيراً تماماً يصادفنا في أثناء البحث عن هذه النظرية الموحّدة، إذ تفترض الأفكار الّتي تدور حول النظريات العلميّة المذكورة آنفاً أنّنا مخلوقات منطقيّة، وأنّنا أحرار في رؤية العالم كما نحبّ، ونستطيع أن نضع حدوداً لما لا نرغب في رؤيته، وبمثل هذا المنهج، فمن المنطقي أن نفترض أنّنا سنحرز تقدماً أكثر نحو القوانين الّتي تحكم العالم، ومع ذلك إذا كان هناك بالفعل نظرية موحّدة شاملة، فإنّها لا بدّ أن تحدّد مخرجات بحثنا عن هذه النظريّة، لأنّها لا بدّ أن تحدّد أفعالنا، وكيفية توصلنا إلى النتائج الصّحيحة من الأدلّة، وبالقدر نفسه قد نتوصّل بفضلها إلى نهايات غير صحيحة، أو لا نتوصّل إلى شيء على الإطلاق.[29] وهذا ما استنتجه لورانس كراوس عندما قال: “قد تصبح الفيزياء بعد كل هذا “علماً بيئياً” ولعلّ الثّوابت الأساسيّة للطّبيعة، الّتي افترضنا طويلاً أنّها تتمتّع بأهميّة خاصّة، محض مصادفات بيئيّة. لو أنّنا نحن العلماء، نميل إلى أخذ أنفسنا وعلمنا بجديّة شديدة، فلعلنا أخذنا كوننا بجديّة شديدة كذلك. فربّما نثير ضجّة كبيرة، حرفياً ومجازياً، حول لا شيء. وربّما نبالغ كثيراً في اللاّشيء الّذي يحكم كوننا. وربّما يُعدّ كوننا، مثل نقطة مدفونة في بحر واسع، متعدّد الاحتمالات من الأكوان، وربّما لن نعثر أبداً على نظريّة، تصف لماذا يجب أن يكون الكون على النحو الّذي هو عليه. أو ربّما نعثر عليها؟؟؟ .[30]وقد سئل ريتشارد فاينمان: هل تبحث عن القوانين النهائيّة في الفيزياء؟ أجاب. لا. إنّني لا أبحث عن تلك القوانين، وإنّما أبحث لكي أعرف أكثر عن العالم، فإذا اتّضح أنّ هناك قانوناً أولياً بسيطاً يشرح كلّ شيء، فليكن. سوف يكون اكتشافاً جميلاً جداً … إنّني مهتمّ بالعلم لكي أعرف ببساطة المزيد عن العالم، وكلّما زادت معرفتي أجده أفضل . إنّني أحبّ أن أعرف .[31]
***********
[1] لورانس كراوس: كون من لا شيء، ترجمة: غادة الحلواني، منشورات الرمل، القاهرة، ط1، 2015، ص 17.
[2] ليزا راندل: الطرق على أبواب السماء، ترجمة: أميرة علي عبد الصادق، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ط1، 2015، ص 30.
[3] ستيفن هوكنغ: تاريخ أكثر إيجازاً للزمن، ترجمة: أحمد عبد الله السماحي – فتح الله الشيخ، دار العين للنشر، كلمة، ص 57.
[4] أليكس روزنبرغ: فلسفة العلم، مقدمة معاصرة، ترجمة: أحمد عبد الله السماحي – فتح الله الشيخ، المركز القومي للترجمة، ط1، 2011، ص 125.
[5] صلاح قنصوه: فلسفة العلم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1985، ص 159.
[6] ليزا راندل: الطرق على أبواب السماء، مرجع سابق، ص 120.
[7] ليزا راندل : الطرق على أبواب السماء،مرجع سابق، ص 78.
[8] فرانك كلوس: العدم، ترجمة: فايقة جرجس حنا، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1، 2014، ص 33.
[9] فيليب فرانك: فلسفة العلم، الصلة بين العلم والفلسفة، ترجمة : علي علي ناصف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1983، ص 301.
[10] ميشيو كاكو: فيزياء المستحيل، ترجمة: سعد الدين خرفان، عالم المعرفة، الكويت، عدد 399، 2013، ص 276.
[11] أليكس روزنبرغ: فلسفة العلم، مقدمة معاصرة، مرجع سابق، ص 66.
[12] ستيفن هوكنغ: تاريخ أكثر إيجازاً للزمن، مرجع سابق، ص 100.
[13] فيليب فرانك: فلسفة العلم، الصلة بين العلم والفلسفة،مرجع سابق، ص 298 – 299.
[14] ليزا راندل: الطرق على أبواب السماء، مرجع سابق، ص 32.
[15] لورنس إم كروس: ريتشارد فاينمان وحياته في العلم، ترجمة: محمد إبراهيم الجندي، مؤسسة هنداوي، ط1، 2014، ص 259.
[16] ليزا راندل: الطرق على أبواب السّماء، مرجع سابق، ص 115.
[17] ريتشارد موريس: حافة العلم، عبور الحد من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا، ترجمة: مصطفى ابراهيم فهمي، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط1، 1994، ص 77.
[18] سام تريمان: من الذرة إلى الكوارك، ترجمة: أحمد فؤاد الباش، عالم المعرفة، الكويت، عدد 327، 2006، ص 29 .
[19] هايزنبرغ , فيرنر: الطبيعة في الفيزياء المعاصرة، ترجمة: د. أدهم السمان، دار طلاس، دمشق، ط1، 1986، ص 36.
[20] لورنس إم كروس: ريتشارد فاينمان وحياته في العلم، مرجع سابق، ص 60.
[21] هايزنبرغ فرنر: فيزياء وفلسفة، مرجع سابق، ص 61 – 75.
[22] لورنس إم كروس: ريتشارد فاينمان وحياته في العلم، مرجع سابق،ص 72 – 73.
[23] لورنس إم كروس : ريتشارد فاينمان وحياته في العلم، مرجع سابق، ص 40 – 41 .
[24] ريتشارد موريس: حافة العلم، عبور الحد من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا، مرجع سابق، ص184.
[25] كريس إمبي: نهاية كل شيء، ترجمة: إيناس المغربي، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1، 2014، ص 315.
[26] ريتشارد موريس: حافة العلم، عبور الحد من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا، مرجع سابق، ص 109.
[27] فيليب فرانك: فلسفة العلم، الصلة بين العلم والفلسفة، مرجع سابق، ص 283.
[28] فيليب فرانك: فلسفة العلم، الصلة بين العلم والفلسفة، مرجع سابق، 290.
[29] ستيفن هوكنغ: تاريخ أكثر إيجازاً للزمن، مرجع سابق، ص 26.
[30] لورانس كراوس: كون من لا شيء، مرجع سابق، ص 180.
[31] لورانس كراوس: كون من لا شيء، مرجع سابق، ص 224.

يشكر الكاتب على المقالة وعلى الجهد المبذول فيها